رحل أسعد عرابي الفنان اللبناني السوري
الغاضب الصادم وكبير النقاد التشكيليين العرب
لم يعد صوته يحن على أذني، من باريس، العاصمة الثالثة التي وقع في غرامها، بعد دمشق وبيروت المدينتين اللتين سكنتا قلبه ووجدانه. يتابع الأحداث فيهما كمن ينتظر موعداً للسفر إليهما على جناح الحب والشوق. كلما كان يتصل بي يسألني عن الأوضاع في لبنان، وما إذا كان الوضع الأمني يسمح له في المجيء، لقضاء أيام أو أسابيع، أو ليقيم معرضاً. كان متحمساً لإقامة معرض في بيروت، خصوصاً أنه حرم من عرض أعماله في دمشق، بسبب الأحداث التي اندلعت في سوريا عام 2011، بل ربما كان متحمساً لرؤية الأصدقاء، ومتابعة الحركة التشكيلية في لبنان من قرب، هو الذي يتابع الحركة التشكيلية العربية والعالمية بمسؤولية كبيرة، ويبني نظرياته الفنية الجمالية عليها.
كان الصديق الكبير أسعد عرابي يبادرني في كل اتصال “أحمد يا توأم الروح”، قبل أن يبدأ حوارنا الهاتفي الطويل في كل مرة. يسأل عن بيروت والفنانين والمعارض، وكذلك عن الأوضاع الأمنية، ويذكرني دائماً بهويته اللبنانية، وأنه من آل عرابي في صيداً، وله بينهم أقارب جمعني ببعضهم مرة في أحد مقاهي بيروت، فوالده الصيداوي عاش في دمشق، حيث ولد أسعد، وتعلم، وتخرج، وبدأ حياته الفنية، إلى جانب كبار الفنانين السوريين، لاسيما فاتح المدرس الذي شاركه العمل في محترفه، والياس الزيات ومروان قصاب باشي، وآخرين كثر. وهو من الذين عرضوا في غاليري “وان” البيروتية، التي أسسها يوسف الخال، وأدارتها زوجته هلين الخال، وأذكر أنه عرض في غاليري “مرايا”، لصاحبتها جمانة رزق، في تسعينيات القرن الماضي، وكتبت عنه حينها، بالإضافة إلى معرضه الاستعادي الأخير في بيروت الذي أقامه عام 2017، في غاليري “أيام” لصاحبها السوري خالد سماوي. ومنذ ذلك المعرض وحنينه إلى بيروت يتنامى، يناقش في اتصالاته بي تاريخ المدينة وجولات العنف فيها، وأن الحركة الفنية والثقافية، رغم ذلك لم تمت فيها، ولا تزال نابضة بالحياة، ويستعيد معي نقاش أوضاع الفنانين المعروفين واحداً واحداً، وقد كتب الكثير من المقالات عن الفن التشكيلي اللبناني وعن فنانين تشكيليين، في صحف عربية متخصصة وصحف عامة، بينها حديثاً “الحياة”، “القدس العربي”، “السفير” وآخرها “ضفة ثالثة”.
وفي زيارته الأخيرة لبيروت طلب مني أن يزور صديقه الفنان علي شمس، وهو من معارفه في باريس التي هاجر إليها أسعد العام 1975 ، واستقر فيها حتى رحيله أمس.
وذهبنا معاً إلى قرية شمس “الوردانية” (قضاء الشوف) رافقتنا زوجة أسعد. وكان علي شمس حينها يغالب المرض وكتب أسعد عام (2019) مقالة عنه في “ضفة ثالثة” تحت عنوان ” علي شمس يودع ألوانه التي لا تعرف الغروب”.
منذ بداياته، إثر تخرجه من كلية الفنون في دمشق، بدأ أسعد يكتب بحساسية مشرقية، تصور المدن العريقة، لا سيما دمشق، ويستعيد التراث بلغة تشكيلية حديثة، عاملاً على تلغيزه بالرموز، وتذخيره بالأساطير والأشكال الطوطمية وكثيراً ما تدخل الأحلام التي يصورها في حالة كابوسية حزينة، أدخل الغربان إلى العديد من لوحاته تعبيراً عن خوفه من الرعب الذي دمر الحجر والبشر. كان أسعد تعبيرياً بامتياز، وتجريدياً بلا تحفظ، يلغي الحدود بين التشخيص والتجريد، مرة يذهب إلى غنائية البدايات، ومرة أخرى إلى الرقص بأجساد عارية وأحياناً نزقة. وكثيراً ما اعتمد على الموسيقى في وضع ألوانه وتوزيعها، وهو رسم الكثير من الأعمال لتجسيد أغاني أم كلثوم، مستلهماً التاريخ الصوفي العربي.
