في مجلة “كتاب” الإماراتية (عدد شهر مارس 2026)، وفيها مقالي عن كتابك الجميل “الشعر في عيادة كارل يونغ” (ص:70-72). دوام التوفيق والألق.
شكرا جزيلا الصديق العزيز شريف الشافعي مع كل التحية
الشعر مُعالِجًا نفسيًّا وعقليًّا في “عيادة كارل يونغ”
فرات إسبر تنجو بالقصيدة من قسوة الحياة
شريف الشافعي (القاهرة):
هي شاعرة ترمي الخوف بسهام الشعر، تجد في الكلمة معنى للتوازن، وتجعل القصيدة مرادفًا للتحرر. لا تقدّم فرات إسبر في عملها الجديد “الشعر في عيادة كارل يونغ” مجرد مجموعة من السرديات الشعرية المكثفة والاعترافات البوحية المتقطعة، وإنما تؤسس بنصوصها المفتوحة الموزعة على مئة وعشرين صفحة حالة إبداعية خاصة من حالات الكتابة، يمكن تسميتها “عيادة شعرية” للاستشفاء البدني والروحي، وهذا الاستشفاء لا يقتصر على المؤلف، وإنما ينسحب إلى المتلقي أيضًا، المتفاعل مع التجربة الحية.
في كتابها المراوغ، الصادر عن دار سومريون للطبع والنشر والتوزيع في العراق (2025)، تطرح الشاعرة السورية (67 عامًا)، المقيمة في نيوزيلندا، إمكانية الاكتفاء بالشعر، فقط بالشعر، ليكون درع الوقاية من الأمراض البدنية والنفسية على السواء، وطوق النجاة للذات من سائر الآلام التي تكابدها في حياة مليئة بالقسوة، وعالم مفعم بالخيبات والانكسارات والهزائم “نجوتُ بهروبي على ظهر القصيدة”.
تُعلي فرات إسبر شأن الشعر كذروة استثنائية ليس كمثلها قمة في هذا الوجود، فمن خلال الشعر يمكن الاستغناء عن عيادة “كارل يونغ” (1875-1961)، عالم النفس السويسري، مؤسس علم النفس التحليلي، وعن عيادات غيره من الأطباء والمعالجين والمحللين النفسيين والعقليين الذين تبدو وصفاتهم ناقصة وعاجزة إزاء التعقيدات المحيطة. كما يمكن للشعر أن يكون الصديق الصدوق، الذي يحل محل كل من يحتاج إليه الإنسان ليقف معه ويشاطره رحلته فوق هذه الأرض، وهي رحلة تكاد تنعدم مسراتها وتكثر أحزانها وتندر فيها المشاركة الصادقة التي تعين المصاب على تجاوز محنته.
تتبرأ فرات إسبر من نظريات علم العلاج النفسي وممارسات الطب النفسي التحليلي، وتشكل بنصوصها الأدبية خيوطًا ومسارات وتكوينات إبداعية تُعارض بها فنيًّا أطروحات كارل يونغ المتنوعة، خصوصًا ما يتعلق بجهوده في الإبحار في المناطق البرزخية بين فضاءات الوعي واللاوعي، وغوصه في طبقات الأعماق النفسية، ومحاولاته إيجاد تأويلات وتفسيرات للخيالات والأحلام والأوهام، وحالات الفصام والهيستريا والوسواس والهلوسة وغيرها من الأسرار الكامنة في تجاويف النفس. تقول فرات “أكتب وأركض. قطعتُ المسافة التي تفصل بين الحلم واليقظة، وتآلف الوعي مع اللاوعي. صديقان نحن، نفتح القبور، ونرشّ الحبر على ورق أبيض”.
يأتي إيمان فرات المطلق بالشعر كمضاد لعدم إيمانها بأي علاج نفسي من خارج الذات، فالإنسان “هو الأول والأخير الذي يعالج نفسه، ويناضل من أجلها ضد الفشل والخيبات واليأس والقنوط”، وفق ما توضحه في مقدمة الديوان. وتشير إلى وصولها إلى الإرهاق الذي لا يمكن أن يجد له أطباء البدن والنفس علاجًا ولا تفسيرًا “لا أحد يقدر على شفاء الآخر، وكل ما يدور في عيادات الطب النفسي ما هو إلا تحايل على النفس، ليقنعها الآخر بالعيش، قبل أن تقنع ذاتها به”.
