الكنز ” 7 ” .. وإلى صعيد مصر
نرحل مع ميلاد الفنان القدير د . محمد عرابى بمحافظة سوهاج
فى التاسع عشر من مايو عام 1961م ،
حيث ذلك التراث الجنوبى العريق المتشبع بالعادات والتقاليد الشعبية الخاصة بهذه المنطقة الغنية ، وكذلك إحتفائها بالميراث المصرى القديم الكائن فى المعابد والمقابر ، علاوة على المساجد والكنائس المعاصرة بما كون سلافاً بصرياً وروحياً أثر عقلياً ووجدانياً على محمد عرابى الطالب غلاماً ثم صبياً عبر مراحله الإبتدائية والإعدادية والثانوية ، حتى التحق عام 1979م بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، ليتخرج من قسم التصوير بها عام 1984م ، قبل حصوله على الماجستير عام 1991م من نفس الكلية برسالة تحت عنوان ” الأسلوب الفنى لجماعة النابى وعلاقته بالفن الأوروبى الحديث ” ، ثم الدكتوراه عام 1996م فى فلسفة الفن بالإشتراك بين ذات الكلية التابعة لجامعة حلوان وبين جامعة واشنطن من خلال موضوع ” الرمزية فى الحضارات المصرية القديمة وأثرها على التصوير المصرى الحديث ” .. وربما تكون بيئة الفنان الكبرى الأولى فى سوهاج وتضافرها مع بيئته العلمية المتمثلة فى دراسته بكلية الجميلة وموضوعى الماجستير والدكتوراه قد شكّلت حيزاً من التأثير على إبداعاته التصويرية ، علاوة على تعيينه معيداً عام 1985م فى كلية الفنون الجميلة بالمنيا التى استمر بها حتى أصبح أستاذاً مساعداً عام 2003م ، قبل أن يتولى منصب وكيل كلية الفنون الجميلة بالأقصر ثم عميداً لها فى عام 2010م ، وهو مااستجمع لديه ذلك التأثير التراثى الجنوبى الفاعل فى تكوين شخصيته الفنية حتى الآن مع توليه عمادة كلية الفنون الجميلة بالجامعة المصرية الروسية ..
وربما نكتشف ذلك الإستقطار التراثى عند الفنان القدير محمد عرابى من خلال تصاويره على الأسطح النسجية بخامات لونية متنوعة بين الأكريليكية والزيتية ، مستخدماً مفردات مغرقة فى التراث الصعيدى الجامع بين زيارات المقابر والتجوال فى الموالد والتبرك بالأضرحة والإنخراط فى الطقوس السحرية والأداءات الخرافية عبر مجتمع سفلى يوازى الواقع المعاش ، وهو مايجعل عرابى قادراً على خلق تباديل وتوافيق تصويرية يعتمد فيها على الأجساد النسائية ذات العباءات السوداء الكاسية لهن كلياً والرجال من ذوى العمائم الصعيدية والشوارب الملفوفة ، على التوازى مع مقاطع من الجبال وشواهد القبور والكراسى الملكية إستلهاماً من المنحوتات والجداريات المصرية القديمة ، مع حضور بارز لبعض الكائنات المغايرة للكيانات البشرية مثل الأبراص والسحالى ، بما يجسد تلك الأجواء السحرية بكل أبعادها الواقعية والسوريالية على المستوى الطقسى الشعبى الذى يزداد تجسداً بتلك الكتابات الطوطمية الملازمة لبعض تصاوير عرابى عبر انصهارها وطيرانها داخل الأجواء الفاتنة التى يصيغها الفنان على الصراط الواصل بين الواقع الحياتى المعاش والإستحضار التراثى الحسى .. وقد تكون السمكة هى العنصر المحورى أحياناً عند الفنان لما لها من مدلولات مزدوجة بين تدفق الرزق والتفخيخ الغوائى مع اقترانها بأبدان الإناث العرايا أحياناً ، وهو ما يفسر ذلك الحضور الطاغى لتنوعات الفاكهة عند محمد عرابى بين الرمان والتفاح والجوافة والبطيخ والتين والمانجو والعنب بين ثمار مكتملة وأخرى مقطعة فى أطباق ، مع رفقة بعض الزجاجات والكؤوس والأقداح ، إيحاءً بذلك الفيض من الإنتشاء والبهجة المتجسدة كذلك فى الوجود المستتر للنيل تمثلاً فى بعض المراكب الشراعية بسواريها المعلقة مع بعض الأستار البيضاء ، إيهاماً بالجريان النهرى المستمر ، وهو مايقيم جسراً فى تصاوير عرابى بين الواقع والخيال .. بين الحقيقة والمجاز ، داخل الفضاء البصرى التصويرى الذى يغمره الفنان بذلك المنطاد الغبارى الترابى ذى اللون الأوكر المميز الذى يبتلع بقية الألوان الساخنة والباردة الماثلة فى بناءات العناصر .. وعلى المستوى الرمزى قد يغير محمد عرابى ألوان أجساد النساء إلى الأحمر النارى أو الأخضر الزرعى أو الوردى المضىء أو الأزرق النيلى ، مع غزل تقاسيم متداخلة أحياناً بما يستجلب ذلك الحس الدلالى والإشارى بين الخصوبة الجسدية والنضارة الزرعية والأنوثة الفيضية والسيولة الوجدانية ، بما يستكمل الدائرة البيئية والتراثية المؤثرة فى إبداعات الفنان .
وربما نجد الضوء عند محمد عرابى هو القاسم المشترك الأعظم فى جل تصاويره ، وهو مايحول المشهد إلى بناء معمارى مرن يتمايل مع التلقى البصرى وكأن المفردات تتطاير فى فضاء العمل فاقدة الجاذبية الأرضية ، لتحلق فى أركان الصورة عبر منهجية أدائية يعتمد من خلالها الفنان على تفكيك التكوين ليبدو حراً طليقاً فى عينى المتلقى الذى يقع فى فخ غواية إعادة تركيبه ثانية ، ليظل الفنان القدير محمد عرابى يركض وراء عناصره وتراكيبه ، باعثاً فيها تلك الطاقة السحرية النابعة من سياقها البيئى منطلقة بشكل قوسى نحو الهبوط والسكن فى وعائها التراثى .
محمد كمال
الحلقة السابعة من نص كاتب هذه السطور فى موسوعة ” الكنز ” التى أصدرها الناشر أ أكرم أبو دنيا من خلال مؤسسة ” أليكس أدف ” _ هذا النص تحت عنوان ” الأسطورى والبيئى فى الوعاء التراثى ” ويضم هذا الجزء من النص الإبداعات التصويرية للفنان القدير د . محمد عرابى مصحوبة بصور أعماله ببياناتها + صورته الشخصية .
Mohamed ORABY ART Nadem Oraby Faiade Mohamed Orabi Akram Abou Donia


