الذكاء الاصطناعي:من التفاعلية إلى الميتافكشن الخوارزمي

بقلم عبد علي حسن

سهدت الرواية - بوصفها جنسًا أدبيًا مرنًا وقابلًا للتجريب - تحولات جذرية مع كل انتقال تقني أو ثقافي كبير، من الطباعة إلى السينما، ومن الحداثة إلى ما بعد الحداثة وصولًا إلى الفضاء الرقمي ،  وفي هذا السياق لا يبدو ظهور الرواية التفاعلية والشعر التفاعلي على منصات التواصل الاجتماعي سوى حلقة في سلسلة طويلة من إعادة تعريف العلاقة بين الكاتب والنص والقارئ ،  غير أن التحول الأعمق، والأكثر إثارة للأسئلة النظرية والجمالية، يتمثل اليوم في دخول الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكًا محتملًا في إنتاج السرد، لا مجرد أداة تقنية مساعدة، بل فاعلًا لغويًا وسرديًا قادرًا على المحاكاة والاقتراح والتوليد ، فقد أسهمت منصات مثل فيسبوك في تكريس شكل من الكتابة الجماعية المفتوحة، حيث يُطرح النص الروائي أو الشعري بوصفه مشروعًا غير منتهٍ، قابلًا للإضافة والتعديل والحذف، وتصبح المشاركة في إنتاجه فعلًا اجتماعيًا بقدر ما هو إبداعي و في هذا النمط تتراجع مركزية المؤلف، ويتحول النص إلى فضاء تفاوضي تشاركي، تتداخل فيه الأصوات والنيات، ويغدو القارئ منتجًا مشاركًا لا متلقيًا سلبيًا ، ان هذه التجربة على الرغم من هشاشتها الفنية أحيانًا، مهّدت لزعزعة فكرة النص المغلق، وكسرت وهم الاكتمال والنهائية، وهو ما يلتقي، من حيث الجوهر، مع أطروحات ما بعد البنيوية حول موت المؤلف وانفلات الدلالة.غير أن الرواية التفاعلية، سواء الرقمية أو الورقية التي تحاكي منطق التفاعل، ظلت محكومة بحدود بشرية واضحة ، إذ ان التفاعل يتم بين ذوات إنسانية، مهما اختلفت مستوياتها المعرفية أو الجمالية ،  أما مع الذكاء الاصطناعي، فإننا إزاء انتقال نوعي لا كمي، لأن الطرف الآخر في عملية الكتابة لم يعد إنسانًا بالمعنى التقليدي، بل نظامًا خوارزميًا يتغذى على كم هائل من النصوص، ويعيد إنتاجها وفق منطق احتمالي. هنا تتغير طبيعة السؤال ،  فلم يعد الأمر متعلقًا بتعدد المؤلفين، بل بتعدد الأنطولوجيات المشاركة في الكتابة.لقد لجأ بعض الروائيين بالفعل إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة روايات كاملة أو جزئية، عبر تزويده بمعطيات عن الشخصيات والأحداث والفضاءات، ثم إعادة صياغة الناتج أو تبنيه كما هو ،  وتكمن خطورة هذه العملية في طمس حدود المسؤولية الإبداعية، وفي الإيهام بأن النص نتاج عبقرية فردية، بينما هو في الواقع ثمرة تعاون غير مصرّح به. لكن الخطر لا يكمن فقط في المسألة الأخلاقية، بل في إفراغ التجربة الروائية من بعدها الوجودي، إذ إن الرواية، تاريخيًا، هي كتابة تجربة بشرية في العالم، بكل ما تنطوي عليه من نقص وتوتر وتناقض.من هنا تبرز أهمية تصور كتابة رواية لا تتستر على حضور الذكاء الاصطناعي، بل تجعله موضوعًا وبنية في آن واحد، عبر نقل النقاش والجدل والحوار الذي ينشأ بين الروائي والذكاء إلى متن الرواية نفسها ، وفي هذه الحالة، لا يكون الذكاء مجرد كاتب خفي، بل يتحول إلى كيان سردي أو ذات لغوية تدخل في علاقة جدلية مع الكاتب، علاقة تتأسس على السؤال والاعتراض والتفاوض حول المعنى والشكل والغاية. وهكذا تتحول الرواية إلى فضاء انعكاس ذاتي، يراقب فيه النص عملية تشكله، ويكشف آلياته أمام القارئ.