اللمسة المصرية ؛ لمسة العمق الحضاري بعيد الأغوار ؛ ظاهرة في كل ما ورد إلى مصر من ثقافات وفنون وعقائد على مدى آلاف السنين.
بقلم حزين عمر
عظمة الأمم لا تقاس بأموالها؛ نفطها؛ دولاراتها؛ بل بعمقها الحضاري الذي تصنعه عقولها ؛ من أدب وفن وفلسفة وعلم ؛ واستمرار هذا الإبداع في الحاضر ؛ والبناء عليه في المستقبل.. فقد تنهزم الأمم أمام القوة المادية/العسكرية ؛ لكنها لا تموت ولا تفنى ؛ بل غالبا ما تنتصر حضاريا على غزاتها الأقوياء !! فما كان حلم الإسكندر الأكبر : أعظم القادة العسكريين ؛ سوى أن تعترف به حضارة مصر واحدا من ملوكها ؛ ويجلس خاضعا أمام كهنتها لينصبوه حاكما ؛ وهو الذي اجتاح مصر عسكريا وسيطر على نصف العالم .
وما قوة الرومان وعنفوانهم سوى تلميذ صغير أمام ثقافة الإغريق وفلسفتهم وفنونهم ؛ على الرغم من انهزام الإغريق عسكريا أمام الرومان.
هذه القاعدة الحضارية : البقاء للأعلم والأكثر إبداعا لا للأقوى ماديا ..قاعدة ظلت سارية في القرون الوسطى..فعلى الرغم من توحش التتار وإسقاطهم للدولة العباسية عام ٦٥٦ هـ ؛وفارق القوة المادية بينهم وبين مصر ؛ فقد هزمتهم مصر مرتين : الأولى الهزيمة العسكرية ؛ والثانية الهزيمة الحضارية ؛ وهي الأخطر . فقد تحولوا من متوحشين أعداء لكل حضارة وتمدين إلى مسلمين مسالمين مشاركين في الإبداع العلمي والفني للثقافة العربية.
المدرسة المصرية
هذه القاعدة تأكدت كل لحظة في الحالة المصرية بالذات؛ بصفة مصر أعظم حضارات البشر وأخلدها.. وسرت روح مصر في علاقتها بالفاتح العربي المسلم في كل مجالات الحياة ؛ حتى في العقيدة نفسها.. فقد اعتدنا في مجال الدراسات الإسلامية أن نسمع مصطلح(الإسلام المصري) بمعنى: الدين بنقائه واعتداله وبساطته ..وبعد فتح مصر بعقود قليلة بدأ العقل المصري يهضم ويستوعب ويضيف ويبدع ؛ حتى قدم لنا واحدا من الفقهاء والعلماء الثقات من أصل مصري قح ؛ هو الليث بن سعد ..الذي قال عنه الإمام الشافعي : كان أعلم الناس لكن ضيعه تلاميذه !!
وفي فنون اللغة والنحو والصرف دأب الدارسون على تلقي علومهم من ثلاث مدارس : مدرسة الكوفة؛ مدرسة البصرة؛ ثم مدرسة بغداد.. وبمجرد احتلال المغول لبغداد هرب أهل العلم إلى مصر ؛ وراحت مصر ترفع راية اللغة والنحو وحدها ؛ لتبرز لدينا (المدرسة المصرية) في هذه العلوم ..ومازالت هي النموذج والقدوة والمرجعية حتى زمننا هذا.
