مقالة نقدية-فلسفية متخصصة، تجمع بين التحليل الفوتوغرافي واللغة الأدبية، مع توضيح الفرق بين الاستوديوم Studium والبونكتوم Punctum عند رولان بارت، وربطهما بتجربة المتلقي للصورة.
الغرفة المضيئة: بين الاستوديوم والبونكتوم
حين تتحول الصورة من معنى مشترك إلى جرح شخصي
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين لا تكون الصورة ما نراه فقط
ليست الصورة الفوتوغرافية مجرد سطح مستوٍ يحمل أشكالًا وألوانًا وضوءًا، وليست مجرد تسجيل بصري لشيء كان موجودًا أمام العدسة في لحظة ما. الصورة، في جوهرها العميق، حدثٌ بصري يتجاوز لحظة الالتقاط؛ فهي قد تكون وثيقةً عند المؤرخ، وشهادةً عند الصحفي، وموضوعًا جماليًا عند الفنان، وذاكرةً شخصية عند من عاش اللحظة، وجرحًا عاطفيًا عند متلقٍ لم يكن حاضرًا فيها أصلًا.
ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الغرفة المضيئة: ملاحظات حول التصوير الفوتوغرافي» Camera Lucida: Reflections on Photography للفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت Roland Barthes، الذي حاول فيه أن يقترب من السؤال الأكثر مراوغة في الفوتوغرافيا: لماذا تلمسنا بعض الصور بينما تمر صور أخرى أمام أعيننا دون أن تترك أثرًا؟
في سياق هذا التأمل، قدّم بارت مفهومين أصبحا من أكثر المفاهيم حضورًا في فلسفة الصورة ونقدها:
Studium — الاستوديوم
وPunctum — البونكتوم.
الأول يفتح الصورة على المجال الثقافي والتاريخي والمعرفي، بينما الثاني يفتح فيها ثقبًا شخصيًا، تفصيلًا صغيرًا أو غير متوقع، يستطيع أن يخترق المتلقي ويستقر في ذاكرته ووجدانه.
وهنا تبدأ الصورة في مغادرة كونها «موضوعًا» لنصبح نحن أنفسنا جزءًا من تجربتها.
أولًا: الغرفة المضيئة… من الكاميرا إلى فلسفة النظر
عنوان بارت Camera Lucida يحمل دلالة تتجاوز المعنى الحرفي للكاميرا. فالكتاب ليس دليلًا تقنيًا في التصوير، ولا دراسةً تاريخيةً لتطور الكاميرا، وإنما هو رحلة فلسفية في طبيعة الصورة الفوتوغرافية، وفي علاقتها بالذاكرة والزمن والموت والحضور والغياب.
إن «الغرفة المضيئة» عند بارت ليست مجرد مكان تنتج فيه الصورة؛ إنها فضاء ذهني تتجاور فيه الرؤية والذاكرة والرغبة والفقدان.
الفوتوغرافيا تقول لنا، بطريقة مختلفة عن الرسم أو الخيال:
هذا كان موجودًا.
وهذه النقطة أساسية في تفكير بارت؛ فالصورة لا تقدم لنا الشيء فحسب، وإنما تحمل أثر وجوده في زمن سابق. ولذلك ترتبط الصورة عنده بقوة بفكرة الزمن والموت.
إن الوجه الذي يظهر في صورة قديمة لم يعد حاضرًا بالطريقة نفسها، والمكان الذي كان مأهولًا قد يصبح خرابًا، والطفل الذي نراه في الصورة يصبح رجلًا أو امرأة، وربما يغيب عن العالم كله، بينما تبقى صورته.
هكذا تتحول الفوتوغرافيا إلى جهاز غريب لحفظ ما يوشك على الزوال.
الاستوديوم Studium: الصورة بوصفها معرفة
إذا وقفنا أمام صورة تاريخية لمدينة قديمة، فإننا نستطيع أن نقرأ فيها الملابس، والعمارة، والسيارات، واللافتات، والعلاقات الاجتماعية، وطبيعة الشارع، والطبقة الاجتماعية للأشخاص، وحتى التقنيات المستخدمة في تصويرها.
كل ذلك يدخل في مجال الاستوديوم.
