الشاعر السوري: أنور العطار..حليف الحزن وقيثارة الجمال.

حليف الحزن وقيثارة الجمال… أنور العطار
لم يكن أنور العطار شاعرًا فحسب، بل كان روحًا شفيفة تسلّلت من بين أصابع الطبيعة، وراحت تتغنى بأسرارها همسًا. وُلد في بعلبك عام 1913 لأبوين دمشقيين، كأنما اصطفاه القدر ليحمل في قلبه عبَق الياسمين، ويختزن في عينيه زرقة بردى. تلقى العلم في دمشق، فتشرب من ينابيع العربية حتى ارتوى، ثم تخرّج من الجامعة السورية عام 1935 حاملًا شهادة الليسانس، ومعه ما هو أثمن: روحٌ شاعرة تنبض حبًا للجمال.

طاف معلّمًا في أروقة المدارس بين العراق وسورية، ثم تولى رئاسة ديوان الإنشاء في وزارة المعارف، فكان للكلمة عنده ميزانٌ من ذهب. شارك في تأسيس “المجمع الأدبي”، وكانت مجلة “الرسالة” المصرية نافذته التي أطل منها على العالم، فأتحف قراءها بروائع ظلّت محفورة في الذاكرة. ثم ما لبث أن انطوى على نفسه في أواخر عمره، يخلو إلى محراب التأمل والكتابة، حتى أسلم الروح في صيف عام 1972، بهدوءٍ كأنما غفا على وقع قصيدة.

لم يترك من دواوينه المطبوعة إلا “ظلال الأيام”، أما الباقي فبقي حبيس الأدراج، دواوين مخطوطة كأنها كنوز لم يُؤذن لها بالنور بعد. غير أن شعره المنشور كان كافيًا ليلقّب “شاعر الطبيعة” و”جنّان دمشق”، فقد هام بالغوطة حدّ الذوبان، وأنشد فيها:

عالمٌ من نضارةٍ واخضرارِ
فاتن الوشي عبقريّ الإطارِ

ولم تقف عيناه عند دمشق وحدها، بل سرح بهما في جبال لبنان وهضابها، فرأى فيها ما لا تراه العين العابرة، وقال:

غاب لبنانُ في رقيقٍ من الغيمِ
كما غاب في مدى اليمِ زورقْ

لقد أدركه علي الطنطاوي بقلب الصديق فقال: “كان حليف الحزن، أليف الأسى، يبكي الأحلام الضائعة كما يبكي أوراق الخريف المتناثرة”. وأدركه الزيات بذائقة الناقد فقال: “تمتعنا بما أنشده صاحب ظلال الأيام من شعر لم يقع في أذني مثله منذ استعزّ الله بشوقي… أدب العطار مثل صادق للأدب السوري الحديث، وأكثر الصفات البلاغية انطباقًا عليه: الجزالة والسلامة والوضوح”. ورآه معروف الأرناؤوط “قيثارة بعض أوتارها للغناء وبعضها للبكاء”، ووجده الدكتور عمر الدقاق “أشبه الشعراء بالبحتري من حيث رقة أسلوبه وميله إلى الوصف”.

لكن المفارقة الموجعة أن هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا جمالًا، رحل عنها في صمتٍ مطبق، لا ضجيج حول رحيله ولا بكاء. يروي صديقه عبد الغني العطري أنه لم يعلم بموته إلا حين وقع نظره على خبر صغير مهمل في زاوية صحيفة، فيقول بمرارة: “مات الشاعر الكبير بصمت، ولم يشعر برحيله إلا قلة من الناس، ولم تنشر الصحف خبر وفاته”. وهكذا انطفأت شمعة من أنقى شموع الشعر العربي، كما ينطفئ القمر خلف غيمة، في صمت الليل، ولا يدري به أحد.
المصدر:صفحة المؤرخ الراحل عماد الأرمشي
التحرير:#سوريات_souriat

أخر المقالات

منكم وإليكم