📖 تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ – ألفريد لويس دي بريمار
كيف نكتب تاريخ الإسلام الأول؟ هل يكفي أن نعود إلى الروايات التي حفظتها لنا المصادر الإسلامية اللاحقة، أم أن علينا أن نبحث أيضاً عن الآثار التي تركها ذلك العالم في النقوش والوثائق والشواهد المادية والنصوص المبكرة؟
من هذه المسافة بين الكتابة والتاريخ يتحرك ألفريد لويس دي بريمار في كتابه «تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ»، محاولاً الاقتراب من واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في التاريخ: الفترة التي تشكل فيها الإسلام الأول، ليس كما تصفه الذاكرة الدينية في صورتها المكتملة، وإنما كما يمكن إعادة بناء بعض ملامحه من خلال الأدلة التاريخية المتاحة.
المشكلة التي يضعنا أمامها الكتاب أعمق من مجرد السؤال عن «ماذا حدث؟». إنها سؤال عن كيف نعرف ما حدث؟
فحين ندرس الماضي البعيد، لا نملك الماضي نفسه، وإنما نملك آثاره. نملك نصوصاً، ونقوشاً، ووثائق، وأخباراً، وآثاراً مادية، ثم نحاول أن نعيد تركيب عالم اختفى منذ قرون. ولذلك فإن المؤرخ لا يعمل مثل شخص يشاهد الأحداث من نافذة، بل يشبه من يحاول تركيب صورة كاملة من قطع متناثرة.
وهنا تظهر أهمية عنوان الكتاب: «بين الكتابة والتاريخ». فالكتابة ليست التاريخ نفسه، والرواية عن الحدث ليست الحدث ذاته. وبين الاثنين توجد مسافة ينبغي ألا نتجاهلها.
ينطلق دي بريمار من محاولة قراءة الإسلام الأول من أكثر من جهة، مستفيداً من المصادر الإسلامية المبكرة، ومن الشواهد الخارجية عنها، ومن النقوش والوثائق والمواد التاريخية التي يمكن أن تساعد على إعادة بناء السياق الذي نشأ فيه الإسلام. وبهذا لا يريد أن يكتفي بالصورة التي تشكلت في المصادر اللاحقة، بل يحاول وضعها في مواجهة مع ما يمكن أن تقدمه بقية الأدلة.
وهنا تصبح المقارنة بين المصادر أداة أساسية.
فإذا كان لدينا نص يروي حدثاً معيناً، فإن السؤال التاريخي لا يتوقف عند: «هل ورد هذا في الكتاب؟»، وإنما ينتقل إلى أسئلة أخرى: متى كُتب؟ ومن كتبه؟ وما طبيعة المصدر الذي اعتمد عليه؟ وهل توجد شواهد مستقلة تؤيده؟ وهل تتفق الروايات المختلفة حوله؟ وهل يمكن أن يكون النص قد تأثر بالتحولات السياسية أو المذهبية التي عرفها المجتمع الذي دُوّن فيه؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة رفض الرواية، وإنما تعني إخضاعها لشروط البحث التاريخي.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في المقاربة التاريخية: أنها لا تستبدل رواية برواية، وإنما تسأل عن درجة ما تستطيع الأدلة إثباته.
فالفرق كبير بين أن نقول: «هذا ما ترويه المصادر الإسلامية»، وبين أن نقول: «هذا ما وقع تاريخياً». العبارة الأولى تصف مصدراً، أما الثانية فتقدم حكماً تاريخياً يحتاج إلى أدلة.
وهذا الفرق البسيط في ظاهره شديد الأهمية، لأنه يمنعنا من الخلط بين التاريخ والذاكرة.
فالذاكرة الجماعية لا تحفظ الماضي كما تحفظ الكاميرا صورةً فوتوغرافية. إنها تنتقي، وتعيد ترتيب الأحداث، وتمنح بعض الشخصيات والأحداث مكانة مركزية، وتنسى أشياء أخرى. وكلما طال الزمن بين الحدث وتدوينه، ازدادت أهمية السؤال عن كيفية انتقال الرواية وعن السياقات التي أعيد فيها إنتاجها.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة الإسلام الأول من الداخل والخارج معاً. فالقراءة الداخلية تسمح بفهم النصوص الإسلامية وتقاليدها ومفاهيمها من داخل عالمها الخاص، بينما تساعد الشهادات الخارجية والنقوش والوثائق على اختبار بعض جوانب الصورة من زاوية أخرى.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن «الخارج» أكثر صدقاً من «الداخل» بصورة تلقائية. فالمصدر الخارجي نفسه يحتاج إلى النقد والتحقق من تاريخه وسياقه ومقاصده. ولذلك فإن المنهج التاريخي الجاد لا يقوم على قاعدة: نرفض المصادر الإسلامية ونصدق المصادر غير الإسلامية، وإنما يقوم على قاعدة أكثر صعوبة: كل مصدر دليل يحتاج إلى تقييم.
