الصين تفتح أسوارها الرقمية أمام العالم…

يتزامن هذا التوجه نحو الخارج مع مؤشرات إلى انفتاح محدود في الاتجاه المعاكس، عبر تسهيل استخدام بعض الخدمات الدولية داخل الصين…

تشهد البيئة الرقمية في الصين تحولات متسارعة، تجمع بين سعي شركات التكنولوجيا المحلية إلى التوسع في الأسواق العالمية، وانفتاح تدريجي أمام بعض الخدمات الأجنبية، في مسار قد يعيد رسم حدود واحدة من أكثر المنظومات الرقمية انعزالًا عن العالم.

وطورت الصين على مدى سنوات منظومة واسعة من التطبيقات والخدمات المصممة وفق القوانين والمتطلبات المحلية، وشملت منصات للتواصل الاجتماعي والفيديو والتجارة الإلكترونية والدفع الرقمي والذكاء الاصطناعي. غير أن نجاح عدد من هذه الخدمات خارج البلاد دفع شركات صينية إلى البحث بصورة متزايدة عن مستخدمين في الأسواق الدولية.

ويبرز تطبيق “تيك توك” بوصفه أحد أبرز الأمثلة على قدرة منصة ذات جذور صينية على تحقيق انتشار عالمي واسع وتغيير أنماط استهلاك المحتوى عبر مقاطع الفيديو القصيرة. ويبدو أن شركات صينية أخرى تحاول الاستفادة من هذه التجربة، ومن بينها منصة “بيليبيلي” للفيديو، التي تنافس “يوتيوب” داخل السوق الصينية وتسعى إلى توسيع حضورها خارج البلاد، بحسب تقرير لموقع “إنغادجيت”.

ويتزامن هذا التوجه نحو الخارج مع مؤشرات إلى انفتاح محدود في الاتجاه المعاكس، عبر تسهيل استخدام بعض الخدمات الدولية داخل الصين.

وفي هذا السياق، بات بإمكان مستخدمي “باي بال” الدوليين الدفع لدى التجار في الصين من دون الحاجة إلى فتح حساب مصرفي صيني أو الاعتماد على تطبيق دفع محلي بالطريقة التي كانت مطلوبة سابقًا.

ويكتسب التطور أهمية خاصة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على المدفوعات الرقمية، بعدما تراجع استخدام النقد بصورة ملحوظة، وفقًا لموقع “ديجيتال تريندز”. وكان الزوار الأجانب يواجهون صعوبات في إجراء المدفوعات اليومية بسبب هيمنة المنصات المحلية على السوق والحاجة إلى تهيئة وسائل دفع متوافقة معها.

وتتيح الخدمة الجديدة لمستخدمي “باي بال” إجراء عمليات شراء عبر مسح رموز الاستجابة السريعة المرتبطة بشبكة “وي شين باي”، المستخدمة ضمن منظومة “وي شات”، بواسطة حساباتهم الدولية، بما فيها الحسابات الأميركية.

ويظل التعاون في مرحلته الحالية موجهًا إلى عمليات الدفع داخل الصين، فيما قد يفتح نجاحه الباب مستقبلًا أمام مزيد من الربط بين شبكات المدفوعات الصينية والمنصات الدولية.

وفي المقابل، يتسع طموح الشركات الصينية خارج السوق المحلية ليشمل قطاعات متعددة. فإلى جانب منصات التواصل والفيديو، حققت شركات ومنصات صينية حضورًا عالميًا في التجارة الإلكترونية عبر “علي بابا” و”علي إكسبريس” و”تيمو”، فضلًا عن الألعاب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

وبرزت قوة هذا التوسع بوضوح مع إطلاق نموذج “ديب سيك” في كانون الثاني/يناير 2025، إذ أثار ظهوره مخاوف بشأن قدرة الشركات الصينية على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تنافس المنتجات الأميركية بتكاليف أقل، وانعكست تلك المخاوف حينها على أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية.

كما دخل نموذج “كيمي كيه 3” المنافسة، وسط تقديرات بأنه يقدم بديلًا أقل تكلفة من بعض النماذج الأميركية، ما يعكس انتقال المنافسة التكنولوجية الصينية من السوق المحلية إلى سباق عالمي يشمل الذكاء الاصطناعي والتجارة والترفيه والخدمات الرقمية.

لكن الانتشار العالمي لا يعتمد على التفوق التقني أو انخفاض التكلفة وحدهما. إذ تواجه الشركات الصينية تحديات تتعلق بالأنظمة القانونية، وحماية البيانات، والأمن القومي، فضلًا عن القيود والعقوبات الأميركية التي أثرت في شركات صينية، من بينها “هواوي”، وطاولت قطاع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

وكان “تيك توك” من أبرز الأمثلة على هذه المعضلة، بعدما واجه لسنوات ضغوطًا سياسية وقانونية في الولايات المتحدة ومخاطر الحظر بسبب المخاوف المرتبطة بملكيته الصينية والبيانات والأمن القومي، قبل إعادة هيكلة عملياته الأميركية.

وتشير هذه التطورات إلى حركة في اتجاهين: شركات صينية تسعى إلى نقل تطبيقاتها وخدماتها إلى المستخدمين حول العالم، وخدمات دولية تحصل في المقابل على فرص أوسع للعمل داخل السوق الصينية. ولا يعني ذلك حتى الآن أن الصين تتجه إلى نموذج رقمي مفتوح مماثل للدول الغربية، لكنه يعكس تحولًا تدريجيًا في العلاقة بين منظومتها الرقمية والأسواق العالمية.

وسيظل مدى اتساع هذا التحول مرتبطًا بقدرة الشركات الصينية والأجنبية على التوفيق بين طموحاتها التجارية والقيود التنظيمية والسياسية، في وقت تتحول فيه التطبيقات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى ساحات رئيسية في المنافسة التكنولوجية العالمية.

******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم