ضحك مُرّ في عالم ساخر
د. عصام عسيري
في هذه الأعمال الصغيرة للفنان المصري المعروف في الوسط التشكيلي بـ”العم دانيال”، يدخل المتلقي إلى عالمٍ بصريّ صاخب، لا تحكمه قواعد الواقعية ولا يطمئن إلى جماليات التمثيل الكلاسيكي، بل ينتمي إلى ذلك الحقل التعبيري الذي يخلط بين الكاريكاتير، والفن الفطري، والرمزية السياسية والاجتماعية الساخرة. إننا أمام لوحات تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى مشهدٍ طفولي فوضوي عبثي، لكنها في الحقيقة تخفي خلف هذه الفوضى البصرية خطابًا نقديًا حادًا عن العالم المعاصر.
ما يلفت النظر في هذه اللوحات هو ذلك التقارب الأسلوبي مع عالم الرسوم الساخرة أو ما يمكن تشبيهه كما يرى بعض المتلقين بعالم سمبسوني كارتوني، حيث تتضخم الرؤوس، وتختزل الأجساد، وتتخذ الشخصيات ملامح تهكمية تقترب من المسرح الهزلي أو السيرك السياسي. غير أن El 3am Daniel لا يستعير هذا الأسلوب من باب المحاكاة، بل يوظفه كأداة تفكيك للواقع؛ فالعالم هنا ليس سوى مسرح كبير للأقنعة.
الفوضى كمنهج بصري:
تعتمد اللوحات على كثافة عفوية خطية واضحة؛ فالخطوط المرتعشة والمتداخلة والسريعة تشكل ما يشبه شبكة عصبية تحيط بالشخصيات وتربط بينها. هذه الخطوط ليست مجرد أثر تقني، بل هي لغة تعبيرية بحد ذاتها، توحي بالضجيج والاضطراب وكأن العالم يعيش حالة من التشويش الدائم. إنها فوضى مقصودة، أقرب إلى ما يسميه بعض النقاد “جماليات الارتباك”.
تبدو المساحات اللونية بدورها مشبعة بألوان حادة وصريحة: الأزرق، البنفسجي، الأحمر، البرتقالي، الأصفر، والأخضر وهي ألوان تُستخدم هنا بطريقة مباشرة وغير منقّاة، بما يقربها من حساسية الفن الشعبي أو رسوم الشارع. هذا التباين اللوني الصارخ يمنح اللوحات طاقة بصرية عالية ويضاعف من الإحساس بالحركة والضجيج داخل المشهد.
العالم كسيرك سياسي:
في تجاربه يظهر فضاء أقرب إلى حانة أو تجمع اجتماعي، لكن الشخصيات ليست بشرًا بالمعنى التقليدي؛ إنها كائنات هجينة تجمع بين الإنسان والحيوان، أو بين الإنسان والقناع. هناك طائر بملابس رسمية، وهناك كائن زاحف يطرق الطاولة بمطرقة، وشخصيات أخرى تتبادل نظرات ملتبسة. المشهد كله يبدو كأنه محاكاة ساخرة لعالم السلطة والنخب السياسية والزعماء حيث تختلط الأدوار وتذوب الحدود بين العقل والعبث.
تتحول هذه العناصر إلى ما يشبه الكرنفال العالمي: مهرجون، موسيقيون، ووجوه متضخمة تتكدس في فضاء واحد، بينما تتصاعد في الخلفية عمارة مدينية وأكوام من الأوراق النقدية. في هذا العمل يبدو العالم وكأنه سيرك اقتصادي ضخم؛ المال والربا، الإعلام وغسيل العقول واللعب بالرأي العام، والفرجة الشعبية لحزب الكنبة كلها تتداخل في مسرح واحد. إن حضور المهرج هنا ليس بريئًا؛ فهو رمز مزدوج للضحك وللخداع في آنٍ واحد.
في تجاربه هذه اتخذ الخطاب طابعًا أكثر مباشرة، إذ تظهر شخصية ذات ملامح تذكّر بالأنظمة السياسية وشخصيات السلطة العسكرية، تقف وسط مشهد تتجاور فيه الآلات، الحيوانات، والوجوه القلقة. هنا يبدو الإنسان محاصرًا بين آلة الحرب وضجيج السياسة، فيما تتحول الشخصيات الأخرى إلى شهود صامتين على هذا المشهد العبثي.
رمزية الحيوان والقناع:
يكثر الفنان من توظيف الحيوانات كبدائل رمزية للبشر؛ فالحمار، الفيل، الطيور، والزواحف تظهر في سياقات اجتماعية أو سياسية، وهو تقليد منمنماتي بصري قديم في الفن الساخر منذ حكايات كليلة ودمنة وإيسوب وتنبؤات عالم سمبسون وحتى الكاريكاتير السياسي المعاصر. الحيوان هنا ليس عنصرًا تزيينيًا، إنما هو استعارة نقدية تكشف عن طبيعة السلطة وتسيير المجتمع.
أما الوجوه المقنّعة والملامح المبالغ فيها فتؤكد فكرة أن الشخصيات ليست أفرادًا حقيقيين، بل نماذج أو أنماط بشرية: السياسي، المهرج، رجل المال، والمواطن المهمّش المندهش. إننا أمام مسرح رمزي حيث يتحول الإنسان إلى قناع، والقناع إلى حقيقة.
بين الفن الفطري والفن المعاصر:
تقنيًا، يمكن قراءة أعمال العم دانيال بوصفها امتدادًا لتيارات متعددة؛ فهي تستعير عفوية الفن الفطري (Naïve Art)، وجرأة فن الكاريكاتير السياسي، وكثافة التعبيرية والرمزية الحديثة. غير أن أهم ما يميزها هو قدرتها على الجمع بين هذه العناصر داخل بنية واحدة دون أن تفقد طاقتها الساخرة.
إن هذه اللوحات A4 لا تسعى إلى الإتقان الأكاديمي بقدر ما تسعى إلى الصدمة البصرية والاتصال بعين رجل الشاع. فهي تفضل الخط المرتبك على الخط المثالي، واللون الصارخ على الانسجام الكلاسيكي. وفي هذا الاختيار يكمن موقف جمالي واضح: العالم نفسه فوضوي، فلماذا يجب أن تكون اللوحة هادئة ومنظمة؟
في نهاية المطاف، تبدو أعمال العم دانيال كأنها مرآة ساخرة للعالم المعاصر؛ عالم تحكمه السياسة، المال، والفساد الإعلامي، بينما يتحول المتسلّطون إلى مهرجين في مسرح عالم كبير. الضحك الذي تقدمه هذه اللوحات ليس ضحكًا بريئًا، بل هو ضحك مرّ، يكشف عبثية الواقع أكثر مما يخفيها.
ومن هنا تأتي قوة هذه التجربة؛ فهي تستخدم لغة بسيطة، شبه طفولية، لتقول أشياء كبيرة عن السلطة والمجتمع والإنسان. إن Daniel Salmo لا يرسم الواقع كما هو، بل كما يبدو حين ننظر إليه بعين السخرية: عالمٌ مضحك، لكنه في العمق مأساوي.
في رأيك، هل يستحق العبث الذي نعيشه حاليًا أن ترسمه بفرشاة فنان كلاسيكي لتخاطب فيه النخب؟
رأيكم يثرينا🌹
• ***&***&***
– المصادر:
– مجلة عقول
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


