جريدة الثورة السورية – خالد عواد الأحمد
الفقيه الحمصي الذي تحدى جمود النقل بجرأة الفكر
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كنتُ أخطو خطواتي الأولى في المرحلة الإعدادية بالثانوية الشرعية في حمص، كانت مساراتي اليومية تتوجه بي حتماً نحو “تلة باب هود”. هناك، في غرفةٍ كانت محاطة بهالةٍ من الغموض ونُسميها صف ‘العُلّيّة’، كان يتجلى مشهدٌ من هيبة العلم لا تطاله يد النسيان؛ حيث يجلس الشيخ “محمد نديم الوفائي”، شامخاً بوقارٍ لا يُخطئه البصر، رغم أن أعوامه كانت قد جاوزت الثمانين خلف طاولته القديمة ويملي علينا الدروس.
لا تزال ذاكرتي تستحضرُ تلك السلالم التي كان يصعدها الشيخ يومياً بخُطىً تحكمها إرادةٌ صلبة، مُتحدياً وهَن الجسد بوقودٍ من رسالةٍ لم ينقطع دفقها. كان حضوره في الصف يفرض صمتاً مهيباً، ليس صمتَ رهبةٍ وخوف، بل صمتَ إجلالٍ وتبجيل لقامةٍ تجمع بين حزم الفقيه وتوقّد المفكر. كنا نجلسُ أمامه، والوجومُ يعقد ألسنتنا “وكأن على رؤوسنا الطير”، ليس فقط احتفاءً بمكانته، بل إدراكاً غريزياً بأننا كنّا ننهل من ذاكرةٍ حيّة لمدينة حمص، ومن عقلٍ تجاوز حدود النقل المعتاد، ليقدم لنا رؤيةً معرفيةً سبقت عصرها بأشواط.”
غير أن ما شدني إلى هذه الشخصية كطالب يخطو خطواته الأولى في طريق العلم أن الشيخ الوفائي لم يكن مجرد أستاذ للفقه الحنفي أو علم الفرائض، بل كان مفكراً متنوّراً يدرك أن الدين لا يعيش في معزل عن هزات المجتمع. هنا تكمن الحكاية التي لا تزال عالقة في ذاكرتي، عن كتابه الذي كان يزين مكتبتي الخاصة قبل أن ينهبها شذّاذ الآفاق كتاب “الاشتراكية فقط ” وعثرت عليه لدى باعة الكتب المستعملة. لقد كان صدور هذا الكتاب في حمص منتصف الخمسينيات صدمةً فكرية بكل ما للكلمة من معنى.
في ذلك الوقت، كانت الأيديولوجيات الوافدة تضرب أطنابها في المنطقة، وكان من النادر أن نجد عالم دين من طراز الوفائي يقتحم “لُجّة” هذه المصطلحات الاقتصادية والسياسية بجرأة الفيلسوف، لا بجمود المتعصب. لقد رأى في الاشتراكية –آنذاك– محاولة للبحث عن العدالة الاجتماعية، فقرر أن يشتبك مع الفكرة لا أن يهرب منها.
لم يكن كتابه هذا ترفاً فكرياً، بل كان نداءً للمواءمة بين الأصالة والمعاصرة. لقد سعى الوفائي من خلال أطروحته إلى تأصيل مفاهيم التكافل والعدالة، محاولاً أن يضع بصمة إسلامية في حوار القرن العشرين الصاخب. إضافة إلى ذلك كان الشيخ يرى أن الدين قوة حية قادرة على استيعاب ومناقشة الأفكار السياسية، وهو ما جعله يتحرك بين الموعظة، والنقد، والمقارنة العلمية، محاولاً تصفية الجوانب الفلسفية المادية من تلك الأيديولوجيا، مع الحفاظ على جوهر العدل الذي ينشده الجميع.
إن الحديث عن الشيخ محمد نديم الوفائي، ابن الشيخ محمد توفيق الوفائي (1908-1981)، هو حديث عن آخر أعمدة المدرسة العمرية العريقة في مسجد النخلة. لقد كان هذا الرجل، الذي تلمذ على يدي جده ووالده، تجسيداً للنموذج السوري الأصيل للعالم الغيور على دينه ووطنه. لم يكتفِ الوفائي بالتدريس، بل كان خطيباً مفوّهاً، ومشاركاً في الحياة السياسية، ومدافعاً صلباً عن قضايا الأمة، من الوحدة العربية إلى الهموم اليومية لعلماء مدينته. لقد كان ذكياً، دمث الأخلاق، وقوي الحجة، وهو ما مكنه من الوقوف في وجه التيارات المتضاربة بفكرٍ متنوّر لا يخشى في الحق لومة لائم.
اليوم، حين أسترجع تلك الأيام في “العُلّيّة”، أشعر بالأسف على ضياع ذلك الكتاب وغيره من كنوز مكتبتي، لكنّ عزائي هو استحضار تلك القامات التي علمتنا كيف نكون أحراراً في تفكيرنا، مؤمنين بعراقتنا، ومنفتحين على الحوار مع العالم. رحم الله الشيخ محمد نديم الوفائي، الذي ترك في نفوسنا –نحن تلامذته– أثراً ينمو كلما اشتدت حاجتنا لفكره المتّزن في زمنٍ فُقدت فيه البوصلة.


