الفنانَ :عبد الرؤوف عبد القادر بيضون.بمدينة كفر تخاريم بريف إدلب.زاره:د. محمد صبحي السيد يحيى رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين بسورية يرافقه الأستاذ مروان عقدة

كفر تخاريم…….. حين تتحول الزخرفة الإسلامية إلى ذاكرة بصرية سورية مفتوحة على المستقبل
المكتب الاجتماعي – اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية
في إطار التواصل مع الفنانين السوريين والاطلاع على التجارب التشكيلية التي تنطلق من عمق البيئة السورية وذاكرتها الحضارية زار الدكتور محمد صبحي السيد يحيى رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية يرافقه الأستاذ مروان عقدة الأمين العام للاتحاد الفنانَ الأستاذ عبد الرؤوف عبد القادر بيضون في مدينة كفر تخاريم بريف إدلب حيث اطّلع الوفد على تجربته الفنية وما أنجزه في مجالات الرسم الجداري والخط العربي والزخرفة الإسلامية وترميم المباني الأثرية واللوحات الفنية.
وتأتي هذه الزيارة في سياق اهتمام الاتحاد بالتجارب الفنية السورية التي تعمل على صون الذاكرة البصرية المحلية وإعادة قراءة التراث الفني والمعماري بروح معاصرة بما يجعل من الفن التشكيلي جسراً بين أصالة الموروث وانفتاح الإبداع على آفاق المستقبل.
عبد الرؤوف بيضون.. تجربة تشكيلية تستعيد الروح من الجدار
يتميز الفنان التشكيلي السوري عبد الرؤوف بيضون بتجربة خاصة في الرسم الجداري حيث لا يتعامل مع الجدار بوصفه سطحاً محايداً بل باعتباره فضاءً تشكيلياً نابضاً تتفاعل فيه المادة واللون والخط والزخرفة والضوء.
وتقوم تجربته على التجريب والابتكار واستثمار الخصائص الجمالية لكل مادة وتقنية بحيث تصبح المادة جزءاً من لغة العمل ويغدو السطح المعماري مساحة مفتوحة للتكوين والإيقاع والحركة البصرية.
وبيّن أسلوبه الفني قدرة واضحة على الجمع بين الرسم والزخرفة والخط العربي وفنون العمارة والترميم إلى جانب اهتمامه بالزخارف الإسلامية والأسقف والجدران المرسومة بما يمنح أعماله خصوصية تنبع من تداخل الفن التشكيلي مع العمارة والذاكرة الحضارية.
إن الفنان بيضون لا يرسم على المكان فحسب بل يعيد صياغة المكان بصرياً فيمنحه طبقات من المعنى ويحوّل الجدار من كتلة صامتة إلى صفحة بصرية تستعيد من خلالها العمارة شيئاً من روحها وذاكرتها.
الرسم الجداري.. من السطح إلى الفضاء
تكتسب أعمال الأسقف والجدران المرسومة لدى الفنان عبد الرؤوف بيضون قيمة خاصة لما تتيحه من تحويل المساحات المعمارية إلى عوالم تشكيلية تتناغم فيها الهندسة مع الزخرفة والخط مع اللون والضوء مع الظل.
وتستند بعض هذه المعالجات إلى تقنيات تقليدية في الرسم على الجص الرطب حيث تتطلب عملية التنفيذ سرعة ودقة ومهارة عالية إذ يرتبط اللون بالسطح أثناء جفاف الجير الأمر الذي يمنح العمل متانة واستمرارية ويجعل التقنية في الوقت نفسه اختباراً حقيقياً لقدرة الفنان على التحكم باللون والسطح والزمن.
وفي هذا النوع من الفن لا يكون السقف مجرد عنصر معماري يؤدي وظيفة إنشائية بل يتحول إلى فضاء بصري صاعد يستدعي عين المتلقي إلى الأعلى ويمنحه إحساساً بأن العمارة نفسها قد دخلت في حوار مع اللوحة.
ومن هنا تتعدد مفردات فن الأسقف بين الفريسكو والأسقف الخشبية المنحوتة والأسقف الصندوقية، والأعمال الجصية متعددة الألوان والزخارف البارزة والتكوينات الهندسية والنباتية وهي مفردات أسهمت عبر التاريخ في تشكيل هوية العديد من العمائر والثقافات ومنها العمارة الإسلامية وما تداخل معها من مؤثرات حضارية مختلفة.
الزخرفة الإسلامية.. هندسة الروح وإيقاع اللامتناهي
في أعمال عبد الرؤوف بيضون تحضر الزخرفة الإسلامية بوصفها أكثر من مجرد تزيين بصري إنها لغة تشكيلية قائمة على الإيقاع والتكرار والتناظر والتوازن والتحوير والتجريد.
فالخطوط المتشابكة والمضلعات والنجوم والوحدات النباتية والتكوينات الهندسية تتجاور لتصنع نظاماً بصرياً قابلاً للامتداد وكأن التكوين لا يبدأ من نقطة محددة ولا ينتهي عند حدود الجدار.
