العالمية المعمارية العراقية: زَها حديد… من نموذج بيت في الموصل إلى عمارة غيّرت شكل العالم.

🏛️ زَها حديد… من نموذج بيت في الموصل إلى عمارة غيّرت شكل العالم

📌 في سطور قليلة

قبل أن يعرف العالم اسم زَها حديد، وقبل أن تصبح رسوماتها موضوعًا للدهشة والجدل، كانت هناك طفلة في بغداد، في السادسة من عمرها تقريبًا، تنظر إلى نموذج بيت كانت خالتها تبنيه في الموصل.

كان المهندس الذي صمّم البيت صديقًا لوالدها، وكان يأتي إلى منزل العائلة حاملًا معه الرسومات والنماذج.

وفي غرفة المعيشة، رأت زَها ذلك النموذج.

كان صغيرًا…

لكن أثره لم يكن كذلك.

تقول زَها، بعد سنوات طويلة، إن رؤية ذلك النموذج في منزل العائلة «أطلقت شيئًا» في داخلها.

لم تكن تعرف يومها أن تلك اللحظة الصغيرة ستصبح واحدة من الخيوط التي تقودها إلى العمارة.

بعد سنوات، درست الرياضيات في بيروت، ثم انتقلت إلى لندن لدراسة العمارة، وهناك بدأت ترسم مباني لم يكن العالم مستعدًا، في البداية، لبنائها.

سنوات طويلة مرت وهي تُعرف برسوماتها ومشروعاتها أكثر مما تُعرف بمبانيها.

مشروعات فازت في مسابقات، وأخرى بقيت على الورق، وأفكار بدت لكثيرين أقرب إلى الخيال منها إلى العمارة.

لكن زَها لم تتراجع.

حتى جاء الوقت الذي خرجت فيه الرسومات من الورق، وتحولت الخطوط إلى خرسانة وفولاذ وفراغات حقيقية.

وفي عام 2004 أصبحت أول امرأة تفوز بجائزة بريتزكر للعمارة.

ثم انتقلت من مشروع إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، حتى أصبحت مبانيها جزءًا من المشهد المعماري العالمي.

لكن زَها لم تكن تصمم المباني فقط؛ فقد كانت معلّمة أيضًا، حملت أفكارها وتجاربها إلى قاعات تدريس العمارة، وأسهمت في التأثير في أجيال من الطلاب والمعماريين.

وفي النهاية، عاد اسمها إلى بغداد من خلال تصميم مبنى البنك المركزي العراقي على ضفة دجلة.

لكن بين كل هذه المحطات بقي خيط واحد يعود بنا دائمًا إلى البداية:

الموصل.


👧 الاسم الذي سيعرفه العالم

اسمها الكامل زَها محمد حسين حديد اللهيبي، واشتهرت عالميًا باسم زَها حديد.

وُلدت في بغداد عام 1950، في عائلة ذات جذور موصلية، ونشأت في بيئة كان فيها التعليم والفن والكتب والاطلاع جزءًا من الحياة اليومية.

كانت بغداد التي عاشت فيها زَها في طفولتها مختلفة عن الصورة التي يعرفها كثيرون اليوم.

كان العراق يعيش مرحلة من التحولات والتحديث، وكانت العمارة الحديثة والفنون والأفكار الجديدة حاضرة بقوة في المشهد الثقافي.

وفي بيت العائلة، كان والدها يؤمن بالتعليم وبالمستقبل، وكانت والدتها تحب الرسم، وتعلمت زَها منها الرسم في سن مبكرة.

لم تكن العمارة، إذن، غريبة عن عالمها.

لكنها لم تدخل إليها بالطريق المعتاد.

فالحكاية لم تبدأ من كلية العمارة.

بل ربما بدأت قبل ذلك بكثير…

من نموذج بيت في الموصل.


🏠 نموذج صغير… وذاكرة كبيرة

كانت خالتها تبني بيتًا في الموصل.

