بقلم د. علي خليفة
ارتبطت العقدة والأحداث البوليسية بالرواية– على وجه الخصوص – ففيها يمكن سرد تفاصيل تلك العقدة والأحداث، وإبراز جوانب التشويق بشكل واضح، ومع ذلك فإن هناك كتاب مسرح اهتموا بالعقد والأحداث البوليسية في بعض مسرحياتهم؛ وذلك بأن يجعلو أحداث مسرحياتهم تلك فيها تخطيط لعمل جريمة أو كشف لخيوط جريمة قتل أو اختطاف
أو سرقة شىء مهم. وأعتقد أن من أهم من كتبوا المسرحيات ذات العقد البوليسية الكاتب السويسري فريدريش دورينمات، وغالبًا ما تكون العقدة البوليسية في مسرحياته التي فيها تلك العقدة – عن جرائم قتل تمت ويبحث من مرتكبيها، أو عن جرائم قتل يتم التخطيط لها، والحق أن الخط البوليسي في هذه المسرحيات يؤدي – بلا شك – للتشويق في متابعة سير الأحداث بها، ولكنه غالبًا ما يكون وسيلة لا هدفًا في حد ذاته، فهو وسيلة لإثارة القارئ والمشاهد؛ ليتابع الخط الفكري الذي يبثه دورينمات في هذه المسرحيات، والرؤى المختلفة التي يريد الإيحاء بها فيها.
ومن مسرحيات دورينمات التي نرى فيها هذه العقدة البوليسية مسرحية “العَطَب” التي فيها نرى شخصًا تتعطل سيارته في مدينة معينة، ويضطر أن يقيم ليلته هذه في منزل لأشخاص لا يعرفهم في تلك المدينة، ويمارس معهم لعبة غريبة عن محاكمة شخص من التاريخ أو من الموجودين بينهم، ويحاكمون هذا الشخص الوافد عليهم، ومن خلال استدراجه في المحاكمة يكتشف أنه قتل رئيسه السابق في عمله؛ ليحل محله؛ وذلك بأن صدمه بخبر صدمة أدت لإصابته بأزمة قلبية أدت لوفاته، وكان يعلم قبل أن يصدمه بذلك الخبر المؤلم أنه من الممكن أن يموت بالفعل حين سماعه إياه، وكان هو الذي خطط لحدوث ذلك الفعل الذي صعق مديره حين سمعه.
وهذه المسرحية تشير إلى أن كثيرًا من الناس هم قتلة بالفعل دون أن يدروا، وليس بالضرورة أن يكون قتلهم لمن يقتلونهم بشكل مباشر، ولكن من خلال تعريضهم لمصائب يكون من نتيجتها إصابتهم بأمراض تؤدي لموتهم، كما رأينا في مسرحية “العطب”.
وفي مسرحية “القرين” يؤكد دورينمات أن كل شخص هو قاتل، سواء أكان قتله حقيقيًّا تم في الواقع، أم من خلال قيام قرينه بتلك الجريمة؛ ولهذا نرى في بداية هذه المسرحية شخصًا طيبًا، يأتيه قرينه، ويقول له: إنه قد قام بجريمة قتل، وعليه أن يعاقب بدلاً منه عليها، وتتوالى الأحداث، فيورط ذلك القرين ذلك الشخص في جريمتين للقتل؛ وبهذا يصبح قاتلاً بالفعل، بعد أن كان يظن نفسه في بداية المسرحية طاهرًا طيبًا، لا يمكنه أن يقوم بأي جريمة قتل.
وكذلك نرى في مسرحية “حادث في الشفق” لدورينمات مؤلفًا شهيرًا برواياته عن جرائم القتل، ونكتشف – مع تتابع حواره مع شخص اهتم بالتحقيق في وقائع حوادث القتل التي ذكرها في رواياته – أن ذلك المؤلف كان يقوم بارتكاب حوادث القتل التي يصورها في رواياته، ويهدد ذلك الشخص المؤلف بأن يكشف حقائق جرائمه إن لم يقدم له راتبًا شهريًّا يعينه في حياته، وتكون نهاية المسرحية ونهاية ذلك الشخص بأن يقتله ذلك المؤلف برميه من نافذة في حجرته في الفندق الذي يقيم فيه، وكان ذلك الشخص قد أتى إليه فيه، ويقول المؤلف في نهاية المسرحية بعد قتله ذلك الشخص: إنه بهذه الحادثة قد استلهم فكرة رواية جديدة يمكنه الآن كتابتها.
