بقلم د. علي خليفة
(1)
الاكتئاب مرض نفساني يصيب بعض الناس، ويجعلهم فاقدين الإحساس بالسعادة، ويشعرون بالملل والضيق، ولا يتأثرون كثيرًا بأي أحداث مبهجة تحدث لهم ولمن حولهم، وقد تزيد وطأة الاكتئاب عند هؤلاء الأشخاص فنراهم يتألمون بشدة، ويستعجلون نهايتهم بالموت، وقد يسعى بعضهم إليه بنفسه ليتخلص من وطأة الاكتئاب الشديدة على نفسه.وهناك أشخاص غير مرضى بالاكتئاب، ولكنهم يشعرون ببعض أعراضه في بعض الفترات من حياتهم، وهم يستطيعون تجاوز هذا الاكتئاب العارض عليهم من خلال الخروج من الأزمات والمحن التي أدت بهم لحالة الاكتئاب التي وصلوا إليها، أو من خلال الاستعانة بالدِّين والأصدقاء وعوامل أخرى.
(2)
ومن الغريب أن نرى أن أبطال أنطون تشيكوف في مسرحياته الخمس الطويلة كانوا كلهم مصابين بالاكتئاب، وهم ليسوا شخصيات عظيمة كالتي نراها في التراجيديات القديمة، بل إنهم أشخاص عاديون، ويصيبهم الاكتئاب لكونهم قد سحقتهم الحياة الحديثة، فهم قد يكونون أشخاصًا اكتشفوا أنهم كانوا يعيشون في أوهام، وتجلى لهم فجأة زيف هذه الأوهام التي كانوا يعيشون فيها أو من أجلها، وتجعلهم يتمسكون بالحياة، كحال فانيا وشخصيات أخرى في مسرحية “الخال فانيا”، فقد كان فانيا يظن أن البروفسير زوج أخته شخص عظيم، وكاتب كبير، وكان يرعى مزرعته، وينسخ له كتبه، ولكنه اكتشف بعد ذلك حين أحيل للتقاعد وعاش معه في المزرعة مع زوجته الشابة إلينا – بعد وفاة زوجته الأولى – أنه شخص تافه، وأن كتاباته تافهة مثله، وزاد على ذلك اكتشافه أنه أحب زوجة البروفسير الشابة، وندم على أنه لم يتزوجها قبله، وثار على البروفسير حين عرف أنه ينوي بيع تلك المزرعة التي أفنى عمره فيها، وحاول قتله عند ذلك وفشل.ويتم نوع من الصلح في نهاية هذه المسرحية بين فانيا والبروفسير يتعهد فيه البروفسير بعدم بيع هذه المزرعة وعدم العودة لها مرة أخرى مع زوجته؛ حتى لا تثار الخلافات بينه وبين فانيا، وهو صلح رخو؛ لأن فانيا اكتشف وهم السعادة التي كان يظنها في حياته، وصار البروفسير له مصدر ألم؛ لأنه ضحى بشبابه من أجله، ورأى انه اقتنص الفتاة التي أحبها.وكل من في هذه المسرحية هم أيضًا أشخاص متألمون ويتجرعون غصص الكآبة، فسونيا ابنة البروفسير من زوجته الأولى فشلت في أن تجذب الطبيب لقلبها؛ لعدم جمالها، ولكونه كان يميل لإلينا، وإلينا كانت تميل للطبيب، ولكنها استسلمت لحياتها مع البروفسير الذي يكبرها كثيرًا في السن، ولم يبقَ منه غير شيخوخته وأوجاعه وأمراضه، والبروفسير كان يشعر بالقلق لشعوره بأن زوجته الشابة لا بد أنها ستخونه مع شخص ما، كما أنه كان لا يشعر بأي متعة في الحياة بعد أن أُحيل للتقاعد، وفقد الشهرة والبريق كأستاذ جامعي بارز، والطبيب لجأ للفودكا ليدفن فيها فشله في نيل إلينا.
(3)
وكثيرًا ما نرى بعض أبطال مسرحيات تشيكوف الطويلة متألمين وتعتصرهم الكآبة؛ لكونهم عجزوا عن تحقيق أحلامهم البسيطة في الحياة، كحال أبطال مسرحية “الشقيقات الثلاث”، فنرى هؤلاء الشقيقات الثلاث وأخاهن قد فشلوا في تحقيق أحلامهم البسيطة في الحياة، فالأخت الكبرى أولجا فشلت في أن تجد شخصًا طيًبا تتزوج منه، واستسلمت للعنوسة، والأخت الوسطى إيرينا الجميلة لم تلتقِ بالشخص الذي كانت تتخيله في أحلامها، فتحبه وتتزوجه، وقُتِلَ الشخص الذي لم تحبه، ولكنها رضيت به زوجًا من الشخص الآخر الذي كان يحبها ولا تحبه، وشعرت هي أيضًا أنها ستعيش وحدها في المستقبل، وأما الأخت الصغرى ماشا فإنها لم تشعر بحب نحو زوجها، ومرت بتجربة حب بعد زواجها، ورحل عنها ذلك الشخص الذي أحبته، وعادت لشعورها بالألم والاكتئاب، وأما أندريه أخو هؤلاء الشقيقات الثلاث فإنه هو أيضًا قد شعر بتهاوي أحلامه في الحياة، فلم يعين في الجامعة كما كان يتمنى، بل صار موظفًا، وتزوج من امرأة اكتشف بعد زواجه منها سطحيتها وسوقيتها، فكان ذلك أيضًا من أسباب معاناته.وكذلك نرى بعض أبطال مسرحية “النورس” يعانون ويتألمون؛ لكونهم فشلوا في تحقيق أحلامهم في الحياة؛ مثل: الشاب قسطنطين الذي فشل في أن يصبح كاتبًا مسرحيًّا تجريبيًّا كبيرًا، وفشل أيضًا في جذب الممثلة الشابة الجميلة نينا إليه، فقتل نفسه في نهاية المسرحية بالمسدس الذي سبق واصطاد به نورسًا.وكذلك نرى نينا في هذه المسرحية جرت وراء الشهرة؛ وتخلت عن أمور كثيرة في سبيل ذلك، ولكنها لم تحقق الشهرة، وخدعها القصاص الكبير الذي أحبته ووعدها بأن يحقق لها الشهرة في التمثيل، ونراها شبه محبطة في نهاية هذه المسرحية، ولكنها لم تستسلم بعد، بل تقرر أن تعاود الكفاح، وإن كانت قد أدركت مع ذلك أنها لن تصل لذلك المجد الذي كانت تتصوره في بداية أحداث هذه المسرحية.بل إننا نرى الأشخاص الذين يظهرون في هذه المسرحية قد حققوا شهرة كبيرة غير راضين عن أنفسهم، كالقصاص تريجورين، فهو لا تعجبه قصصه التي اشتهرت بين الناس، ويرى نفسه لم يكتب ما يريده بعد؛ مما يجعله لا يشعر بالرضا هو أيضًا.
(4)
وبعض شخصيات مسرحيات تشيكوف الطويلة يدركون قرب سقوطهم، ويتألمون لذلك، ولكنهم يتجاهلون أحيانًا هذا السقوط المنتظر، ويخدرون أنفسهم من خلال الغواية في بعض المتع، كحال بعض الشخصيات في مسرحية “بستان الكرز”، لا سيما ليوبوف التي تنتمي لأسرة نبيلة، ولكنها أسرفت في تلبية شهواتها، فصار عليها ديون كثيرة، وأوشك بستان الكرز والأراضي المحيطة به التي ورثتها عن جدودها أن تخسرها، وهي تتألم لذلك، ولكنها تتجاهل كثيرًا ذلك الواقع المنتظر حدوثه بالاستمرار في غواية المتعة والمزيد من الإنفاق عليها، عساها بهذا أن تخفف من وطأة شعورها بالاكتئاب للمصير الذي ستئول إليه مع أفراد أسرتها بعد بيع بستان الكرز والأراضي الشاسعة التي حوله.
(5)
ونرى أيضًا ضمن شخصيات مسرحيات تشيكوف الطويلة أشخاصًا يعانون من الكآبة كمرض نفساني، فهم أشخاص مهزومون، ومنطوون على كآبتهم، ويتسببون في إصابة من حولهم بالكآبة؛ مثل: إيفانوف في مسرحية “إيفانوف”، فهو شخص مريض بالكآبة، وشديد الاستسلام لها، ولا يفعل أي شيء إيجابي للتخلص من المشاكل التي حوله، ككثرة الديون عليه، بل إنه يتسبب في شدة أوجاع زوجته أَنَّا باتروفنا، ويزيد في شدة شعورها بآلامها في مرضها بالسل، ونراه بتصريحه لها بأنه لم يعد يحبها يعجل بموتها، ويشعر بتأنيب ضمير شديد بعد موتها، وتحاول ساشا التي تحبه أن تنسيه كآبته، وتغريه بالزواج منها؛ لينسى كآبته، وليعقد اتفاقًا مع السعادة، ولكنه في يوم زفافه منها يقتل نفسه؛ لأنه أدرك عمق كآبته، وأنها لا خلاص منها، وخشي أن يسمم حياة ساشا كما سمم حياة أَنَّا باتروفنا من قبلها؛ بسبب الكآبة التي تكمن في أعماقه، وتفسد عليه أي شعور بالسعادة في هذه الحياة.