وكان المهندس الذي صممه صديقًا مقربًا من والدها، يأتي إلى منزل العائلة ومعه الرسومات والنماذج.

وفي غرفة المعيشة، كانت طفلة في السادسة تقريبًا تنظر إلى ذلك المجسم.

قد يرى شخص بالغ نموذجًا معماريًا صغيرًا.

أما الطفل، فقد يرى عالمًا كاملًا.

بيتًا يمكن أن يتخيله من الداخل والخارج.

كتلًا يمكن تحريكها في الخيال.

نوافذ وأبوابًا وأسطحًا وعلاقات بين أجزاء المبنى.

وزَها نفسها ربطت لاحقًا تلك الذكرى ببدايات انجذابها إلى العمارة.

وهنا ربما تكمن إحدى أجمل مفارقات قصتها:

المرأة التي ستبني مباني ضخمة في مدن العالم، بدأت علاقتها بالعمارة من شيء يمكن أن يوضع فوق طاولة.

نموذج صغير لبيت في الموصل.

ولم يكن هذا النموذج مشروعًا لزَها، ولا كانت هي المهندسة التي صممته.

لكنه بقي في ذاكرتها.

وهذا كل ما تحتاجه أحيانًا بذرة الفكرة:

أن تترك شيئًا صغيرًا…

ثم تنتظر سنوات حتى يكبر.


📐 الرياضيات قبل العمارة

لم تبدأ زَها حياتها الأكاديمية في كلية العمارة.

درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم انتقلت عام 1972 إلى لندن لدراسة العمارة في جمعية العمارة المعمارية Architectural Association.

وهناك بدأت مرحلة ستغيّر حياتها بالكامل.

في لندن، دخلت زَها عالمًا معماريًا مختلفًا.

كانت جمعية العمارة في ذلك الوقت بيئةً شديدة التجريب، مليئة بالأفكار والنقاشات والاتجاهات الجديدة.

درست على يد معماريين مؤثرين، ومن بينهم ريم كولهاس وإيليا زنغيليس، وأصبح الرسم بالنسبة إليها أكثر من مجرد طريقة لعرض مشروع.

أصبح وسيلة للتفكير.

كانت ترسم العمارة كما لو أنها تحاول اكتشاف فضاء لم يوجد بعد.

وهنا بدأت ملامح اللغة التي ستصبح لاحقًا مرتبطة باسمها.

خطوط متقاطعة.

كتل مكسورة.

منظورات غير مألوفة.

فضاءات تبدو وكأنها تتحرك.

والأرض نفسها لا تعود مجرد سطح يقف عليه المبنى، بل تصبح جزءًا من تكوينه.


🎓 زَها حديد… من مقاعد الدراسة إلى قاعات التدريس

لكن علاقة زَها حديد بالعمارة لم تتوقف عند كونها طالبة ثم معمارية.

فبعد تخرجها، بدأت أيضًا مسيرتها في تدريس العمارة، وعادت إلى المكان الذي درست فيه، جمعية العمارة المعمارية في لندن Architectural Association، لتشارك في تعليم طلاب العمارة ومناقشة الأفكار والمشروعات معهم.

وهنا أصبح التعليم جزءًا من تجربتها المعمارية نفسها.

فزَها لم تكن ترى العمارة بوصفها مجموعة من القواعد التي يتعلمها الطالب ثم يكررها.

كانت تدفع باتجاه التجريب، وإعادة التفكير في الفضاء، واستخدام الرسم كوسيلة للبحث واكتشاف الاحتمالات.

ومع اتساع مسيرتها، امتد حضورها الأكاديمي إلى مؤسسات وجامعات أخرى، فشغلت كراسي أكاديمية وأستاذيات زائرة في عدد من المؤسسات المرموقة، من بينها جامعة هارفارد، وجامعة ييل، وجامعة كولومبيا، وجامعة إلينوي في شيكاغو، وجامعة الفنون التطبيقية في فيينا.