ومن مسرحيات دورينمات التي نرى فيها كثرة في حوادث القتل مسرحية “علماء الطبيعة”، وفيها يقوم ثلاثة علماء في علوم الطبيعة بقتل ثلاث ممرضات، وكل واحد منهم يقتل الممرضة التي أحبته، ثم نكتشف مع تتابع الأحداث أن هؤلاء العلماء ليسوا مجانين، ولكن اثنين منهم جاءا لهذه المستشفى من أجل مراقبة العالم الثالث؛ لأنه أكبر عالم في الطبيعة، وفضَّل أن يدَّعي الجنون ويعيش في مصحة للأمراض العقلية على أن يخضع لإحدى الدول العظمى، ويقدم لها اختراعاته التي تؤدي لقتل كثير من الناس، وكثير منهم أبرياء.
وكان قتل كل عالم منهم للممرضة التي أحبته؛ لأنها اكتشفت حقيقته، أو كانت في سبيلها لاكتشافها.
ومن هنا نرى أن القتل هنا يتم لأهداف معينة، وليس بسبب الجنون، كما ظن في البداية مع حدوث هذه الجرائم.
وقد يكون القتل معنويًّا في بعض مسرحيات دورينمات، من خلال العبث بحياة شخص، ووضعه في وضع يؤدي لضياعه وتغيير مسار حياته، كما نرى في مسرحية “زيارة السيدة العجوز”، ففيها تحمل فتاة من شخص في مدينة جولين، وينكر عشيقها أبوته للطفلة التي أنجبتها، فتتحول لعاهرة، وتموت طفلتها، ثم تتغير ظروف حياتها، وترث زوجها الثري، وتعود لمدينتها القديمة جولين وقد صارت عجوزًا؛ لتطبق العدالة التي لم تستطع الحصول عيها في شبابها، وتشترط على أهل مدينة جولين الفقراء أن يقتل عشيقها القديم لتتم العدالة، في مقابل أن تقدم للمدينة وأهلها منحة قدرها مليار جنيه، ويوافق أهل المدينة وعمدتها في نهاية المسرحية على قتل ذلك الشخص، وتعود بالصندوق الذي أحضرته معها، وفيه جثة عشيقها القديم، فقد نفذت فيه العدالة – كما تراها – بسلطتها المادية.
وهكذا نرى أن الحدث البوليسي عن جرائم القتل يسري في كثير من مسرحيات دورينمات، ولكنه يكون في الشكل الخارجي لها لإثارة المتلقي، ويبقى في باطن الأحداث إيحاءات ودلالات ورؤى أخرى يريد دورينمات إيصالها للمتلقى، كرفض الحروب والأسلحة التي يصنعها علماء الطبيعة، كما رأينا في مسرحية “علماء الطبيعة”، وكشف بواطن بعض النفوس البشرية وإظهار أن أصحابها قتلة دون أن يدروا حقيقة ذلك، كما رأينا في مسرحية “العطب”، وأيضًا نكتشف أن الإنسان مع دعوته لنبذ الجريمة والتصدي للعنف إذا به لا يتمتع إلا بالروايات والمسرحيات التي تتناول جرائم القتل؛ ولهذا يقوم مؤلف لهذه الروايات بارتكاب جرائم قتل غريبة؛ لتصويرها في رواياته التي ترضي جمهورًا غفيرًا من الناس، كما نرى في مسرحية “حادث في الشفق”.
وأيضًا رأينا أن القتل المعنوي الذي يتم من أشخاص لآخرين، يكون له تأثيرات سيئة على نفوسهم، وأنهم حين تواتيهم الظروف يرغبون في الثأر من هؤلاء الذين ذبحوا نفوسهم، من خلال قتلهم فعليًّا، كما رأينا ذلك في مسرحية “زيارة السيدة العجوز”.