فالـ Studium هو مستوى الاهتمام العام بالصورة؛ ذلك المجال الذي يجعلنا نتعامل معها باعتبارها موضوعًا يمكن فهمه وتحليله وتأويله ثقافيًا وتاريخيًا وفنيًا.
إنه اهتمام لا يخلو من العاطفة، لكنه عاطفة ذات طابع ثقافي أو معرفي.
يمكن أن يعجبنا تصوير صحفي لأنه يكشف واقعًا اجتماعيًا.
وقد نهتم بصورة أثرية لأنها تقدم وثيقة عن حضارة اندثرت.
وقد ندرس صورة فوتوغرافية بسبب تكوينها، وإضاءتها، ومنظورها، وعمق مجالها، وتدرجاتها اللونية، أو علاقتها بمدرسة فنية معينة.
في هذه الحالات نحن نقرأ الصورة ضمن شفرتها الثقافية.
نحن نسأل:
من صوّرها؟
متى؟
أين؟
لماذا؟
ما موضوعها؟
ما الظروف التاريخية التي أنتجتها؟
ما الرموز الموجودة فيها؟
وما الذي تقوله عن المجتمع الذي جاءت منه؟
هذه كلها أسئلة الاستوديوم.
الاستوديوم وعين المصور
بالنسبة للمصور المحترف، يمكن أن يبدأ الاستوديوم منذ لحظة النظر إلى المشهد.
المصور يرى الضوء، والخطوط، والمساحات، والتوازن، واللون، والظل، والشخصية، والحركة، والخلفية، واللحظة المناسبة.
ثم تأتي الكاميرا لتترجم ذلك إلى بنية بصرية.
لكن المتلقي قد يقرأ الصورة بطريقة أخرى.
فالصورة التي يراها المصور باعتبارها تمرينًا على التكوين Composition، قد يراها الناقد مثالًا على استخدام الضوء، وقد يراها المؤرخ وثيقةً اجتماعية، وقد يراها الباحث في الأزياء سجلًا للملابس، بينما يراها شخص آخر بوصفها مجرد شارع قديم يشبه شارع طفولته.
وهنا تبدأ المسافة بين الصورة التي التقطها المصور والصورة التي يعيشها المتلقي.
البونكتوم Punctum: حين تصيب الصورة المتلقي
إذا كان الاستوديوم هو ما يجعلنا نفهم الصورة، فإن البونكتوم هو ما يجعل الصورة تصيبنا.
كلمة Punctum ترتبط في أصلها اللاتيني بمعنى النقطة أو الوخزة أو العلامة التي تثقب السطح. واستخدم بارت هذا المفهوم ليصف ذلك التفصيل في الصورة الذي لا يكتفي بأن يكون جزءًا من موضوعها، بل يملك قدرة شخصية على اختراق المتلقي.
قد يكون:
يدًا صغيرة في طرف الصورة.
نظرةً شاردة.
حذاءً قديمًا.
وجهًا بعيدًا.
طفلًا يقف وحده.
كرسيًا فارغًا.
ابتسامةً عابرة.
أو حتى تفصيلًا يبدو هامشيًا بالنسبة إلى الصورة كلها، لكنه بالنسبة إلى شخص بعينه يصبح مركزها الحقيقي.
وهنا تحدث المفارقة:
ما هو هامشي في الصورة قد يصبح جوهريًا في تجربة المتلقي.
من المعرفة إلى الإصابة
في الاستوديوم نقول:
«أفهم هذه الصورة.»
أما في البونكتوم فقد نقول، ولو بصمت:
«هذه الصورة أصابتني.»
وهذا الفرق هو أحد أجمل المفاتيح لفهم فلسفة بارت في قراءة الصورة.
فالاستوديوم ينتمي بدرجة كبيرة إلى المجال المشترك: الثقافة، التاريخ، المعرفة، الرموز، الموضوع، السياق.
أما البونكتوم فيتحرك داخل المجال الشخصي: الذاكرة، التجربة، الحنين، الفقد، الرغبة، الخوف، الحب، وربما الحزن.
إنه لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون واضحًا في نية المصور.
بل قد يكون شيئًا لم يقصده المصور أصلًا.
وهنا تصبح الصورة أكبر من صاحبها.
