بقلم د.علي خليفة
مما لا شك فيه أن الشخصية والحدث عنصران مهمان ضمن عناصر البناء الدرامي للمسرحية، ولا يمكن الاستغناء عن أي عنصر منهما، فهما في أهميتهما وعدم القدرة على التفريط في أيهما كشفرتي المقص أو كوجهي العملة.
ورغم ذلك فقد اعتدنا في التراجيديات الكبرى – كتراجيديات شكسبير – أن نرى فيها اهتماما كبيرا ببناء شخصياتها بأبعادها المختلفة؛ ولهذا لم يكن غريبا أن يكون عناوين أكثر هذه التراجيديات مرتبطا بأسماء الشخصيات الرئيسة فيها، والتي تشغل معظم الأحداث – أو كلها – فيها، كمسرحية ماكبث، ومسرحية عطيل، ومسرحية الملك لير، ومسرحية يوليوس قيصر.والأمر كذلك في الملاهي الكبرى، في أن يكون هناك اهتمام كبير فيها برسم الشخصيات، كما نرى هذا في بعض ملاهي موليير، كمسرحية البخيل، ومسرحية مريض الوهم، ومسرحية البرجوازي النبيل.ولكن الفرق بين الشخصيات في مسرحيات موليير عن غيرها في تراجيديات شكسبير أن الشخصيات الرئيسة في تراجيديات شكسبير ذات نمو مستمر طوال الأحداث فيها، ولا تكتمل رؤيتنا الكاملة لها إلا مع ختام هذه المسرحيات، بينما الشخصيات الرئيسة في ملاهي موليير الكبرى لها ملامح ثابتة من بدايات هذه المسرحيات لنهايتها، فهي أنماط كوميدية ذات ملامح ثابتة، ولا تتأثر بالأحداث ولا تؤثر فيها؛ ولهذا لم يكن غريبا أن يسمي موليير كل مسرحية من هذه الملاهي الكبرى بصفات كل نمط كوميدي فيها، كالبخيل، والمتحذلقات، ومريض الوهم، وغير ذلك.ولا شك أننا أدركنا من خلال ما سبق أن اهتمام موليير الأكبر في ملاهيه يكون بالشخصيات التي يقوم ببنائها بناء على ما يشاهده في مجتمعه من أنماط غريبة، فيصورها في مسرحياته، كما وضح هذا في مسرحية مرتجلة فرساي.
ومما يدل على أن اهتمام موليير بالحدث في مسرحياته يأتي بعد اهتمامه بالشخصيات فيها أننا نرى أن كثيرا من مسرحياته تتشابه العقدة فيها، فهي عن شخص متطرف في سلوكه، كأن يكون بخيلا أو مريض وهم، أو متحذلقا، أو مدعيا للنبل، وهو يرغب في أن يزوج ابنته للشخص الذي يناسب تطرفه السلوكي، فالبخيل – في مسرحية البخيل – يرغب في أن يزوج ابنته لشخص ثري حتى لو كان يكبر ابنته في السن بكثير، ولا يعبأ بالشخص الآخر الذي تحبه ويحبها ويقاربها في السن، وكذلك الأمر مع النساء المدعيات العلم – في مسرحية النساء العالمات – فالأم المدعية العلم والأدب فيها ترغب في أن تزوج ابنتها الصغرى من شخص مدع للعلم والأدب مثلها، ومريض الوهم – في مسرحية مريض الوهم – يرغب في أن يزوج ابنته لطبيب مدع علم الطب، ويوافقه في كونه مريضا، ويكتب له كما كبيرا من الأدوية لم يكن في الحقيقة في حاجة إليه، وهكذا الأمر في كثير من مسرحيات موليير الأخرى.ونرى في هذه المسرحيات أنه من خلال الحيل الطريفة التي تقوم بها الابنة ووصيفتها الجريئة وحبيبها يتم إفشال خطط الأب ذو التطرف السلوكي، وفي النهاية يتم زواج الابنة من ذلك الشخص الذي تحبه، سواء أكان ذلك برضا الأب، أم بغير رضاه.وأيضا مما يدل على أن الحدث لم يكن يأخذ من موليير نفس الاهتمام بالشخصية في ملاهيه أننا نرى بعض ملاهيه نهايتها جاءت مقحمة فيها، ولا تنبع من التطور الدرامي للأحداث بها، ومن ذلك أن تكون هذه النهاية بتدخل بعض القوى الغيبية، كما حدث لدون جوان في مسرحية دون جوان في مجيء ملك له في نهاية هذه المسرحية وقبض روحه جزاء له على إلحاده والجرائم الكثيرة التي ارتكبها.وأحيانا تكون النهاية في بعض مسرحيات موليير من خلال تدخل الملك لويس الرابع عشر فيها، كما نرى ذلك في مسرحية طرطيف، فقد حلت أحداثها المتشابكة في تمكن طرطيف المدعي التدين من أموال أرغان وبيته بتدخل الملك لويس الرابع عشر الذي أبطل تلك الوثيقة التي كان قد كتبها أرجون لطرطيف، وتنازل فيها عن أمواله وممتلكاته له، وأمر في الوقت نفسه بعقاب طرطيف؛ لما فعله مع أرغان، ومع أشخاص آخرين غيره.
وأحيانا تكون النهاية مقحمة في بعض مسرحبات موليير من خلال حدوث بعض المصادفات العجيبة، كما نرى ذلك في نهاية مسرحية البخيل من خلال عثور فالير وماريان على والدهما الذي فقداه؛ مما هيأ للنهاية السعيدة في هذه المسرحية، وكذلك الأمر في النهاية التي تعتمد على المصادفات العجيبة في مسرحية مدرسة الزوجات، ومسرحيات أخرى.وبهذا نرى أن خلود موليير كأهم كاتب كوميدي مسرحي عرفه العالم كان بسبب رسمه لشخصياته في صورة أنماط كوميدية لشخصيات متطرفة فى سلوكها، أما الأحداث في هذه المسرحيات فقد كان اهتمام موليير بها يأتي بدرجة أقل من اهتمامه بلشخصيات فيها؛ ولهذا – كما قلت من قبل – تتشابه بعض العقد في هذه المسرحيات، وتبدو النهاية مقحمة على بعضها.