وهكذا أصبحت زَها تعمل في مسارين متوازيين:

تبني العمارة في العالم… وتناقش مستقبلها داخل قاعات التعليم.

وكان هذا الجانب مهمًا في إرثها؛ لأنها لم تترك وراءها مباني ورسومات ومشروعات فحسب، بل تركت أيضًا أفكارًا انتقلت إلى طلاب ومعماريين تعلّموا منها أو تأثروا بطريقة تفكيرها.

فالمعلّم لا يترك أثره في المبنى وحده.

أحيانًا يتركه في الإنسان الذي سيصمم مباني الغد.


🎨 عندما أصبح الرسم مختبرًا للعمارة

كان الرسم عند زَها حديد مختلفًا.

لم تكن ترسم فقط لكي تقول:

هكذا سيكون المبنى.

كانت ترسم لكي تسأل:

ماذا يمكن أن يكون المبنى أصلًا؟

تأثرت في بداياتها بالطليعة الفنية الروسية، ولا سيما أعمال كازيمير ماليفيتش، وتحولت اللوحة عندها إلى أداة لاستكشاف الحركة والفراغ والتكوين.

كانت تستخدم الرسم بطريقة تتجاوز التمثيل التقليدي للمبنى.

فاللوحة نفسها أصبحت فضاءً للتجربة.

وكان هذا مهمًا جدًا في مسيرتها؛ لأن العمارة التي كانت تريدها لم تكن سهلة الرسم بالأساليب التقليدية، فضلًا عن بنائها.

كانت تريد أن ترى الفضاء من زوايا متعددة.

أن تكسر ثبات المنظور.

أن تجعل الكتل تبدو وكأنها تتحرك.

وأن تجعل المبنى جزءًا من المشهد بدل أن يكون جسمًا منفصلًا عنه.

وفي مرحلة لاحقة، ستلتقي هذه الأفكار بالتقنيات الرقمية، فتمنحها أدوات جديدة لم تكن متاحة في بداياتها.

لكن قبل الحاسوب…

كان هناك الورق.

والقلم.

والرسم.


🌌 سنوات كان فيها «المستحيل» على الورق

بعد تخرجها عام 1977، عملت زَها لفترة مع مكتب Office for Metropolitan Architecture، ثم أسست مكتبها الخاص في لندن.

لكن الطريق لم يكن سهلًا.

كانت أفكارها متقدمة على ما كان كثيرون مستعدين لتقبله، وكانت مشاريعها تبدو أحيانًا صعبة التنفيذ إلى درجة جعلت اسمها يرتبط لسنوات بما عُرف في العمارة بـ «العمارة الورقية».

كانت ترسم كثيرًا…

وتفوز بمسابقات…

وتحصل على اهتمام عالمي…

لكن المباني كانت قليلة.

وهذه نقطة مهمة في قصتها.

لأن نجاح زَها لم يبدأ من عشرات المباني التي تقف اليوم في مدن العالم.

بل بدأ من سنوات طويلة لم يكن فيها ما ترسمه يتحول بالضرورة إلى شيء يمكن للناس أن يدخلوا إليه.

وكان بإمكان تلك السنوات أن تدفعها إلى التخلي عن أفكارها.

لكنها فعلت العكس.

واصلت الرسم.

واصلت التدريس.

واصلت المنافسة.

واصلت بناء عالمها على الورق، إلى أن أصبحت الظروف التقنية والاقتصادية والهندسية أكثر قدرة على اللحاق بخيالها.


🏔️ The Peak… مشروع لم يُبنَ لكنه غيّر مسارها

في عام 1983، فازت زَها حديد بالمركز الأول في مسابقة تصميم The Peak في هونغ كونغ.

كان المشروع ناديًا ترفيهيًا فوق جبل، لكن زَها لم تتعامل معه كمبنى تقليدي يوضع فوق الأرض.