وهنا يكمن جانب أساسي من سحر الفن الإسلامي إذ استطاع الفنان المسلم أن يحوّل الهندسة إلى إيقاع والتكرار إلى حركة والتناظر إلى موسيقى بصرية والسطح المعماري إلى فضاء يتجاوز حدوده المادية.
ولذلك ارتبطت الزخرفة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً بالرياضيات والهندسة إذ انطلقت الكثير من التكوينات من الأشكال المضلعة والنجوم والمتعددات الهندسية ثم أعيد تركيبها في منظومات زخرفية متتابعة تمنح العين إحساساً بالامتداد والاستمرارية.
إنها هندسة لا تتوقف عند حدود الشكل بل تفتح الشكل على المعنى فالامتداد المتكرر للوحدات الزخرفية يمكن أن يمنح المتلقي إحساساً باللانهاية وهو ما جعل الهندسة في الفن الإسلامي ذات طاقة تأملية وروحية تتجاوز الوظيفة الجمالية المباشرة.
الخط العربي.. الحرف حين يصبح تشكيلاً
وفي قلب هذه التجربة يحضر الخط العربي باعتباره واحداً من أبرز الإنجازات الجمالية في الحضارة الإسلامية حيث انتقل الحرف من وظيفته الكتابية إلى فضاء الفن، فأصبح الخط عنصراً من عناصر التكوين تتجاور فيه الكلمة مع الإيقاع والحرف مع المساحة والنص مع الزخرفة.
وقد تطورت عبر التاريخ مدارس واتجاهات متعددة للخط العربي ومن أبرزها الكوفي والثلث والنسخ والرقعة والديواني والفارسي وغيرها من الأساليب والفروع التي أغنت الذاكرة البصرية العربية والإسلامية.
وفي الأعمال الجدارية والزخرفية يستطيع الحرف أن يتحول إلى كتلة وخط ومساحة وإيقاع وأن يتجاور مع العناصر الهندسية والنباتية في بناء تشكيلي يوازن بين المقروء والمرئي.
وهنا تتجلى خصوصية الفن الإسلامي في قدرته على إقامة حوار بين الكلمة والصورة وبين المعنى والشكل وبين النص والفضاء.
الفن الإسلامي..
ولم يكن الفن الإسلامي عبر تاريخه فناً منعزلاً عن الحضارات الأخرى بل كان فناً قادراً على الحوار والتفاعل وإعادة صياغة المؤثرات المختلفة ضمن منظومته الجمالية الخاصة.
فقد استوعب عناصر من حضارات متعددة وأعاد توظيفها ضمن سياقات جديدة كما تداخلت فيه التأثيرات البيزنطية والفارسية وغيرها إلى جانب خصوصية العمارة والفنون الإسلامية التي استطاعت أن تمنح هذه العناصر روحاً جديدة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفن الإسلامي بوصفه تجربة حضارية تستوعب وتعيد التركيب وتبتكر فهو لا يكتفي بحفظ الموروث بل يحوله إلى مادة قابلة لإعادة القراءة والإبداع.
وهذا ما يجعل التجربة الإسلامية في الفن التشكيلي مفتوحة بطبيعتها على المستقبل لأن الموروث فيها ليس كتلة جامدة وإنما ذاكرة حية قابلة للتجدد.
و بين الموروث والمخيلة المعاصرة
تكشف تجربة الفنان عبد الرؤوف بيضون عن إمكانية بناء جسر متين بين الموروث الإسلامي والمخيلة التشكيلية المعاصرة.
فالتجريد في الفن العربي الإسلامي لا يعني الابتعاد عن الواقع بقدر ما يعني إعادة اكتشافه من خلال الخط والشكل والنقطة والمساحة والإيقاع.
وهو تجريد قادر على تحويل العناصر الموروثة إلى بنية بصرية جديدة تتيح للفنان حرية واسعة في إعادة تنظيم المفردات وإنتاج علاقات تشكيلية مبتكرة.
ومن هذه الزاوية تصبح الزخرفة وسيلة للتفكير التشكيلي ويصبح الخط مادة بصرية وتتحول الهندسة إلى لغة بينما يغدو الجدار مجالاً رحباً لاختبار العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة.
وهنا تكمن أهمية التجربة السورية فالفن التشكيلي السوري لا يعيش خارج محيطه الحضاري بل يستمد جزءاً من قوته من طبقات تاريخية وثقافية عميقة تمتد في المدن والقرى والأبنية القديمة والمساجد والقصور والبيوت والأسواق وفي تفاصيل العمارة التي شكلت عبر قرون طويلة جزءاً من الهوية البصرية للمكان السوري.
سورية.. ذاكرة حضارية قابلة لإعادة القراءة
إن الحديث عن الفن الإسلامي في سورية لا ينفصل عن الحديث عن سورية بوصفها فضاءً حضارياً غنياً تداخلت فيه الحضارات والثقافات وتجاورت فيه العمارة والزخرفة والخط والنحت والرسم والحرف التقليدية.
