الشيخ الأكبر: محيي الدين بن عربي.. رحلة العشق الإلهي
في مدينة مرسية الأندلسية، وفي رحاب شهر رمضان من عام 558 هجرية، وُلد من سوف يغير وجه الفكر الإسلامي. كان مولده في بيت علم وفضيلة، فأبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث، وجده أحد قضاة الأندلس، وكأن القدر كان يهيئه لمقام لم يبلغه أحد قبله، مقام “الشيخ الأكبر”.
لكن البداية لم تكن سهلة، ففي ريعان شبابه، ضربه المرض ضربة قاسية، وفي ذروة الحمى، رأى رؤيا غيّرت مجرى حياته: حيث رأي فيما يرى النائم أرواح شريرة تحيطه و تريد الفتك به، ثم طلع عليه فجأة شخصٌ جميل مشرق الوجه، فرّقها وهزمها. سأله ابن عربي: “من أنت؟” كان الجواب: “أنا سورة يس”. استفاق من نومه ليجد والده يتلو السورة نفسها عند رأسه. ومن تلك اللحظة، أيقن أنه معدّ لحياة روحية مختلفة.
بين الأندلس والمشرق
رحل ابن عربي بين مدن الأندلس والمغرب، باحتا عن اجوبة لاسئلتة بين شيوخ الصوفية وعلماء الفقه. وفي إحدى زياراته إلى قرطبة، التقى بابن رشد الفيلسوف ، ومن ثم صار هذا اللقاء رمزًا للقاء العقل بالذوق. سأله ابن رشد: “هل القمة التي وصل إليها المتصوفة بالتصفية والتجرد، هي القمة التي وصل إليها الفلاسفة بالعقل والفكر؟”، فأجاب الشيخ الأكبر بجملته الشهيرة: “نعم ولا”. وبين نعم ولا تطير الأرواح. قال عنه ابن رشد بعد ذلك: “كان بيننا حجاب رقيق، فكنت أراه ولا يراني”.
لتستمر رحلة ابن عربي في استطلاع عوالم التصوف العميقة وتجلياته والتصوف عند ابن عربي ابعد من مجرد زهد وتقشف، بل كان طريقًا إلى المعرفة الذوقية، إلى إدراك الحقائق بإشراقة القلب لا بمنطق العقل وحده.
مكة: رحلة العشق الخالد
في عام 598 هجرية، شدّ ابن عربي رحاله إلى مكة المكرمة، وهناك في أرض الوحي، التقى بفتاة فارسية تدعى “نظام”، ابنة الشيخ أبي شجاع الأصفهاني. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كانت شرارة ألهمته ديوانه الخالد “ترجمان الأشواق”، حيث جعل من محبوبته رمزًا للحكمة الخالدة، فجاءت قصائده تعبيرًا عن العشق الإلهي المتجلي في الجمال البشري. يقول فيها:
“لقد صار قلبي قابلاً كل صورة *** فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف *** وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت *** ركائبه فالحب ديني وإيماني”
هذه الأبيات من الشعر، ليست ادبا مجردا، بل هي إعلان عن رؤية كونية تتسع لكل المعتقدات، فالحب عنده هو جوهر الدين، والكون كله مرآة تتجلى فيها أسماء الله وصفاته.
فتوحات مكية وفصوص حكمة
ترك ابن عربي إرثًا ضخمًا من المؤلفات تجاوزت الثمانمائة كتاب، أشهرها “الفتوحات المكية” التي جمع فيها علوم التصوف بأسلوب موسوعي، و”فصوص الحكم” التي لخص فيها نظريته عن وحدة الوجود.
وحدة الوجود، التي نسبها إليه أتباعه وخصومه على حد سواء، ليست دعوة إلى الحلول أو الاتحاد بالمعنى الحرفي، بل هي رؤية عميقة مفادها أن الوجود كله ظل للوجود الإلهي، وأن المخلوقات ليست سوى تجليات لأسمائه وصفاته. يرى ابن عربي أن العالم هو “صورة الله”، وأن الله هو “عين الوجود”، ومن هنا قال: “ما ثم إلا الله”.
الإنسان في هذه الرؤية ليس مخلوقًا عاديًا، بل هو “الإنسان الكامل” الذي يجمع بين الحق والخلق، وهو مرآة تتجلى فيها الذات الإلهية بجميع صفاتها. وهذا الإنسان الكامل ليس مقصورًا على الأنبياء وحدهم، بل يمتد إلى الأولياء الذين بلغوا مقام المعرفة.
رحلات لا تنتهي
طاف ابن عربي طول الأرض وعرضها، فزار القدس وكتب فيها “الإسراء إلى مقام الأسرى”، ومرّ بحلب وبغداد، وأقام في قونية حيث تأثر به صدر الدين القونوي، ثم استقر به المقام في دمشق، حيث عاش سبعة عشر عامًا حتى وافته المنية في عام 638 هجرية، ودفن في سفح جبل قاسيون، حيث لا يزال ضريحه مزارًا لعشاق المعرفة الصوفية.