إن هذا التصور يندرج ضمن تقاليد الميتافكشن أو السرد الانعكاسي، الذي لا يكتفي بحكاية قصة، بل يحكي كيف تُحكى القصة، ويعرّي شروط إنتاجها. غير أن الميتافكشن هنا يكتسب بعدًا جديدًا يمكن تسميته بالميتافكشن الخوارزمي، حيث لا ينحصر الوعي الذاتي في ذات الكاتب وحدها، بل يمتد إلى ذات اصطناعية تمتلك وعيًا لغويًا لا وجوديًا، وقادرة على مناقشة اختياراتها السردية، حتى وإن كان هذا النقاش محاكاة لوعي إنساني.ففي رواية الذكاء الاصطناعي، يصبح الحوار بين الكاتب والذكاء محركًا سرديًا أساسيًا وفيه يسأل الكاتب عن منطق بناء الشخصية، و يقترح الذكاء احتمالات مستمدة من أنماط سردية سابقة. والكاتب يعترض على نمطية حدث ما، والذكاء يبرر خياره إحصائيًا أو نصيًا ، هذا الجدل لا ينتج مادة حكائية فحسب، بل ينتج وعيًا نقديًا داخل النص، يجعل القارئ شريكًا في تفكيك عملية الكتابة نفسها. وهنا تستعاد، بصيغة مغايرة، فكرة الرواية الفكرية، لكن من دون خطابية مباشرة، بل عبر دراما فكرية تنشأ من صراع الرؤى بين الإنسان والآلة ، كما يفتح هذا الشكل من الرواية أفقًا جديدًا لمسألة الصوت السردي ،  فبدل الراوي العليم أو الراوي المحدود أو المتعدد، نكون أمام راوٍ مزدوج الصوت الإنساني والصوت الخوارزمي، يتناوبان أو يتداخلان، وأحيانًا يتناقضان ،  هذا التعدد لا يهدف إلى التشويش، بل إلى مساءلة مفهوم الأصالة نفسه: ما الذي يجعل صوتًا ما أصيلًا؟ أهو مصدره البشري، أم قدرته على إنتاج معنى مؤثر؟إن رواية الذكاء الاصطناعي لا تدّعي أن الذكاء يمتلك تجربة وجودية، لكنها تكشف، عبر حضوره النصي، حدود التجربة البشرية ذاتها، وتفضح اعتمادنا اللاواعي على القوالب السردية الجاهزة. فالذكاء، حين يعيد إنتاج هذه القوالب، يعكس لنا صورتنا السردية، ويجعلنا نرى ما هو آلي في كتابتنا، وما هو حي فيها. وهذا الانعكاس هو جوهر الميتافكشن: أن يرى النص نفسه وهو يُكتب.ولا يمكن إغفال البعد الفلسفي لهذا المشروع، فالرواية التي تكتب عن علاقتها بالذكاء الاصطناعي هي، في العمق، رواية عن أزمة الذات المعاصرة، وعن تراجع مركزية الإنسان في عالم تحكمه الخوارزميات. إنها امتداد سردي لأسئلة ما بعد الإنسانية، لكن بلغة جمالية لا تنظيرية، وهو ما يمنحها قيمة نقدية تتجاوز لحظتها التقنية، وقابلة للتحول إلى مشروع روائي ذي قيمة معرفية وجمالية عالية، وليس مجرد تجربة عابرة تستثمر راهنية الذكاء الاصطناعي، والجِدّة هنا لا تقوم على استخدام الذكاء بحد ذاته، فهذا بات شائعًا، بل على طريقة تمثيله سرديًا ، إذ لانقترح هنا ذكاءً يكتب بدل الكاتب، ولا أداة خفية تُنتج النص ثم تُمحى آثارها، بل نقترح نقل علاقة الكتابة نفسها إلى المتن الروائي: الجدل، الاعتراض، التفاوض، سوء الفهم

أخر المقالات

منكم وإليكم