وفي هذا السياق تبدو تجربة الفنان عبد الرؤوف بيضون امتداداً لذلك الحوار الطويل بين الفنان والمكان وبين اليد والحجر وبين الجدار والذاكرة.
فحين تدخل الزخرفة إلى العمارة لا تعود مجرد إضافة جمالية إنها تستعيد جزءاً من الهوية وحين يستعيد الفنان تقنيات الرسم الجداري والزخرفة والخط فإنه لا يستنسخ الماضي بل يفتح نافذة جديدة يمكن من خلالها قراءة التراث بعين معاصرة.
ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على هذه التجارب وتوثيقها وتشجيعها، لأنها تمثل جزءاً من الذاكرة التشكيلية السورية وتقدم في الوقت ذاته إمكانات واسعة لولادة اتجاهات جديدة في الفن الإسلامي المعاصر.
وبعد هذا الزخم
أكد الدكتور محمد صبحي السيد يحيى رئيس الاتحاد خلال الزيارة أن الاتحاد ينظر إلى هذه التجارب بوصفها جزءاً أصيلاً من المشهد التشكيلي السوري مشيراً إلى أن
«الفن التشكيلي السوري يمتلك ذاكرة بصرية عميقة تتقاطع فيها الحضارة مع المكان ويتحول فيها التراث من مادة محفوظة إلى طاقة إبداعية قابلة للتجدد. ونحن في اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية نؤمن بأن رعاية الفنانين الذين يعملون على الخط والزخرفة والفنون الإسلامية والرسم الجداري والترميم هي رعاية لجانب مهم من هويتنا الفنية والحضارية.
إن تجربة الفنان عبد الرؤوف بيضون تؤكد أن الموروث الإسلامي قادر على أن يدخل في حوار حي مع الفن المعاصر وأن يتحول من ذاكرة الماضي إلى أفق للمستقبل.
ودورنا هو أن نفتح أمام هذه التجارب مساحة أوسع للحضور والتوثيق والتفاعل وأن نمنح الفنان السوري الثقة بأن جذوره الحضارية ليست قيداً على إبداعه بل يمكن أن تكون جناحاً يحلق به نحو آفاق تشكيلية جديدة».
وأضاف الدكتور السيد يحيى أن الاهتمام بالفن الإسلامي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عودة إلى الماضي فقط وإنما باعتباره مشروعاً جمالياً وفكرياً مفتوحاً على الحاضر والمستقبل قادراً على إنتاج مفردات تشكيلية جديدة تستفيد من التكنولوجيا والخامات المعاصرة دون أن تفقد صلتها بالخط والزخرفة والهندسة والروح الحضارية التي ميزت التجربة الإسلامية.
نحو أفق جديد للفن التشكيلي الإسلامي
إن القيمة الحقيقية في التجارب الفنية التي تنطلق من التراث لا تكمن في تكرار الأشكال القديمة وإنما في القدرة على إعادة اكتشافها وإعادة تشكيلها.
فالفنان المعاصر يستطيع أن يأخذ من الهندسة الإسلامية نظامها وإيقاعها ومن الخط العربي طاقته البصرية ومن الزخرفة النباتية حركتها ومن العمارة روحها ثم يعيد صياغة كل ذلك ضمن لغة تشكيلية معاصرة تستجيب لتحولات العصر.
وبهذا المعنى فإن الفن التشكيلي الإسلامي ليس ماضياً مغلقاً بل أفق مفتوح تتجاور فيه الأصالة والحداثة والذاكرة والمخيلة والمادة والروح.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة عبد الرؤوف بيضون بوصفها تجربة تسعى إلى استعادة الجدار بوصفه حاملاً للذاكرة وإلى إعادة الاعتبار للخط والزخرفة والهندسة بوصفها أدوات تشكيلية قادرة على إنتاج خطاب بصري معاصر.
إنها تجربة تجعل من الجدار لوحة ومن الحرف حركة ومن الهندسة إيقاعاً ومن الضوء مادة ومن الزخرفة ذاكرة ومن التراث نافذة على المستقبل.
وفي كفر تخاريم حيث يلتقي المكان السوري بذاكرته وخصوصيته تبدو هذه التجربة شاهدة على أن الفن قادر على أن يحفظ ما يخشى عليه من النسيان وأن يمنح الذاكرة شكلاً جديداً وأن يعيد للعمارة روحها وللحرف حضوره وللزخرفة قدرتها على مخاطبة العين والوجدان.
وهكذا يظل الفن الإسلامي في جوهره واحداً من أكثر المساحات التشكيلية قدرة على الجمع بين الهندسة والجمال والنص والصورة والمادة والروح والتراث والحداثة مدرسةً مفتوحة لا تنتهي عند حدود الماضي وإنما تستمر في إنتاج الأسئلة والجمال وتمنح الفنان المعاصر مساحة رحبة ليكتب فصلاً جديداً من حكاية الفن والحضارة.
الحمد لله. 🎨
Abdulraouf Baydoun

أخر المقالات

منكم وإليكم