ظل ابن عربي مثار جدل بين مؤيد ومعارض، فمنهم من كفره ومنهم من قدّسه، لكن شيئًا واحدًا لا يقبل الجدل: أن هذا الرجل الأندلسي استطاع أن يقدم فلسفة متكاملة عن الوجود والإنسان، تجاوزت حدود زمانها ومكانها، لتظل حاضرة في وجدان الفكر الإسلامي والعالمي حتى اليوم. كما قال فيه أحد المحققين: “أجمع أهل التصوف أن محيي الدين ابن عربي هو الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر”.
موقف الفقهاء من ابن عربي: بين التكفير والتقديس.
كان الشيخ الأكبر، بحجم تأثيره، مدارًا لجدل فقهي حاد لم يهدأ في حياته ولا بعد وفاته. وبينما رآه أتباعه “سلطان العارفين”، اعتبره آخرون صاحب بدع وكفر، وقد انقسم موقف العلماء منه إلى ثلاثة تيارات رئيسية:
التيار الأول: التكفير والتحذير
يقف في مقدمته شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان في بداية أمره يحسن الظن بابن عربي، لكنه بعد اطلاعه على كتاب “فصوص الحكم” وغيرها، صرّح بأن أقواله من أعظم الكفر، وخاصة حكمه بإيمان فرعون، وهو قول يراه مخالفًا لضروريات الدين . وتبعه في ذلك عدد من كبار العلماء كالحافظ الذهبي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، والعلامة ابن حجر الهيتمي، وغيرهم ممن أفتوا بكفر كتاب “الفصوص” لما فيه من عبارات صريحة في نظرهم بوحدة الوجود .
وحدة الوجود التي ينسبها هؤلاء إلى ابن عربي ليست القول بالحلول والاتحاد (حلول الله في المخلوق)، بل هي أشد عندهم، لأنها تعني أن الخالق والمخلوق عين واحدة، وأن الوجود كله شيء واحد، وهو ما يلزم منه أن كل موجود في الكون هو عين الخالق – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .
التيار الثاني: الدفاع والتبرئة
في المقابل، قام جماعة من كبار العلماء بالدفاع عن ابن عربي، مؤكدين أن اتهامه بالكفر جاء من سوء فهم كلامه، وعدم معرفة اصطلاح الصوفية في التعبير عن المعاني الذوقية. من أبرز هؤلاء:
· الحافظ جلال الدين السيوطي، الذي ألف رسالة خاصة بعنوان “تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي”، جمع فيها أقوال العلماء المادحين له .
· الشيخ عبد الوهاب الشعراني، الذي أفرد بابًا في كتابه “اليواقيت والجواهر” ينفي عن الشيخ الأكبر دعوى الحلول والاتحاد، ويستشهد بنصوص من “الفتوحات” نفسه يبرأ فيها من هذه النسب .
· شيخ الإسلام العز بن عبد السلام، الذي كان في البداية من المنكرين عليه، فلما عرف مقامه عن قرب، رجع عن إنكاره وشهد له بأنه “قطب زمانه” .
ويؤكد هذا التيار أن ابن عربي صرّح في مقدمة “الفتوحات المكية” بأن عقيدته هي عقيدة أهل السنة والجماعة . كما يستدلون على براءته من الحلول والاتحاد بقوله صريحًا: “من قال بالحلول فدينه معلول، ومن قال بالاتحاد فذلك أهل الإلحاد” .
ويطرحون احتمالًا مهمًا، وهو أن بعض العبارات المثيرة للجدل قد تكون مدسوسة على كتبه من قبل أعدائه، كما حدث مع بعض نسخ “الفتوحات” التي شهد الشعراني بأنها خلت مما كان يُنسب إليه .
التيار الثالث: التوقف والتأويل
وهو موقف وسط يتبناه كثير من المحققين، الذين يرون أن تكفير شخص بهذا المقام أمر خطير، خاصة أن كلامه يحتمل التأويل، وقد يكون المقصود به معاني روحية عميقة لا يفهمها إلا المتخصصون في طريقتهم . وهذا ما دعا إليه الإمام النووي عندما قال: “يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله، ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم” .
حديث الأزهر المعاصر
استمر هذا الجدل حتى العصر الحديث، حيث يمثل شيخ الأزهر الحالي، الدكتور أحمد الطيب، الموقف المدافع عن ابن عربي، معتبرًا إياه فيلسوفًا جمع بين الشرق والغرب، وكرّس جهوده لترجمة الدراسات الأكاديمية المحايدة عنه، ودعا إلى عدم التسرع في إصدار أحكام التكفير بحق رجل بهذه المكانة . في المقابل، لا تزال أصوات أخرى، داخل الأزهر وخارجه، تطالب بإدانة أفكاره .
هذا هو الإطار العام لموقف الفقهاء من الشيخ الأكبر، ابن عربي. إنه تاريخ من التناقض الحاد، يليق برجل ظل طوال حياته، وبعد مماته، واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الفكر الإسلامي
سمر محفوض
خاص مجلة ايليت فوتو ارت


