بقلم د.علي خليفة
(1)لا شك أن الحضارة الفرعونية هي أول الحضارات التي عرفتها البشرية، وهي من أكثر الحضارات تأثيرًا على البشرية، فقد استمدت منها الحضارة اليونانية بذور حضارتها، ونمت بعد ذلك، وأثرت في البشرية كلها.ولا زلنا في عصرنا الحديث نفاجأ كل يوم بجديد توصل إليه الفراعنة قديمًا في مجالات العلوم المختلفة خاصة الفلك والطب والتحنيط، بل إننا ما زلنا في عصرنا الحديث عاجزين عن كشف بعض أسرار تلك الحضارة الفرعونية العظيمة، كسر بناء الهرم الأكبر، وسر التحنيط.
(2)ولم يكن غريبًا لهذا أن نرى بعض كتاب المسرح المصري يصورون جوانب من تاريخ الفراعنة وحضارتهم، كما نرى ذلك في مسرحية “إيزيس” لتوفيق الحكيم، ومسرحية “أوزوريس” لعلي أحمد باكثير، ومسرحية “الناس في طيبة” لعبد العزيز حمودة، ومسرحية “مراكب الشمس” لإبراهيم الحسيني.ولم يكن غريبًا أيضًا أن نرى في بعض المسرحيات التي تصور جوانب من الواقع في العصر الحديث شخصيات منبهرة بالحضارة الفرعونية، بل إننا نرى منها من انسحب من واقعه، وعاش بخياله في هذه الحضارة العريقة.ومن الملاحظ أن أكثر الشخصيات التي بدت منبهرة بالحضارة الفرعونية في مسرحيات تصور جوانب من الواقع في العصر الحديث أنها كانت تشعر بأزمات في واقعها، وكانت ترى في الاهتمام الكبير بالحضارة الفرعونية راحة من تلك الأزمات التي تعانيها، بل إننا نرى من هذه الشخصيات من انسحب بعقله من الواقع، وصار يعيش بخياله مع الفراعنة خلال تاريخهم المجيد وحضارتهم العظيمة.
(3)وبعض الشخصيات في المسرحيات التي صورت جوانب من الواقع المصري في العصر الحديث كانت تعبر عن عشقها الكبير لحضارة الفراعنة، وترى في ذلك الحب والاهتمام أكبر عون لها في مواجهة بعض المخاطر التي يتعرض لها الوطن في العصر الحديث، ولكن هذا الاهتمام من تلك الشخصيات بحضارة الفراعنة لم يجعلها تنصرف عن واقعها، بل جعلها تجد في التواصل مع ذلك الماضي العريق ما يجعلها أكثر قوة لمقاومة تلك المخاطر، كياسمين في مسرحية “الجنزير” لمحمد سلماوي، فهي قد راعها ما استجد على المجتمع المصري في بداية التسعينيات من القرن الماضي من وقوع بعض الشباب فريسة للجماعات الإرهابية التي تكفر المجتمع كله وتستحل دمه فيما عدا من يوافقها على فكرها الهدام الغريب عن وسطية الإسلام، وعن طبيعة الشعب المصري الذي يكره التطرّف، ويميل للوسطية في كل الأمور، ويعيش كل أبنائه تحت أرضه في تواصل دون النظر لدين أو لون أو ما شابه ذلك، وكذلك راع ياسمين ميل بعض الشباب – ومنهم أخوها أحمد – لإدمان الهروين والكوكايين، وكانت ياسمين مع أمها وجدها يواجهون هذه المخاطر التي صارت في داخل أسرتهم، وفي الوقت نفسه كانت ترى في حضارة الفراعنة العريقة التي تدرسها في كلية الآثار معينًا لها لاحتمال مواجهة ذلك الواقع الصعب ومحاولة تغييره، وقد نجحت مع أمها وجدها في ذلك مع نهاية هذه المسرحية.
