الحرف بوصفه بنية رمزية: مقاربة سوسيولوجية في عمل إسماعيل لحكيم .تُقارب هذه اللوحة ضمن أفق سوسيولوجيا الفن باعتبارها نسقًا بصريًا يُعيد إنتاج العلاقة بين الحرف والذاكرة داخل حقل ثقافي مشحون بالرموز. فالبنية الثنائية التي يقوم عليها العمل—من خلال تقسيمه إلى وحدتين متماثلتين—لا تُفهم فقط كخيار جمالي، بل كاستراتيجية تمثيلية تعكس منطق التكرار داخل الثقافة، حيث يُعاد إنتاج المعنى عبر آليات الاستنساخ الرمزي والتداول.في المستوى العلوي، تستحضر الكتابة شبه المقروءة شكل المخطوط، بما يحمله من حمولة تاريخية وسلطوية. هنا، يتخذ النص وضعية “الأثر” أكثر من كونه خطابًا تواصليًا، مما يضع المتلقي أمام سلطة رمزية غير مكتملة، تُحيل إلى ما يسميه علماء السوسيولوجيا بـ”الرأسمال الثقافي المؤجل”، حيث لا تُستهلك العلامة عبر القراءة المباشرة، بل عبر استدعاء خلفياتها الثقافية والتاريخية.أما الحرف المركزي، فيتجاوز كونه وحدة لغوية ليصبح فاعلًا رمزيًا داخل الحقل البصري. إنه يشغل موقع “الدال المهيمن” الذي ينظم باقي العناصر، ويعيد توزيعها داخل فضاء اللوحة. من هذا المنظور، يمكن قراءة هذا الحرف كتمثيل لتحول اللغة من أداة تواصل إلى موضوع للتأمل الجمالي، وهو تحول يعكس انتقال الفن العربي المعاصر من التبعية للنص إلى استقلالية الصورة.الدائرة الزرقاء، بما تحتويه من كثافة خطية، تمثل فضاءً دلاليًا مغلقًا، يمكن تأويله كاستعارة عن الجماعة الثقافية أو الذاكرة الجمعية. فالتشابك الحروفي داخلها يحيل إلى بنية معقدة من العلامات التي تتداخل فيها المرجعيات الدينية، الجمالية، والرمزية. اللون الأزرق، في هذا السياق، يكتسب بعدًا سوسيولوجيًا، إذ يرتبط بالروحانية وبالتمثلات الجماعية المرتبطة بالصفاء والعمق.في المقابل، يكشف الجزء السفلي عن تفكك البنية الحروفية، حيث تتحول العلامات إلى حركة حرة وغير منضبطة. هذا التحول يمكن قراءته كتمثيل بصري لتحرر المعنى من سلطة النسق، أو كإشارة إلى دينامية الثقافة المعاصرة التي تعيد تشكيل رموزها خارج الأطر التقليدية. إنه انتقال من النظام إلى اللانظام، ومن المركز إلى الهامش، بما يعكس تحولات الحقل الفني ذاته.ضمن هذا الإطار، تشتغل اللوحة كفضاء لإعادة التفاوض حول معنى الحرف داخل الثقافة العربية، حيث لم يعد مجرد حامل للمعنى اللغوي، بل أصبح موضوعًا للصراع الرمزي بين التقليد والحداثة. وبهذا، يقدم العمل نموذجًا دالًا على كيفية اشتغال الفن التشكيلي المعاصر كحقل مستقل، يعيد إنتاج الرموز ويمنحها دلالات جديدة تتجاوز سياقاتها الأصلية.Kamal Mustapha#فينقيا التشكيلية#مجلة ايليت فوتو ارت..