بدلًا من ذلك، أصبح الجبل نفسه جزءًا من الفكرة.

خطوط حادة.

كتل تبدو وكأنها تنطلق من داخل الجبل.

ومبنى لا يبدو كجسم ساكن، بل كتركيب يتحرك في الفراغ.

المشروع لم يُنفذ.

لكن عدم بنائه لم يجعله بلا أثر.

على العكس.

أصبح واحدًا من أهم المشروعات التي صنعت سمعة زَها حديد في الأوساط المعمارية العالمية.

وأثبت أن الرسم يمكن أن يكون أكثر من تصور لمبنى مستقبلي.

يمكن أن يكون مختبرًا للأفكار المعمارية.

وكانت تلك الفكرة سترافقها طوال مسيرتها.


⏳ حين يصبح الانتظار جزءًا من المسيرة

لم يكن The Peak هو المشروع الوحيد الذي بقي على الورق.

كانت هناك مشروعات أخرى ومسابقات ووعود لم تصل إلى مرحلة التنفيذ.

ومن أكثر التجارب شهرةً مشروع دار أوبرا خليج كارديف في ويلز.

فازت زَها بالمسابقة، لكن المشروع أُلغي لاحقًا، وأصبحت التجربة واحدة من أشهر لحظات الصعوبة في مسيرتها.

كانت سنوات صعبة.

لكنها لم تسمح للمشروعات غير المنفذة بأن تتحول إلى نهاية.

كانت كل مسابقة بالنسبة إليها فرصةً لتجريب شيء جديد.

وكل لوحة فرصةً لاكتشاف طريقة أخرى للتعامل مع الفضاء.

ولهذا فإن سنوات «العمارة الورقية» لم تكن سنوات ضائعة.

كانت، في الحقيقة، المرحلة التي بُنيت فيها اللغة المعمارية التي ستظهر لاحقًا في المباني.


🧱 1993… عندما خرجت الرسومات من الورق

ثم جاء عام 1993.

في مدينة فايل أم راين الألمانية، اكتمل Vitra Fire Station.

وكان أول مبنى منفذ لزَها حديد.

هنا حدث التحول الحقيقي.

للمرة الأولى، لم يعد على الناس أن ينظروا إلى لوحة أو نموذج لكي يتخيلوا ما تريده.

كان المبنى موجودًا أمامهم.

الخرسانة أصبحت خطوطًا.

والخطوط أصبحت جدرانًا.

والجدران أصبحت فراغات.

والرسم أصبح مكانًا يمكن للإنسان أن يدخله ويتحرك داخله.

وكانت هذه اللحظة أكثر من مجرد إنجاز لمشروع.

كانت إثباتًا أن الأفكار التي بدت لسنوات بعيدة عن الواقع يمكن أن تجد طريقها إلى الأرض.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة تمامًا.

زَها التي كانت ترسم المباني بدأت تبنيها.


🌊 من المبنى إلى الحركة

مع مرور الوقت، بدأت لغة زَها تتطور.

لم تعد الأشكال الحادة والمجزأة التي ميزت جزءًا من أعمالها المبكرة هي الصورة الوحيدة.

دخلت الحركة والانسيابية بصورة أكبر.

وأصبح المبنى في كثير من مشروعاتها يبدو وكأنه جزء من مسار مستمر.

في مركز روزنتال للفن المعاصر في سينسيناتي، أصبح المبنى نفسه تجربةً للحركة داخل المدينة.

وفي MAXXI في روما، تتداخل المسارات والخطوط والفراغات بحيث يصبح التجول داخل المتحف جزءًا من قراءة المبنى.

وفي دار أوبرا غوانغتشو، تبدو العمارة وكأنها تتفاعل مع المشهد الطبيعي المحيط بها، مستحضرةً في تكوينها صور الصخور والمياه والوديان.

ثم جاء مركز حيدر علييف في باكو، أحد أكثر الأعمال شهرةً في مسيرتها، حيث تتداخل الأرض والسطح والمبنى في حركة واحدة شديدة السيولة.