(4)وبعض الشخصيات المنبهرة بالحضارة الفرعونية في بعض المسرحيات التي تصور جوانب من الواقع المصري في العصر الحديث نراها غير قادرة تمامًا على التكيف مع ذلك الواقع، فتهرب بإرادتها، وأحيانًا بغير إرادتها؛ لتعيش بخيالها مع الفراعنة وأمجادهم العظيمة، كما نرى ذلك في شخصية الصحفي نوار في مسرحية “لعنة الفراعنة” لعبد الفتاح البلتاجي، فهو لم تعجبه بعض الأمور في المجتمع في فترة التسعينيات من القرن الماضي – على وجه الخصوص – خاصة البيروقراطية، وميل بعض الناس للكسب بغير الطرق المشروعة، لا سيما من خلال التحايل والفهلوة؛ مثل: شخصية جابر في هذه المسرحية؛ ولهذا رأيناه يعيش بخياله في حضارة الفراعنة، وصار كأنه مجذوب لهم، وغير واعٍ لما يجري من أحداث حوله، ونكتشف مع نهاية هذه المسرحية أن “نوار” ليس مجنونًا، ولكن جابر هو الذي شنع عليه بذلك، كما نكتشف أن هذا الهروب منه من الواقع للخيال والعيش من خلاله مع حضارة الفراعنة كان يتم بشكل إرادي منه، وكشف عن هذه الحقيقة لرؤوف العالم المصري الذي كان يشارك نوار في الانبهار بالفراعنة وحضارتهم العظيمة، لكنه لم يكن ينسحب من واقعه ليعيش بخياله مع حضارتهم – كما فعل نوار ذلك في هذه المسرحية – ولكنه كان يرغب في أن يجعل علمه يتم الاستفادة منه؛ ليصنع مع غيره من العلماء في مصر حضارة عظيمة كحضارة الفراعنة العريقة.أما ولي الدين الدرملي في مسرحية “الناس اللي بره” لنعمان عاشور فيبدو أنه قد انسحب بخياله بغير إرادته لعالم الفراعنة، ويبدو أنه قد فقد ثقته في الناس اللي بره ممن كانوا يرغبون في جر مصر مرة أخرى لعالم الإقطاعيين الذي كان قبل ثورة 23 يوليو، وفي الوقت نفسه يبدو أنه لم يكن مقتنعًا بشعارات الناس اللي جوه؛ مثل محمد النمس؛ لأنه يراها شعارات لا يوجد على أرض الواقع ما يؤيدها؛ ولهذا انسحب بخياله لعالم الفراعنة، فصار مُغيبًا عن واقعه، ويعيش معهم، ويكثر الحديث عنهم، بل إنه يبدو كثيرًا واحدًا منهم وغريبًا عن الأشخاص الذين يعيش بينهم؛ مما جعله نمطًا كوميديًّا في هذه المسرحية، فهو شخص غير متجانس مع من حوله، ويتصرف بشكل آلي في انبهاره بالفراعنة، حتى إنه كان يواجه من يحدثه عن أي أمر من الأمور باستشهاده بمواقف من حياة الفراعنة، وعبارات لهم.
(5)وبعض الشخصيات التي نراها في مسرحيات تصور جوانب من الواقع المصري في العصر الحديث نراها منبهرة بالفراعنة وتاريخهم العظيم، وتسعى من خلال ذلك العشق لحل بعض المشاكل التي يعاني منها المصريون في العصر الحديث، كنقص القمح، كما نرى ذلك في مسرحية “بير القمح” لعلي سالم، فبطل هذه المسرحية عم حسين عاشق للتاريخ الفرعوني، واستطاع بمجهوده الشخصي أن يتعلم لغة الفراعنة، وأن يقرأ كثيرًا من الكتب عن حضارتهم، ويكتشف بردية يعلم منها أن الفراعنة كانوا يحفرون آبارًا عميقة في أماكن معينة في الصحراء، ويدفنون فيها كميات كبيرة من القمح؛ ليأكلوها في العالم الآخر، حسب عقيدتهم آنذاك.ويعرف عم حسين من خلال هذه البردية مكان قَمَّاحة كبيرة، ويحفر في المكان الموجودة به مع مساعدين له، وهو يرى أن القمح الموجود في هذه القَمَّاحة سيكفي المصريين لمدة خمسين سنة.وعلى الرغم من أن عم حسين في هذه المسرحية كان غير مغيب العقل، لكن الحدث الذي في هذه المسرحية كان أشبه بالخيال، ولعل المؤلف قصد من ذلك إلى أهمية اعتماد المصريين في العصر الحديث على حضارة الفراعنة في مواجهة بعض الظروف الصعبة لهم، ولو كان ذلك من خلال أخذ دوافع المقاومة والتحدي لبعض المشاكل والمخاطر في العصر الحديث من حضارتهم العريقة.


