… كان لدى نيلز بور طريقة فريدة ومتعمقة في التفكير، وهي سمة فُسرت أحيانًا على أنها “بطء” في الاستيعاب، لكنها كانت في جوهرها علامة على عبقريته العميقة.
لمحة عن حياته (1885-1962)
وُلد نيلز بور Niels Bohr في كوبنهاغن لعائلة أكاديمية مثقفة، فوالده كان أستاذًا لعلم وظائف الأعضاء. بعد دراسته في جامعة كوبنهاغن وحصوله على الدكتوراه عام 1911، سافر إلى إنجلترا للعمل مع رائدين في الفيزياء هما جوزيف جون طومسون في كامبريدج، وإرنست رذرفورد في مانشستر. في مانشستر، وضع الأسس لنموذجه الذري الشهير في عام 1913 وهو بعمر الـ 28 عامًا فقط.
عاد إلى الدنمارك عام 1916 ليعمل أستاذًا في جامعته الأم، وفي عام 1921 ترأس “معهد كوبنهاغن للفيزياء النظرية” (الذي يحمل اسمه الآن). تحت قيادته، تحول المعهد إلى مركز جذب للعلماء من جميع أنحاء العالم، ليصبح مهدًا لثورة ميكانيكا الكم. مع صعود النازية، لعب بور دورًا إنسانيًا مهمًا، حيث ساعد العديد من الفيزيائيين اليهود والمنفيين على الفرار من أوروبا واللجوء إلى معهده في كوبنهاغن.
خلال الحرب العالمية الثانية، وبسبب أصله اليهودي من جهة والدته، اضطر للفرار من الدنمارك التي احتلتها ألمانيا النازية عام 1943. انتقل إلى الولايات المتحدة حيث ساهم في مشروع مانهاتن لتطوير القنبلة الذرية. لكنه سرعان ما أصبح من أشد المدافعين عن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والرقابة الدولية على الأسلحة النووية، وأرسل “رسالة مفتوحة إلى الأمم المتحدة” عام 1950 داعيًا إلى “عالم مفتوح”. تُوفي في كوبنهاغن عام 1962 تاركًا إرثًا علميًا وفلسفيًا ضخمًا.
… مساهماته العلمية والفلسفية
— النموذج الذري وحائز على نوبل: تمكن من حل معضلة كانت تحير الفيزيائيين: كيف يمكن للإلكترونات أن تدور حول النواة دون أن تفقد طاقتها وتنهار عليها؟ قدم حلاً جذريًا، حيث وضع افتراضًا ثوريًا مفاده أن الإلكترونات لا يمكنها أن تشغل إلا مدارات محددة وثابتة للطاقة (مستويات طاقة كمية). كان هذا النموذج ناجحًا بشكل خاص في تفسير أطياف الانبعاث لذرة الهيدروجين، حيث تنبعث طاقة على شكل ضوء فقط عندما “يقفز” إلكترون من مستوى طاقة أعلى إلى مستوى أدنى. حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1922 تقديرًا لهذا الإنجاز
… مبدأ المراسلة: أداة فكرية تربط بين العالمين الكلاسيكي والكمي. ينص هذا المبدأ على أنه في أنظمة الأعداد الكمومية الكبيرة جدًا (كالأجسام الكبيرة التي نراها حولنا)، فإن تنبؤات ميكانيكا الكم يجب أن تتطابق مع تنبؤات الفيزياء التقليدية (الكلاسيكية). هذا المبدأ ضمن للعلماء طريقة للعودة إلى الفيزياء المألوفة عند التعامل مع الأنظمة الكبيرة.
· تفسير كوبنهاغن: كان الرد الفلسفي على غرائبية العالم الكمي. من أهم ركائزه: مبدأ التكامل (أن الجسيمات تملك خاصيتين متضادتين ومتكاملتين معًا، كالسلوك الموجي والجسيمي في آنٍ معًا، لكننا لا نستطيع رصدهما معًا)، والتفسير الاحتمالي (لا يمكننا التنبؤ بسلوك جسيم كمي بيقين مطلق، بل فقط باحتمالية وجوده أو سلوكه في حالات مختلفة)، ودور المراقب (عملية القياس أو “المراقبة” تؤثر بشكل جوهري على النظام الكمي).
… “بطء” الفهم… أم عبقرية في التفكير؟
حول مسألة كونه بطيء الفهم، فالقصة أكثر تعقيدًا مما قد تبدو عليه. يُذكر عنه أنه أظهر ما وصفه زملاؤه وطلابه بـ “بطء” في التفكير والاستيعاب، وهي ملاحظة وثّقها تلميذه وصديقه جورج جامو. يذكر جامو أن بور كان يجد صعوبة في متابعة أفلام الغرب الأمريكي، وكان دائم السؤال عن تفاصيل الحبكة. لكن هذا البطء الظاهري لم يكن ضعفًا، بل كان انعكاسًا لطريقة تفكيره المتعمقة والشاملة. فلم يكن يقبل تفسيرًا أو نظرية دون أن يفككها حتى أقصى حدودها، وصولًا إلى جوهرها الفلسفي. وهكذا، كان هذا “البطء” هو مفتاح عبقريته، حيث كان يفهم المسائل بعمق أكبر من غيره، وكان يكتشف الأخطاء الجوهرية في الأفكار المطروحة بعد أن يفهمها.
باختصار، لم يكن نيلز بور بطيء الفهم نتيجة قصور، بل كانت طريقته في معالجة الأفكار قد تبدو بطيئة لمن يحيطون به. لقد علمته هذه الطريقة التأملية العميقة أن يفكر بطريقة أكثر شمولية مما أدى به إلى اكتشاف أعماق جديدة في الفيزياء والفلسفة … R-A #المثقفون السوريون# مجلة ايايت فوتو ارت…