وفي كل الأحوال كان للخط البوليسي في جرائم القتل التي تتم في بعض مسرحيات “دورينمات” آثاره في تشويق المتلقي لها، وفي الوقت نفسه كان مبعثًا لإثارة كثير من أفكار دورينمات ورؤاه في الحياة والناس، كما رأينا في هذه المقالة.
أو سرقة شىء مهم. وأعتقد أن من أهم من كتبوا المسرحيات ذات العقد البوليسية الكاتب السويسري فريدريش دورينمات، وغالبًا ما تكون العقدة البوليسية في مسرحياته التي فيها تلك العقدة – عن جرائم قتل تمت ويبحث من مرتكبيها، أو عن جرائم قتل يتم التخطيط لها، والحق أن الخط البوليسي في هذه المسرحيات يؤدي – بلا شك – للتشويق في متابعة سير الأحداث بها، ولكنه غالبًا ما يكون وسيلة لا هدفًا في حد ذاته، فهو وسيلة لإثارة القارئ والمشاهد؛ ليتابع الخط الفكري الذي يبثه دورينمات في هذه المسرحيات، والرؤى المختلفة التي يريد الإيحاء بها فيها.
ومن مسرحيات دورينمات التي نرى فيها هذه العقدة البوليسية مسرحية “العَطَب” التي فيها نرى شخصًا تتعطل سيارته في مدينة معينة، ويضطر أن يقيم ليلته هذه في منزل لأشخاص لا يعرفهم في تلك المدينة، ويمارس معهم لعبة غريبة عن محاكمة شخص من التاريخ أو من الموجودين بينهم، ويحاكمون هذا الشخص الوافد عليهم، ومن خلال استدراجه في المحاكمة يكتشف أنه قتل رئيسه السابق في عمله؛ ليحل محله؛ وذلك بأن صدمه بخبر صدمة أدت لإصابته بأزمة قلبية أدت لوفاته، وكان يعلم قبل أن يصدمه بذلك الخبر المؤلم أنه من الممكن أن يموت بالفعل حين سماعه إياه، وكان هو الذي خطط لحدوث ذلك الفعل الذي صعق مديره حين سمعه.
وهذه المسرحية تشير إلى أن كثيرًا من الناس هم قتلة بالفعل دون أن يدروا، وليس بالضرورة أن يكون قتلهم لمن يقتلونهم بشكل مباشر، ولكن من خلال تعريضهم لمصائب يكون من نتيجتها إصابتهم بأمراض تؤدي لموتهم، كما رأينا في مسرحية “العطب”.
وفي مسرحية “القرين” يؤكد دورينمات أن كل شخص هو قاتل، سواء أكان قتله حقيقيًّا تم في الواقع، أم من خلال قيام قرينه بتلك الجريمة؛ ولهذا نرى في بداية هذه المسرحية شخصًا طيبًا، يأتيه قرينه، ويقول له: إنه قد قام بجريمة قتل، وعليه أن يعاقب بدلاً منه عليها، وتتوالى الأحداث، فيورط ذلك القرين ذلك الشخص في جريمتين للقتل؛ وبهذا يصبح قاتلاً بالفعل، بعد أن كان يظن نفسه في بداية المسرحية طاهرًا طيبًا، لا يمكنه أن يقوم بأي جريمة قتل.
وكذلك نرى في مسرحية “حادث في الشفق” لدورينمات مؤلفًا شهيرًا برواياته عن جرائم القتل، ونكتشف – مع تتابع حواره مع شخص اهتم بالتحقيق في وقائع حوادث القتل التي ذكرها في رواياته – أن ذلك المؤلف كان يقوم بارتكاب حوادث القتل التي يصورها في رواياته، ويهدد ذلك الشخص المؤلف بأن يكشف حقائق جرائمه إن لم يقدم له راتبًا شهريًّا يعينه في حياته، وتكون نهاية المسرحية ونهاية ذلك الشخص بأن يقتله ذلك المؤلف برميه من نافذة في حجرته في الفندق الذي يقيم فيه، وكان ذلك الشخص قد أتى إليه فيه، ويقول المؤلف في نهاية المسرحية بعد قتله ذلك الشخص: إنه بهذه الحادثة قد استلهم فكرة رواية جديدة يمكنه الآن كتابتها.