الصورة الواحدة… وحقائق متعددة
يمكن لصورة واحدة أن تحمل أكثر من حقيقة.
لنفرض أن المصور التقط صورة لشارع قديم.
بالنسبة للمصور، قد يكون اهتمامه منصبًا على الضوء المتسرب بين الأبنية، وعلى التكوين الهندسي، وعلى التباين بين الضوء والظل.
أما المؤرخ فقد يرى في الصورة وثيقةً عمرانية تكشف شكل المدينة في مرحلة زمنية محددة.
والباحث الاجتماعي قد يقرأ فيها طبيعة الحياة اليومية.
والفنان قد يقرأها بوصفها بناءً من الخطوط والمساحات.
لكن شخصًا آخر قد يرى في زاوية الصورة وجه رجل يشبه والده.
بالنسبة إلى هذا الشخص، لم تعد الصورة عن الشارع.
لقد أصبحت عن الأب.
وهنا يظهر البونكتوم.
إن التفصيل الذي لم يكن هو موضوع الصورة الأصلي، يصبح فجأةً مركز التجربة.
المصور يرى شارعًا… والمؤرخ يرى وثيقة
وهنا يمكن تلخيص المسافة بين المفهومين في صياغة شديدة البساطة:
قد يرى المصور شارعًا.
ويرى المؤرخ وثيقة.
ويرى الناقد تكوينًا.
ويرى الفنان ضوءًا.
ويرى طفلٌ وجه أبيه.
الصورة واحدة.
لكن التجربة ليست واحدة.
وهذه ليست مشكلة في القراءة، بل هي إحدى خصائص الفوتوغرافيا نفسها.
فالصورة لا تنتهي عند لحظة الضغط على زر الغالق.
إنها تبدأ حياةً ثانية عند عين المتلقي.
البونكتوم والذاكرة: الصورة التي تستعيد ما فقدناه
تزداد قوة البونكتوم عندما تتصل الصورة بذاكرة شخصية.
قد يرى شخصان صورة قديمة لعائلة تجلس أمام منزل.
الأول قد يراها صورة عائلية عادية.
والثاني قد يتوقف طويلًا أمام امرأة في الخلفية، لأنها تشبه والدته الراحلة.
بالنسبة إلى الأول، الصورة معلومة.
أما بالنسبة إلى الثاني، فقد أصبحت استدعاءً للغياب.
وهنا تتحول الفوتوغرافيا إلى جهاز للذاكرة.
إنها لا تستعيد الماضي كما كان تمامًا، لكنها تستحضر أثره.
ولهذا يمكن للصورة أن تكون في الوقت نفسه:
حضورًا وغيابًا.
ذاكرةً ونسيانًا.
حياةً وموتًا.
وثيقةً وشعورًا.
البونكتوم ليس بالضرورة تفصيلًا «جميلًا»
من الأخطاء الممكنة في قراءة البونكتوم اعتباره دائمًا عنصرًا جماليًا أو تفصيلًا مثيرًا للإعجاب.
البونكتوم ليس بالضرورة أجمل ما في الصورة.
وقد لا يكون أهم عنصر من الناحية التقنية.
بل قد يكون عنصرًا مزعجًا أو عاديًا أو هامشيًا.
قيمته ليست في جماله الموضوعي، وإنما في قدرته على إحداث استجابة شخصية لدى المتلقي.
وهذا يعني أن البونكتوم لا يمكن إنتاجه وفق وصفة تقنية جاهزة.
لا توجد عدسة تقول للمصور:
«التقط بهذه الطريقة لتحصل على بونكتوم.»
ولا توجد قاعدة تركيبية تضمن أن عنصرًا معينًا سيصيب جميع المشاهدين بالطريقة نفسها.
لأن البونكتوم يرتبط بتاريخ الشخص الذي ينظر.
هل يستطيع المصور أن يصنع البونكتوم؟
هنا يظهر سؤال مهم في التصوير المعاصر:
هل يستطيع المصور أن يتعمد صناعة البونكتوم؟
يمكن للمصور أن يصنع صورة كثيفة الإيحاء، وأن يستخدم الضوء، واللون، والرمز، والإيماءة، والمفارقة، والفراغ، والنظرة، واللحظة الحاسمة.