وهنا يتحول الكتاب إلى درس في التفكير التاريخي نفسه.
إننا كثيراً ما نتعامل مع التاريخ كما لو كان مخزناً للحقائق الجاهزة، لكن المؤرخ يعرف أن الحقيقة التاريخية تمر عبر عملية معقدة من جمع الأدلة، ومقارنتها، وتحديد زمنها، وفهم سياقها، ثم بناء فرضية تفسيرية قابلة للمناقشة.
ولهذا فإن دراسة نشأة الإسلام لا يمكن أن تكون منفصلة عن دراسة الجزيرة العربية والشرق الأدنى في القرنين السادس والسابع الميلاديين. فالأديان لا تظهر في فراغ تاريخي؛ إنها تنشأ داخل عوالم من التجارة والسياسة والثقافة واللغة والصراعات الدينية والإمبراطوريات والتحولات الاجتماعية.
وهذا لا ينتقص من خصوصية الإسلام، بل يعيد وضعه داخل التاريخ الإنساني الذي ظهر فيه.
واللافت في هذا النوع من الدراسات أنه يغير طريقة طرح السؤال. بدلاً من السؤال التقليدي: «هل الرواية صحيحة أم خاطئة؟»، يصبح السؤال: «ما الذي يمكن أن نعرفه بدرجة معقولة من الثقة؟ وما الذي يبقى في دائرة الاحتمال؟ وما الذي لا تسمح لنا الأدلة الحالية بالجزم به؟»
وهذه ربما تكون أصعب فضيلة في البحث التاريخي: القدرة على قول لا نعرف.
فالفراغ في المعرفة ليس بالضرورة دليلاً على صحة رواية معينة، كما أن غياب الدليل لا يعني دائماً أن الحدث لم يقع. هناك فرق بين ما تثبته الأدلة، وما ترجحه، وما تسمح به، وما لا تستطيع أن تحسمه.
ومن هنا ينبغي قراءة مشروع دي بريمار بعيداً عن القراءات الأيديولوجية السريعة التي تبحث مسبقاً عن «إثبات» موقف ديني أو نقيضه. قيمة البحث التاريخي لا تكمن في أنه يوافق ما نعتقده، وإنما في أنه يجبرنا على معرفة حدود ما نستطيع إثباته.
وهذا هو الجانب الفلسفي الأعمق في الكتاب: العلاقة بين الحقيقة والدليل.
فنحن لا نحتاج إلى أدلة عندما نكون متأكدين مسبقاً؛ نحن نحتاج إليها تحديداً عندما نريد أن نختبر يقيننا. ولذلك فإن الانتقال من الإيمان إلى التاريخ لا يعني بالضرورة الانتقال من اليقين إلى الشك المطلق، وإنما الانتقال من نوع من المعرفة إلى نوع آخر، لكل واحد منهما أدواته وأسئلته وحدوده.
الإيمان له منطقه الخاص، والتاريخ له منطقه الخاص. والمؤرخ لا يستطيع أن يثبت أو ينفي كل ما يدخل في مجال الاعتقاد الديني بأدوات التاريخ وحدها، كما أن الاعتقاد الديني لا يمكن أن يحسم وحده كل سؤال يتعلق بإعادة بناء الحدث التاريخي.
وهنا تصبح المسافة بين المقدس والتاريخ ضرورية لا لإلغاء أحدهما، وإنما لمنع الخلط بين مستويين مختلفين من الخطاب.
إن «تأسيس الإسلام بين الكتابة والتاريخ» يدفعنا في النهاية إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالماضي. فالماضي ليس ملكاً لمن يرويه، ولا يمكن اختزاله في رواية واحدة، كما أن نقد المصادر لا يعني تلقائياً هدم التاريخ، بل يمكن أن يكون الطريق الوحيد إلى فهمه بصورة أكثر تعقيداً وأقل خضوعاً لليقينيات الجاهزة.
وربما تكون أهم رسالة يمكن أن نخرج بها من هذا الكتاب هي أن التاريخ لا يبدأ عندما نمتلك الإجابة، بل عندما نتعلم كيف نسأل المصدر.
فكل نص له زمنه، وكل رواية لها سياقها، وكل ذاكرة لها شروطها، وكل دليل له حدود قدرته على الإثبات.
ولهذا فإن دراسة بدايات الإسلام لا تحتاج إلى مزيد من اليقين بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الصرامة المنهجية؛ لأن السؤال التاريخي الحقيقي ليس: ماذا نريد أن يكون قد حدث؟ وإنما: ماذا تسمح لنا الأدلة بأن نقول إنه حدث؟
📖
#على دروب الفلسفة#مجلة ايليت فوتو ارت.