إن فهم الذات البشرية أمر صعب بل مستحيل لمن لا يفهم العالم حوله، ولا يتأتى فهم الذات والعالم معًا إلا من خلال الشعر، ذلك الذي تصفه فرات إسبر بالترياق من سموم الحياة، والمعالج النفسي والعقلاني القادر على البحث في تاريخ الحياة الاجتماعية للإنسان. وهكذا تفتح عيادتها الشعرية، لها ولقرّائها معًا، فهي تشفي ذاتها بالكتابة، والمتلقي قد يجد شفاءه بالقراءة. كما أن مرور المتلقي على النص الشعري يُنتج عطرًا يمتد أثره الشافي بدوره إلى المؤلفة مرة أخرى، فتتحقق دورة استشفائية مكتملة، قوامها الدائرية والتواصل الفعّال “لما كان الشعر بكل ما فيه من غموض ووضوح، بكل ما فيه من معنى واتساع، قررنا الذهاب معًا. ذهبنا معًا إلى العيادة الشعرية، معي أصدقاء رافقوني في رحلتي إلى هذه العيادة التي فتحتها بنفسي، وفتحتُ نوافذها على الشمس وأبوابها على الهواء”.
من حروف مفردة “شعر”، ومشتقاتها، تصوغ فرات كثيرًا من عناوين نصوص “الشعر في عيادة كارل يونغ”، إيغالًا منها في تأكيد حضور الشعر، وتعزيز دوره كحصن للمقاومة وإدراك الخلاص على كل المستويات، الجسدية والروحية والوجدانية. من هذه العناوين الدالة: “اكتبوا الشعر تصحّوا”، “عندما يصبح الشعر نذرًا”، “وجه الشاعرة”، “حررني أيها الشعر من عُقدي”، “عندما يكون الشعر ترياقًا”، “لماذا يكره السلفيون الشعر”، “أيها الشعر لا تتركني وحيدة”، “هذا هو الشعر”، وغيرها.
ماذا عن “الحياة الثنائية القطب” التي يتناولها كارل يونغ في مساعيه الرامية إلى الاكتشاف النفسي، وضبط إيقاع الذات؟ هو يرى إمكانية دمج المتناقضات النفسية، وإذابة الحدود بينها، إذ تبدأ خطوات الشفاء من الاضطرابات النفسية بالاعتراف بهذه الأضداد، والعمل على تكاملها بدلًا من إنكارها. ومن ثم، يمكن التعايش مع وجود صراع ما بداخل الإنسان بين النور والظلام، والوعي واللاوعي، والحقيقة والقناع، وغيرها من المتضادات.
تتقاطع نصوص فرات إسبر مع فكرة الحياة الثنائية القطب، ولكن من منظور إبداعي مغاير للدرس النفسي اليونغي، فهي ترفض الحياة التي لا يصير لها معنى من شدة تشظياتها وانقساماتها، مفضّلة إيجاد حياة أخرى بديلة من خلال الإبداع. وهذه الحياة البديلة التي تتصالح معها روحها، يمكن للجنون والعقل أن يتعايشا فيها بالتوافق النسبي مع يونغ، أو حتى بالتبادل، إذ “يحل الجنون فيها محل العقل، أو يحل العقل محل الجنون”. وتمضي الشاعرة لتلعب مع الشعر لعبة الزمان، وتركض في المتاهة. وفي الحياة البديلة، التي هي الشعر، تختار القصيدة ترجمانًا لصوتها، ولجفافِ نفسها، متنبّئة بأمطار تغمرها، فإذ بالكروم تتغنى بثمارها، وعلى إيقاع الثمار يحصد الفلاحون ما غرسوه في مواسم الحياة.
وتواصل فرات إسبر في نصوصها الاعترافية المشحونة بالوهج الشعري المركّز الانطلاق لتتجادل فنيًّا مع العديد من مباحث كارل يونغ وأفكاره المتداعية بشأن الظلال والأضواء، واللاوعي الجمعي، والجوانب المكبوتة في الشخصية، والصور والرموز المشتركة بين البشر، وغيرها.