أما مركز الألعاب المائية في لندن، الذي صممته لدورة الألعاب الأولمبية عام 2012، فقد أثبت أن لغتها المعمارية ليست محصورة في المباني التجريبية؛ بل تستطيع أن تخدم وظيفة جماهيرية واضحة، وأن تجعل الوظيفة نفسها جزءًا من تجربة المكان.

وهنا لم تعد القضية:

هل تستطيع زَها أن تبني ما ترسمه؟

لقد أصبح السؤال:

إلى أين يمكن أن تأخذ العمارة بعد أن أصبحت قادرة على بناء ما ترسمه؟


🏆 2004… لحظة الاعتراف العالمي

في عام 2004، جاءت اللحظة التي غيّرت موقع زَها حديد في تاريخ العمارة.

حصلت على جائزة بريتزكر للعمارة، وأصبحت أول امرأة تحصل على الجائزة.

لم تكن الجائزة بداية مسيرتها.

بل كانت اعترافًا بمسار طويل سبقها.

سنوات من الرسم.

سنوات من التدريس.

مسابقات.

مشروعات غير منفذة.

انتقادات.

انتظار.

ثم مبانٍ بدأت تثبت أن تلك اللغة التي بدت ذات يوم صعبة أو مستحيلة يمكن أن تتحول إلى واقع.

ومن المفارقات الجميلة أن الجائزة جاءت في الوقت الذي بدأت فيه أعمالها المبنية تتحدث بقوة أكبر من الرسومات نفسها.

وكأن العالم الذي شكك طويلًا في إمكانية بناء أفكارها بدأ أخيرًا يرى تلك الأفكار واقفة أمامه.


💻 حين التقى الخيال بالتكنولوجيا

لم تكن التكنولوجيا هي التي صنعت زَها حديد.

لكنها ساعدت على توسيع المساحة التي تستطيع أن تعمل فيها.

فالأشكال المعقدة التي كانت في الماضي تحتاج إلى جهد هائل لتمثيلها وفهمها وتطويرها، أصبحت أدوات التصميم الرقمي قادرة على التعامل معها بطريقة أكثر دقة.

وهنا حدث لقاء مهم:

الرسم اليدوي الذي بدأت منه زَها… والتكنولوجيا التي أتاحت له أن يتحول إلى أنظمة قابلة للتطوير والبناء.

داخل مكتب Zaha Hadid Architects، أصبحت النمذجة الرقمية والهندسة والتقنيات الحديثة جزءًا من عملية التصميم.

لكن زَها لم تكن مجرد معمارية تستخدم برنامجًا حاسوبيًا لصناعة أشكال غريبة.

الفكرة أعمق من ذلك.

كانت تبحث عن طرق جديدة لتنظيم الفضاء، وعن علاقة أكثر مرونة بين الأرض والمبنى، وعن إمكانية أن يصبح المبنى جزءًا من حركة المكان بدل أن يكون كتلة منفصلة عنه.

ولهذا لا يمكن اختزال تجربتها كلها في كلمة واحدة مثل «التفكيكية» أو «البارامترية».

فهي تجربة تطورت عبر عقود.

وتغيرت…

كما تغيرت هي نفسها.


🌍 لم تعد العمارة حدودها مبنى واحدًا

مع اتساع مكتبها، لم تعد زَها تعمل في المباني فقط.

امتدت أفكارها إلى التصميم الداخلي، والأثاث، والمعارض، والمناظر المسرحية، والمنتجات، وغيرها من المجالات.

كان هناك شيء واحد يجمع هذه الأعمال:

محاولة كسر الحدود التقليدية بين الأشياء.

بين الجدار والسطح.

بين الأرض والمبنى.

بين الداخل والخارج.

بين العمارة والتصميم.

وبين الرسم والواقع.