لكنه لا يستطيع أن يتحكم بصورة كاملة في التجربة الشخصية للمتلقي.
فقد يضع المصور في مركز اهتمامه امرأةً تحمل وردة، بينما يرى أحد المشاهدين في الخلفية نافذةً مكسورة تذكره ببيت طفولته.
بالنسبة إلى المصور، الوردة هي الموضوع.
لكن بالنسبة إلى ذلك المتلقي، النافذة هي البونكتوم.
وهكذا تصبح الصورة مساحةً للتفاعل بين قصد المصور وذاكرة المتلقي.
الاستوديوم والبونكتوم في التصوير الصحفي
في التصوير الصحفي، تبدو العلاقة بين المفهومين أكثر وضوحًا.
الصورة الصحفية تحمل عادةً معلومات قابلة للقراءة:
المكان، الحدث، الأشخاص، الملابس، الشعارات، الخراب، الاحتفال، المظاهرة، الحرب، الحياة اليومية.
هذه كلها تدخل في مجال الاستوديوم.
لكن قد يحدث أن يعلق في ذهن المتلقي تفصيل صغير:
طفل ينظر إلى الكاميرا.
يد أم تمسك بيد طفلها.
حذاء ملقى على الطريق.
كرسي فارغ.
صورة صغيرة معلقة على جدار.
هذا التفصيل قد يخرج الصورة من المجال الإخباري إلى المجال الإنساني.
وهنا تتحول الصورة من خبر عن حدث إلى تجربة عن الإنسان.
بين عين الكاميرا وعين المتلقي
الكاميرا لا تمتلك ذاكرة.
الإنسان هو الذي يمنح الصورة ذاكرتها.
الكاميرا تسجل الضوء الذي يصل إلى المستشعر أو الفيلم، لكن العين البشرية لا تستقبل الصورة باعتبارها فوتونات وبكسلات فقط؛ إنها تربط ما تراه بما تعرفه وما عاشته وما فقدته وما تحبه وما تخشاه.
ولهذا فإن الصورة ليست مجرد:
فوتون → مستشعر → بكسل → ملف رقمي.
بل يمكن أن تمتد السلسلة الإنسانية إلى:
فوتون → صورة → عين → ذاكرة → شعور → معنى.
ومن هذه الزاوية، يصبح البونكتوم لحظةً تتجاوز فيها الصورة حدود مادتها التقنية.
الصورة بين «ما أراه» و«ما أشعر به»
الاستوديوم يطرح سؤال:
ماذا أرى؟
أما البونكتوم فيدفعنا إلى سؤال أكثر ذاتية:
لماذا أشعر بأن هذه الصورة تخصني؟
الأول يمكن شرحه وتدريسه وتحليله.
أما الثاني فقد يكون عصيًا على التفسير الكامل.
قد يعرف المتلقي أن تفصيلًا ما يؤثر فيه، لكنه لا يستطيع أن يشرح بدقة لماذا.
وهنا تتدخل مناطق عميقة من الذاكرة والانفعال والتجربة الشخصية.
فالصورة التي تؤثر فينا ليست دائمًا الصورة التي تحتوي على أكبر قدر من المعلومات.
أحيانًا تكون صورة فقيرة في المعلومات، لكنها غنية في الاستدعاء.
من «موضوع الصورة» إلى «مصير الصورة»
يمكن النظر إلى الاستوديوم والبونكتوم باعتبارهما مرحلتين مختلفتين في حياة الصورة.
في المرحلة الأولى، الصورة موضوع للنظر والتحليل:
ماذا تصور؟ كيف صُورت؟ ومتى؟ ولماذا؟
وفي المرحلة الثانية، تصبح الصورة حدثًا داخل المتلقي:
ماذا فعلت بي؟ ماذا ذكّرتني؟ وما الذي استيقظ داخلي عندما رأيتها؟
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بالصورة وحدها.
بل يصبح متعلقًا بالعلاقة بين الصورة والإنسان.
الفوتوغرافيا كمرآة للذات
من أكثر الأفكار إثارة في هذا السياق أن الصورة التي ننظر إليها قد تكشف عنا نحن بقدر ما تكشف عن موضوعها.
فحين يقول شخص:
«هذه الصورة تذكرني بأبي.»