في مجال العمارة الإسلامية وزخارفها ؛ كان التحدي الأكبر للفنان المسلم والمعماري والبناء ؛ متجسدا في تحقيق قيم إبداعية جمالية راقية ؛ وفي الوقت نفسه البعد عن تجسيد البشر واصطناع التماثيل. وكان التحدي الآخر هو شموخ العمارة المصرية العريقة والخالدة منذ آلاف السنين ومأزق المقارنة بها. فلجأ الفنان إلى التفاصيل الصغيرة ؛ المنمنمات؛ الجزئيات ؛ المشاهد المموسقة؛ حتى لا يقع في مصيدة الآثار المصرية المهيبة الشامخة.. يذكر أبوصالح الألفي في بحث له عن (أثر الفكر الإسلامي على الفن المصري في العصر الإسلامي) نشر في كتاب جماعي :(الطابع القومي لفنوننا المعاصرة) الصادر عن هيئة الكتاب عام ١٩٧٨ ؛ يذكر أنه (كان طبيعيا تماما أن نستشعر في الفنون الإسلامية على اختلافها تشابها وأصداء تذكرنا بروح الروائع في الفن المصري القديم . فالتحف المعدنية الإسلامية مثل الشمعدانات ومقابض الأبواب والأواني والثريات ؛ تختزن طاقة وحسا معماريا يفيض بالمهابة والاتزان؛ وهو نفس ما نستشعره في العمائر المصرية القديمة ؛ والكتابة العربية بتنوعاتها وتجريداتها وحيويتها الرائعة ؛ وما تقدمه من تراكيب وإحكام الفراغات ..ألا تستشعر العين الحساسة الواعية في لحظة الرؤيا بالنحت البارز في الفن المصري القديم يقف خلفها على بعد عشرات المئات من السنين ؟) .
من عبده لأم كلثوم!!
وظل فن الغناء والموسيقى أصداء خافتة بعيدة؛ لا نسمعها إلا في كتب التراث ؛ وخاصة (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني ؛ حتى انتبهت له الذائقة المصرية ؛ مع بداية عصر النهضة الحديثة ..وراحت الأصوات المصرية والأوتار المصرية تحيي فنون الغناء والموسيقى على يد عبده الحامولي وألمظ والشيخ المسلوب ؛ ثم صالح عبدالحي ومنيرة المهدية ؛ وصولا إلى أعلى ذروة حققها الغناء العربي متجسدة في أم كلثوم..ثم الباقة الناهضة معها وحولها وبعدها من مبدعي الموسيقى وصداحي الغناء : القصبجي؛ عبدالوهاب؛ سيد درويش؛ زكريا أحمد؛ رياض السنباطي ؛ حتى بليغ حمدي وسيد مكاوي والشيخ إمام ..ولم يترك الأمر للمواهب الفردية والاجتهادات الذاتية ؛ بل أنشىيء معهد الموسيقى العربية لإحياء هذه الفنون التي أضحت فنونا مصرية لا عربية.. وأضحت هذه الدراسات العلمية للفنون ؛ وما تبنته من مواهب ؛ مؤشرا على رقي الفن أو هبوطه ؛ وأصبحت قبلة لكل صوت عربي من خارج مصر ؛ يسعى للذيوع والتطور والخلود : أسمهان؛ فريد الأطرش ؛ صباح ؛ فايزة؛ سعاد محمد ..وغيرهم..
قد يثور سؤال: كيف تمصر مصر هذه العلوم والفنون وهي نفسها قد تحولت إلى الثقافة العربية الإسلامية ؟! الإجابة قد تطول كثيرا .. فحواها أن مصر التي فتحها عمرو بن العاص بمساعدة المصريين أنفسهم كانت حينذاك واقعة – ومنذ قرون – تحت الاحتلال الروماني الذي حاول طمس هويتها وقتل عقيدتها (المسيحية الأرثوذكسية) ومطاردة كهنتها ؛ حتى هربوا من القتل إلى الصحارى ؛ وعاشوا فيها ؛ وأقاموا أديرة الرهبنة بعيدا عن المحتلين. فكانت هذه كذلك لمسة المصريين على المسيحية ..ثم إن اللغة العربية نفسها جذورها لغة مصر القديمة التي حملتها السيدة هاجر معها إلى مكة؛ ولقنتها لابنها إسماعيل ؛ مع الثقافة المصرية ..وتزوج إسماعيل نفسه بمصرية كذلك ..فاندمج ابناؤه في لغة مصر وثقافتها ؛ مع مؤثرات لغوية من قبيلة (جرهم) العربية الجنوبية المجاورة لهم في مكة ..ومن أكثر مفردات اللغة المصرية وبعض مفردات العربية الجنوبية ؛ نشأت (اللغة العربية الحديثة) ؛ التي لم تكن مستغربة على المصريين حينما تلقوها من (أحفادهم العرب) الفاتحين ..هي لغة المصريين وثقافتهم ؛ وقد ردت إليهم !!