ومن مسرحيات دورينمات التي نرى فيها كثرة في حوادث القتل مسرحية “علماء الطبيعة”، وفيها يقوم ثلاثة علماء في علوم الطبيعة بقتل ثلاث ممرضات، وكل واحد منهم يقتل الممرضة التي أحبته، ثم نكتشف مع تتابع الأحداث أن هؤلاء العلماء ليسوا مجانين، ولكن اثنين منهم جاءا لهذه المستشفى من أجل مراقبة العالم الثالث؛ لأنه أكبر عالم في الطبيعة، وفضَّل أن يدَّعي الجنون ويعيش في مصحة للأمراض العقلية على أن يخضع لإحدى الدول العظمى، ويقدم لها اختراعاته التي تؤدي لقتل كثير من الناس، وكثير منهم أبرياء.
وكان قتل كل عالم منهم للممرضة التي أحبته؛ لأنها اكتشفت حقيقته، أو كانت في سبيلها لاكتشافها.
ومن هنا نرى أن القتل هنا يتم لأهداف معينة، وليس بسبب الجنون، كما ظن في البداية مع حدوث هذه الجرائم.
وقد يكون القتل معنويًّا في بعض مسرحيات دورينمات، من خلال العبث بحياة شخص، ووضعه في وضع يؤدي لضياعه وتغيير مسار حياته، كما نرى في مسرحية “زيارة السيدة العجوز”، ففيها تحمل فتاة من شخص في مدينة جولين، وينكر عشيقها أبوته للطفلة التي أنجبتها، فتتحول لعاهرة، وتموت طفلتها، ثم تتغير ظروف حياتها، وترث زوجها الثري، وتعود لمدينتها القديمة جولين وقد صارت عجوزًا؛ لتطبق العدالة التي لم تستطع الحصول عيها في شبابها، وتشترط على أهل مدينة جولين الفقراء أن يقتل عشيقها القديم لتتم العدالة، في مقابل أن تقدم للمدينة وأهلها منحة قدرها مليار جنيه، ويوافق أهل المدينة وعمدتها في نهاية المسرحية على قتل ذلك الشخص، وتعود بالصندوق الذي أحضرته معها، وفيه جثة عشيقها القديم، فقد نفذت فيه العدالة – كما تراها – بسلطتها المادية.
وهكذا نرى أن الحدث البوليسي عن جرائم القتل يسري في كثير من مسرحيات دورينمات، ولكنه يكون في الشكل الخارجي لها لإثارة المتلقي، ويبقى في باطن الأحداث إيحاءات ودلالات ورؤى أخرى يريد دورينمات إيصالها للمتلقى، كرفض الحروب والأسلحة التي يصنعها علماء الطبيعة، كما رأينا في مسرحية “علماء الطبيعة”، وكشف بواطن بعض النفوس البشرية وإظهار أن أصحابها قتلة دون أن يدروا حقيقة ذلك، كما رأينا في مسرحية “العطب”، وأيضًا نكتشف أن الإنسان مع دعوته لنبذ الجريمة والتصدي للعنف إذا به لا يتمتع إلا بالروايات والمسرحيات التي تتناول جرائم القتل؛ ولهذا يقوم مؤلف لهذه الروايات بارتكاب جرائم قتل غريبة؛ لتصويرها في رواياته التي ترضي جمهورًا غفيرًا من الناس، كما نرى في مسرحية “حادث في الشفق”.
وأيضًا رأينا أن القتل المعنوي الذي يتم من أشخاص لآخرين، يكون له تأثيرات سيئة على نفوسهم، وأنهم حين تواتيهم الظروف يرغبون في الثأر من هؤلاء الذين ذبحوا نفوسهم، من خلال قتلهم فعليًّا، كما رأينا ذلك في مسرحية “زيارة السيدة العجوز”.
وفي كل الأحوال كان للخط البوليسي في جرائم القتل التي تتم في بعض مسرحيات “دورينمات” آثاره في تشويق المتلقي لها، وفي الوقت نفسه كان مبعثًا لإثارة كثير من أفكار دورينمات ورؤاه في الحياة والناس، كما رأينا في هذه المقالة.
…………..
المصدر: صفحة المسرح العالمي


