لطالما انشغلت السينما الفرنسية بالمراهقة، من فرنسوا تروفو إلى جاك دوايون، وها هو سدريك كانّ يواصل هذا الخيط في فيلمه الجديد “15/18” (مسابقة)، مستلهماً عنوانه من المرحلة العمرية التي يتوقّف عندها. يضع الفيلم نفسه، بثقة وتقدير، داخل أروقة مستشفى للأمراض النفسية مخصّص للمراهقين الذين يحتاجون إلى رعاية ومساندة، حيث يتقاطع وهن الأبناء مع مواقف الأهل، المتراوحة بين التضحية والإنكار.
بقدر كبير من الدفء، ومن رغبة تبدو ملحّة، يصوّر سدريك كانّ هذه البيئة من الداخل، ملتقطاً تفاصيلها والشاردة والواردة فيها، ومدركاً أن الاقتراب من الكائن في لحظات ضعفه هو السبيل الأقرب إلى شيء من الحقيقة. لذلك، يحاول الفيلم إسقاط الأحكام المسبقة والمفاهيم البالية التي تحيط عادةً بالاضطرابات النفسية، ليضع الإنسان قبل تشخيصه. يقول الطبيب الذي يؤدّي دوره المخرج لأحد المرضى: “لا يوجد لدينا مجانين هنا، بل أطفال على قدر من الهشاشة يعانون من مشاكل”. هذه الجملة تختصر فلسفة الفيلم كلها: مراهقون يقفون عند الإنسان الذي سيصيرونه في العقود المقبلة، في مرحلة يتشكّل فيها الوعي جراء التجربة والاضطراب والعلاقات والظروف.
ومن حيث لا يقصده ربما، يتحوّل الفيلم إلى رد اعتبار للطواقم الطبية التي ترافق هؤلاء المراهقين، وتبذل جهداً يومياً لاستعادة التوازن المفقود. ثمة ضوء يتسلّل دائماً، مصدره ذلك النقر العميق في الشخصيات، ومحاولة الاقتراب منها من دون اختزالها في مرض أو أعراض، ومن دون تحويل الحاجة إلى العلاج إلى ذريعة لاستدرار الشفقة.
ويا له من عالم مصغّر يتحوّل إليه المستشفى: مجتمع صغير يرث من المجتمع الكبير مشاكله وتناقضاته وعيوبه، ويعيد إنتاجها داخل فضاء مغلق. ومع ذلك، يظلّ الأمل ممكناً. فالمراهقون الذين جاؤوا إلى هنا محمّلين ما يعجزون عن مواجهته، يكتشفون حاجتهم بعضهم إلى بعض، إلى التفاعل والاحتكاك والبوح، وإلى مجرد وجود الآخر كي يتمكنوا من مواجهة ذواتهم.
ينتمي الفيلم إلى منطقة حميمة وملتبسة بين الروائي والوثائقي، وهي منطقة لطالما برعت السينما الفرنسية في استكشافها. لكن سدريك كانّ لا يكتفي باستلهام الواقع أو مراقبته، إذ يصنع منه لغة سينمائية ثالثة، لا تستقر تماماً في الوثائقي ولا تنغلق داخل الروائي. ما يصوره كانّ هو الشباب العالق بين ما ورثه وما لم يمتلك بعد القدرة على تصحيحه. فالاضطراب النفسي، كما يقدّمه الفيلم، لا يولد من فراغ، وإنما يتغذّى من الواقع ومن العلاقات ومن الضغوط التي تحيط بالفرد، وهو واقع لا يستثني طبقة اجتماعية دون أخرى. هذا فيلم ذو همّ اجتماعي واضح، لكنه لا يساوم، في المقابل، على أدواته الفنية. وإنما يتعامل مع السينما بلمسات محسوبة، تاركاً للأرواح أن تحمل العبء الأكبر.
#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت.