وهنا أصبحت زَها حديد أكثر من اسم لمعماريّة تصمم مباني مميزة.

أصبحت مكتبًا ومدرسةً فكريةً ومختبرًا للتجريب المعماري.


🥇 2016… تكريم آخر في تاريخ العمارة

لم تتوقف الجوائز.

حصلت زَها على العديد من الجوائز والتكريمات خلال مسيرتها، من بينها جائزتا ستيرلينغ.

وفي عام 2016 حصلت على الميدالية الذهبية الملكية للعمارة من المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين RIBA، وكانت أول امرأة تحصل عليها منفردة.

وكان ذلك التكريم يأتي في العام نفسه الذي انتهت فيه حياتها.

لكن مسيرتها لم تكن قد انتهت بالمعنى الذي يهم العمارة.

لأن المباني بقيت.

والرسومات بقيت.

والمكتب الذي أسسته بقي.

والأفكار التي عملت عليها أصبحت جزءًا من النقاش المعماري العالمي.


🇮🇶 ثم عادت الحكاية إلى بغداد

وهنا تصل الحكاية إلى واحدة من أكثر محطاتها رمزية.

بغداد.

المدينة التي وُلدت فيها زَها.

بعد أن أخذتها العمارة إلى لندن، ثم إلى هونغ كونغ، وألمانيا، وإيطاليا، والصين، وأذربيجان، ومدن أخرى في أنحاء العالم…

عاد اسمها إلى العراق.

من خلال تصميم المقر الجديد للبنك المركزي العراقي في بغداد، على ضفة دجلة.

المشروع ليس مجرد مبنى يحمل اسم معماريّة عراقية عالمية.

فموقعه نفسه يحمل معنى خاصًا.

دجلة.

النهر الذي ارتبط بتاريخ بغداد.

والمدينة التي بدأت فيها حياة زَها.

والعراق الذي غادرته وهي شابة، ثم ظل حاضرًا في ذاكرتها وعلاقتها بالمكان والمناظر الطبيعية.

وفي المشروع، تعاملت زَها حديد مع المبنى والأرض والنهر باعتبارها عناصر مترابطة، وليس مجرد مبنى منفصل عن محيطه.

وكأن العودة إلى بغداد لم تكن عودة اسم فقط.

بل عودة الفكرة إلى المكان الذي بدأت منه.


🏙️ بغداد هنا… والموصل هناك

لكن إذا كانت بغداد مدينة الميلاد، فإن الموصل بقيت حاضرة بطريقة مختلفة.

زَها لم تولد في الموصل.

وهذه حقيقة لا نحتاج إلى تغييرها.

لقد ولدت في بغداد.

لكنها تنحدر من أسرة ذات جذور موصلية، والأهم من ذلك أن الموصل دخلت إلى ذاكرتها في واحدة من أقدم القصص التي تحدثت عنها عن علاقتها بالعمارة:

بيت خالتها.

ذلك البيت الذي كان يبنى في الموصل.

والمهندس الذي كان يأتي إلى منزل العائلة ومعه الرسومات والنماذج.

والنموذج الذي رأته طفلة في غرفة المعيشة.

وهنا يصبح ارتباطها بالموصل أكثر جمالًا لأنه ليس مجرد نسب عائلي.

إنه ذكرى.

والذاكرة، في بعض الأحيان، أقوى من العنوان.


🎓 وحين عاد اسمها إلى الموصل

بعد رحيل زَها، لم يختفِ اسمها من المدينة التي احتفظت بذلك الخيط الأول.

بل عاد حضورها إلى الموصل من خلال التعليم والهندسة والجامعة.

وأصبح اسمها حاضرًا في جامعة الموصل تقديرًا لإرثها المعماري، في امتداد آخر للعلاقة بين زَها والمدينة التي ارتبطت بطفولتها وبجذورها.

وهنا يصبح المشهد كاملًا تقريبًا:

طفلة في بغداد…

تنظر إلى نموذج بيت في الموصل.