التعبيرية في لوحة أسعد تشخيصية ومنفتحة على التجريد اللوني، أما شخوصه، فكأنما ينحدرون من ذاكرة معتقة أو منسية، إلى حاضر متشظ بأفكار وجودية نابضة بالاحتجاجات اللونية، ومتصارعة مع واقع متأزم. وهو يتأرجح في أسلوبه بين بول كليه في مؤسقة الأشكال والألوان، وبرانكوزي في سعيه إلى الجوهر مهملاً hame الجماليات الخارجية أو السطحية. لا يسعى أسعد عرابي لبهرجة لونية، ولا للإفصاح عن الأمكنة التي يصورها، ولا المراجعة اللونية أو الخطية، إنما يبحر أكثر في تجريد مينيمالي يشع بالواقع من دون أن يفصح عنه.
واكب أسعد عرابي أحزان بيروت ودمشق وحلب ومدناً أخرى من دون أن يسميها أحياناً، متقصياً حروبها الأهلية والعنف الذي دار فيها. وكان الفنان الغاضب المحتج المتألم المتفاعل مع ضحايا المدن، والمدن الضحايا، التي عاث فيها العنف. وكان ذلك جلياً في عنوان معرضه الباريسي “الساكن والمسكون”، حيث تجلت انتفاضته على قتل الأبرياء، ولاسيما الأطفال الذين كان يفترض أن يرثوا المدينة، أو الأمكنة المسكونة من أجيال ضاربة في التاريخ، واحتجاجه على قتل المدن المسكونة بأرواحالجدود المدن التي تكثف قروناً من التاريخ الحضاري.
لم يقصر أسعد عرابي احتجاجه على ما كان يدور في الحرب من اغتيال الحضارة عمرانية عربية إسلامية عريقة، هو المختص بالحضارة العمرانية المدنية، بل كان احتجاجه أيضاً منصباً على ما كان يجري في السلم، من مسح لهويات المدن العريقة، مثل دمشق وبيروت من خلال تحويل العمارات والقصور التراثية في دمشق إلى أماكن سياحية مطاعم ومواقف سيارات، وما حدث من تشويه لروحعمارات بيروت وعمرانها في مشروع السوليدير. كان يصور ذلك على أنه مجزرة تشوه الحضارة العربية الإسلامية، وتجعل الساكن فيها غريباً عن دفء تاريخه وروحه.
هذا ما صوره أسعد عرابي في لوحاته ومقالاته وكتبه، فهو الناقد الذي خاض في التراث، وخبر أسراره، وبات حريصاً على معالمه الحضارية، في الوقت الذي دعا فيه إلى الحداثة التي كتب فيها ثلاثة كتب بالاسم: “وجوه الحداثة في اللوحة العربية”، “صدمة الحداثة في اللوحة العربية”، “الصورة والتصوير في الفن العربي المعاصر” و”معنى الحداثة في Ahm اللوحة العربية”، إلى كتب أخرى في النقد التشكيلي والكثير من الأبحاث والمشاركات في مؤتمرات عربية ودولية.
هو الفنان المنتمي، المثقف غير المحايد، والذي اعتمد أساساً على مندرجات الفلسفة والأفكار العميقة التي تقود اللوحة من بعيد، وتترك للإبداع البصري أن يأخذ مداه من دون أن يترك اللوحة تغرق في التفسير أو السرد الأدبي أو الثرثرة الخارجة.
لوحة أسعد عرابي ونقده يضربان في العمق دائماً، ويتوقان دائماً إلى التكثيف، والاختصار، والبحث دائماً عن الروح.
واأسفي عليك يا صديقي يا توأم الروح. لقد أتعبك المرض، واستعجلك الرحيل، مع أن مثلك لا تتعب منه الحياة
*******************
المصادر:
– موقع: الحدث
– موقع: صحيفة عكاظ
– موقع «الشرق الأوسط»
– موقع: المواهب الفوتوغرافية – يحيى مساد.
-موقع : مجلة التشكيل (جمعية الإمارات للفنون التشكيلية).
موقع: سكاي نيوز عربية
– موقع هيبا: www.hipa.ae
– موقع: الراية
– الإتحاد العربي للثقافة
– مجلة العربي الكويتية الورقية.
– موقع: مصراوي.
– موقع الجزيرة .نت
– موقع تلفزيون سورية
– موقع (اليوم السابع)
– موقع: الرأي ميديا
– موقع : العربية .نت
– موقع الجزيرة .نت
– موقع النهار العربي
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع القدس العربي
– موقع الشرق الاوسط
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– موقع :صحيفة سبق الإلكترونية.
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN
.bbc /arabic
– موقع موزاييك
– جريدة الدستور
– موقع العربي الجديد
– سكاي نيوز عربية – أبوظبي
– موقع سبق- اليوم السابع
– الإمارات اليوم
– العربية .نت – الرياض
-صحيفة الثورة السورية
– موقع المصرى اليوم
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
*************