وترى الشاعرة السورية في الشعر كل مقولات يونغ عن استكشاف العوالم الداخلية والمخاوف كما يفسرها العالم النفسي، وأنه يمكن للشعر أن يكون جسرًا لسبر أغوار الذات بشكل كامل، وإعادة بنائها، إضافة إلى إيجاد المعنى المقبول لعالم يفتقد المعنى، وتمكين الكائن الآدمي من التحرر الحقيقي “ادخلوا أنفسكم آمنين، حرروها بالشعر والكتابة”. وهكذا، فإنها تريد أن يكون “وجه الشاعرة” ضوءًا خالصًا وليس متأرجحًا بين الإنارة والإظلام كثنائيات يونغ “كيف تضيء النجمة طوال الليل؟/ تعالَ أيها الضوء، وأسقط على وجهي، إني لا أحب الحُجُب/ أيها الوجه انكشف لي/ اقترب من الضوء أكثر، فالفراغ عظيم/ انكشف، هذا كل ما أريد”. وحتى الجسد، فإنه من منظورها الشعري لا يقل إشعاعًا عن الروح “أيها الجسد المصباح، الضوء يبهرنا”.
تأتي نصوص فرات إسبر بمثابة طاقة إيجابية صافية في معترك الحياة، وإجابة شافية عن سؤال العطش بعد التخبط واللهاث وراء السراب، إذ يبتكر الشعر للإنسان بوصلة هادية في المتاهات اللامتناهية من حوله، ويوجد له قيمة ووزنًا في تصدّيه المعنوي والمادي للمعاناة والأوجاع. وتتفجر تلك الطاقة الإيجابية من الأحرف الشعرية التي تلازمها دائمًا في حركتها إلى الأمام، وذلك على الرغم من ملامسة الذات الشاعرة العنف والمرارة في هذه الحياة، وإحساسها باللاجدوى والعبث في المختبرات والمعامل وعيادات الاستشفاء التي لا تُبرئ عليلًا “أمشي مع الكلمات، في اليأس أرى بريقًا/ الكلمات تصنع المعجزات”.
وإذا كان مألوفًا أن ينخرط مبدعون وباحثون حول العالم عبر العصور المتتالية في تجارب العلاج بواسطة الفنون والآداب، كالموسيقى والرسم والشعر وغيرها، فإن جديد فرات إسبر هنا هو السعي إلى إقامة مملكة مكتملة تحت راية الشعر، بحيث يغدو سكّانها أسوياء متعافين من خلال هضم الجوهر الشعري، ذلك الذي يعني الكينونة الإنسانية نفسها في أنضج تجلياتها المتعيّنة، وفي أصحّ تصوراتها المأمولة. في تلك المملكة، يعيش البشر وقد بلغوا مرحلة ما وراء الاعتراف، وما بعد التطهر بماء الكلام “الشعر بطاقتهِ الروحية أصيلٌ كالأحصنة، وها أنا بصمت الجياد أكتب وأعترف، وبوفائها أرسم ما يُمكن رسمه على هذه الصفحات، وما قد مر في حياتي الشفافة، وفي حياتي المُعتمة/ عليَّ أن أكون في مستوى هذا الجرح الإلهي، الذي خصني به لكشف أسراري، وترميم جراحي/ أمشي في أغوار القصيدة، أستكشف جسدًا هشًّا يحيا ويموت، ويتطهر بماء الكلام”.
====(إطــــار)====
فرات إسبر:
صدر بالإنجليزية ديوانها “أغنية إلى أوكلاند” ، وهي المدينة التي تعيش فيها، وكتبت فيها أعمالها.
شاعرة وكاتبة سورية.
ولدت عام 1958 في قرية قصّابين السورية، وتقيم منذ سنوات في نيوزيلندا.
من دواوينها: “مثل الماء لا يمكن كسرها”، “خدعة الغامض”، “زهرة الجبال العارية”، “نزهة بين السماء والأرض”، “تحت شجرة بوذا”، “ضريح أيام مجهولة”، “أطلس امرأة برية”.
**&***&***
– المصادر:
– موقع إرم نيوز: https://www.eremnews.com
– موقع: مهرجان القاهرة الدولي للكتاب
– 360 : دمشق سوريا
– مجلة عقول
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية.