ثم شابة تدرس الرياضيات في بيروت.

ثم طالبة عمارة في لندن.

ثم معمارية ترسم مباني لا تُبنى.

ثم مبانٍ تخرج من الورق.

ثم اسم عالمي.

ثم عودة إلى بغداد.

ثم بقاء الاسم في الموصل.

إنها ليست حكاية مدينة واحدة.

إنها حكاية العراق وهو يسافر مع أحد أبنائه إلى العالم، ثم يعود إليه.


🕊️ 2016… نهاية الإنسان وبداية الإرث

في 31 مارس 2016، توفيت زَها حديد في ميامي عن عمر ناهز 65 عامًا.

رحل الإنسان.

لكن العمارة لم ترحل.

بقيت المباني.

وبقيت اللوحات.

وبقيت النماذج.

وبقي المكتب الذي أسسته.

وبقيت أجيال من المعماريين الذين تأثروا بأفكارها.

لكن ربما يكون الإرث الأهم لزَها حديد شيئًا آخر.

أنها جعلت المعماريين يعيدون التفكير في حدود الممكن.

لم تكن تقول إن كل شيء يمكن بناؤه.

بل أثبتت، عبر مسيرتها، أن ما يبدو مستحيلًا في لحظة معينة قد يصبح ممكنًا عندما تتغير الأفكار والتقنيات والوسائل.

وكان الرسم بالنسبة إليها جزءًا من هذه الرحلة.

الرسم لم يكن صورة للمبنى.

كان مكانًا يولد فيه المبنى أولًا.


✨ زَها حديد… حين يصبح الخيال مكانًا يمكن الدخول إليه

حين ننظر اليوم إلى أحد مباني زَها حديد، قد يصعب علينا أن نتخيل البداية.

لا نرى الطفلة.

لا نرى غرفة المعيشة في بغداد.

لا نرى نموذج البيت الصغير.

لا نرى الرسومات الأولى.

لا نرى سنوات الانتظار.

لا نرى المشروعات التي لم تُنفذ.

ولا نرى كل تلك المرات التي كان عليها أن تقنع العالم بأن ما ترسمه ليس مجرد خيال.

نرى فقط النتيجة.

مبنى يقف أمامنا.

لكن الحكاية الحقيقية ليست في النتيجة وحدها.

الحكاية في الطريق.

في طفلة رأت نموذج بيت.

وفي شابة درست الرياضيات.

وفي طالبة وصلت إلى لندن تحمل معها أسئلة أكثر مما تحمل أجوبة.

وفي معمارية رسمت مباني كثيرة قبل أن تجد طريقها إلى الأرض.

وفي سنوات لم تتوقف فيها عن العمل رغم أن العالم لم يكن مستعدًا دائمًا لما تريده.

وفي أول مبنى خرج من الورق.

ثم في مبانٍ أصبحت علامات في مدن العالم.

ثم في جائزة بريتزكر.

ثم في الميدالية الذهبية الملكية.

ثم في مشروع عاد بها، ولو معماريًا، إلى بغداد.

وبين كل هذه المدن والمراحل، بقي خيط رفيع يعود بنا إلى البداية:

الموصل.

ولعل في اختيارنا لزَها حديد شيئًا من الانحياز الجميل؛

فالعمارة هي الاختصاص الذي تنتمي إليه إدارة هذا الحوش.

لكننا لا نروي حكاية زَها لأنها معمارية فحسب.

نرويها لأن وراء كل اسم عالمي قصة إنسانية بدأت قبل أن يعرف العالم ذلك الاسم.

وراء كل مبنى ضخم، ربما كانت هناك ذات يوم فكرة صغيرة.

وراء كل فكرة كبيرة، ربما كانت هناك لحظة عابرة لم ينتبه إليها أحد.