فهو لا يقدم فقط قراءة للصورة؛ بل يكشف جزءًا من سيرته الشخصية.
وحين يتوقف شخص أمام صورة لبيت قديم، فقد يكون البيت في الصورة مجرد عمارة، لكن التجربة التي يستحضرها المشاهد تجعل منه مكانًا للطفولة.
لذلك يمكن القول إن البونكتوم يجعل الصورة مرآةً غير مباشرة للمتلقي.
نحن لا نرى الصورة فقط.
أحيانًا نرى أنفسنا داخلها.
من رولان بارت إلى التصوير المعاصر
رغم أن مفهومَي الاستوديوم والبونكتوم ارتبطا بكتاب بارت وبقراءته الفلسفية للفوتوغرافيا، فإن أثرهما يتجاوز الصورة الفوتوغرافية التقليدية.
في عصر الهاتف المحمول، والشبكات الاجتماعية، والتصوير الرقمي، والصورة الحاسوبية، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، أصبح الإنسان يعيش داخل تدفق هائل من الصور.
لكن كثرة الصور لا تعني بالضرورة كثرة الصور التي تترك أثرًا.
قد تمر أمام أعيننا آلاف الصور يوميًا، ثم تتوقف العين عند صورة واحدة.
لماذا؟
لأن الصورة قد تجد داخلنا نقطة اتصال.
وهنا يمكن أن نستعيد سؤال بارت بصيغة معاصرة:
متى تتوقف الصورة عن كونها مجرد صورة، وتصبح تجربة؟
نحو فلسفة جديدة للصورة
في عصر الصورة الرقمية، لم تعد الفوتوغرافيا مجرد عملية كيميائية تثبت أثر الضوء على فيلم، بل أصبحت منظومة تجمع:
الضوء، المستشعر، البيانات، الخوارزمية، الشاشة، الذاكرة، والمتلقي.
ومع ذلك يبقى السؤال الإنساني القديم حاضرًا:
ماذا يحدث لنا عندما ننظر؟
فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الوجه، وتحليل المشهد، وتصنيف الأشياء، والتعرف إلى الأنماط، وربما توليد صورة جديدة؛ لكنها لا تستطيع أن تحدد بصورة عامة ما الذي سيكون بونكتوم لشخص بعينه، لأن ذلك مرتبط بسيرة الإنسان وذاكرته وتجربته.
وهنا تستمر أهمية بارت.
ففي عالم تزداد فيه قدرة الآلة على تحليل الصورة، يبقى سؤال الإنسان متعلقًا بقدرته على عيش الصورة.
خاتمة: حين تثقب الصورة جدار النظر
بين الاستوديوم والبونكتوم تقع واحدة من أكثر المناطق غموضًا في تجربة التصوير.
الاستوديوم يجعلنا نعرف الصورة؛ نقرأ تاريخها، ونفهم موضوعها، ونحلل تكوينها، ونضعها في سياقها الثقافي والفني والاجتماعي.
أما البونكتوم فيجعل الصورة تعرف طريقها إلينا.
إنه ذلك التفصيل الذي لا يكتفي بأن يكون مرئيًا، بل يصبح محسوسًا؛ لا يشرح نفسه بالضرورة، لكنه يترك أثرًا.
ولهذا قد تكون الصورة نفسها وثيقةً لمؤرخ، وموضوعًا جماليًا لفنان، ومادةً بحثية لناقد، وذكرى موجعة لإنسان آخر.
الصورة واحدة، لكن حياتها تتعدد بتعدد العيون التي تنظر إليها.
وفي النهاية، ربما لا تكمن قوة الفوتوغرافيا في أنها تحفظ ما رأته الكاميرا فقط، بل في أنها تتيح لكل إنسان أن يعثر، داخل ما رأته الكاميرا، على شيء من حياته هو.
المصور يلتقط اللحظة.
والصورة تحفظها.
أما المتلقي، فقد يمنحها حياةً جديدة.
وهنا، في المسافة الدقيقة بين ما نعرفه عن الصورة وما نشعر به أمامها، تفتح «الغرفة المضيئة» بابها الحقيقي:
من الاستوديوم إلى البونكتوم… من قراءة الصورة إلى أن تصبح الصورة جزءًا من ذاكرتنا.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