أما حكاية زَها…

فربما بدأت من مكان صغير جدًا:

نموذج بيت في الموصل. 🏠


🇬🇧 English Summary

Zaha Hadid… From a House Model in Mosul to an Architecture That Changed the World

Zaha Hadid was born in Baghdad in 1950 to a family with Mosuli roots. One of her earliest memories connected to architecture came when she was about six years old. Her aunt was building a house in Mosul, and the architect, a close friend of her father, used to visit the family home with drawings and models. Hadid later recalled that seeing the house model in their living room triggered something in her.

She studied mathematics at the American University of Beirut before moving to London in 1972 to study architecture at the Architectural Association. After graduating in 1977, she developed a highly experimental architectural language through drawing, painting and design research.

She also became an educator, teaching architecture at the Architectural Association and later holding academic positions and visiting professorships at several major institutions.

For many years, she became known more for visionary drawings and unbuilt projects than for completed buildings. Her competition-winning design for The Peak in Hong Kong in 1983 became an important turning point, even though the project was never built.

In 1993, the Vitra Fire Station in Germany became her first realised building and marked a decisive transition from paper architecture to built architecture.

Her later projects—including the Rosenthal Center in Cincinnati, MAXXI in Rome, Guangzhou Opera House, the Heydar Aliyev Centre in Baku and the London Aquatics Centre—demonstrated an evolving approach to movement, space, geometry and the relationship between architecture and landscape.

In 2004, Hadid became the first woman to receive the Pritzker Architecture Prize. In 2016, she became the first woman to receive the RIBA Royal Gold Medal individually.

Her connection with Iraq continued through the design of the new Central Bank of Iraq headquarters in Baghdad, on the Tigris.

Zaha Hadid died in 2016, but her buildings, drawings, studio and ideas remain influential. Her legacy is not only a collection of extraordinary buildings, but a lasting expansion of what architecture could imagine and ultimately build.


🇨🇳 中文摘要

扎哈·哈迪德……从摩苏尔的一座住宅模型,到改变世界的建筑

扎哈·哈迪德于1950年出生于巴格达,家族拥有摩苏尔的根源。她大约六岁时,姨母正在摩苏尔建造一座住宅,而设计这座住宅的建筑师是她父亲的亲密朋友,经常带着图纸和模型来到家中。扎哈后来回忆说,客厅里的那座住宅模型在她心中产生了重要的触动。

她先在贝鲁特美国大学学习数学,1972年前往伦敦建筑联盟学院学习建筑。1977年毕业后,她通过建筑绘画、设计和实验性研究逐渐形成了独特的建筑语言。

扎哈不仅是一位建筑师,也是一位教育者。她曾在伦敦建筑联盟学院教授建筑,并在之后于多所重要大学和建筑教育机构担任学术职务或客座教授。

在职业生涯早期,她长期以大胆的建筑绘画和未建成项目而闻名。1983年,她赢得香港The Peak项目的国际设计竞赛。虽然项目最终没有建成,但它成为她建筑生涯中的重要转折点。

1993年,德国维特拉消防站建成,成为她第一座实现的建筑,也标志着她从“纸上建筑”走向真实建筑的重要阶段。

之后,她设计了辛辛那提罗森塔尔当代艺术中心、罗马MAXXI博物馆、广州歌剧院、巴库盖达尔·阿利耶夫中心以及伦敦水上运动中心等重要项目,并逐渐发展出强调运动、空间、几何以及建筑与景观关系的建筑语言。

2004年,她成为第一位获得普利兹克建筑奖的女性。2016年,她成为第一位单独获得英国皇家建筑师学会皇家金质奖章的女性。

她与伊拉克的联系也延续到了巴格达的伊拉克中央银行新总部项目,该项目位于底格里斯河畔。

2016年,扎哈·哈迪德去世。但她留下的不只是建筑和图纸,更是一种不断拓展建筑想象边界的方式。


#حوش_الموصل #زها_حديد #الموصل #العمارة #شخصيات_من_بلادي

أخر المقالات

منكم وإليكم