الخزانة السحرية وبخار الزئبق: كيف حوّل داجير وتالبوت الأحلام إلى صور دائمة؟ (الجزء الثاني من تاريخ التصوير)

في الجزء السابق، توقفنا عند اكتشاف الهايبو. لكن العالم لم يكن قد عرف بعد كيف يحبس الصورة على الورق والمعدن. هنا تبدأ القصة الحقيقية للتصوير.

تجارب إضافية (Further Experiments)

في هذه الأثناء، كان توماس ويدجوود (Thomas Wedgwood) والسير همفري ديفي (Sir Humphry Davy) يجريان تجارب على نفس المنوال الذي سار عليه البروفيسور تشارلز. فقد قاما بطلاء الورق والجلد الأبيض بمحلول نترات الفضة، وبعد وضع جسم معتم (غير شفاف) فوق هذه الورقة المُحضرة، عرضاها لضوء الشمس. فأصبح الجزء غير المحمي داكناً، بينما بقي الجزء المحمي أبيض اللون.

ثم حاول هذان العالمان استخدام هذا الورق المطلي تحت لوحات زجاجية [نسخ سلبية]. فقد أدى الضوء المار عبر الأجزاء الشفافة وشبه الشفافة من اللوحة إلى تغميق الورق، مما أعطاهما صورة سلبية (Negative). واكتشفا أيضاً أن الأشعة الزرقاء للضوء كانت أكثر فاعلية بكثير من الأشعة الحمراء والصفراء.لقد أحرز هذان الرجلان بعض التقدم، لكنهما، مثل البروفيسور تشارلز، توقفا عند حقيقة أنهما لم يستطيعا جعل صورهما دائمة (تثبيتها).لقد جرب توماس ويدجوود والسير همفري ديفي الكاميرا المظلمة أيضاً، من خلال السماح للصورة بالسقوط على ورقة حساسة، لكن الطلاء كان غير حساس بما يكفي لترك أي انطباع مهم عليه.

حوالي عام 1814، بدأ الكيميائي الفرنسي جوزيف نيسيفور نييبس (Joseph Nicéphore Niépce) تجاربه الفوتوغرافية. خلال الفترة من 1823 إلى 1825، عمل على إنتاج صور فوتوغرافية على لوحات معدنية وزجاجية. فقد قام بتغطية لوحات كبيرة بطبقة رقيقة من البيتومين (الأسفلت الطبيعي – Bitumen) المذاب في زيت اللافندر. ثم عرض هذا اللوح لضوء الشمس تحت رسم وُضع على ورق شفاف لجعله أكثر نفاذية للضوء. وبعد حوالي ساعة من التعرض للشمس القوية، أصبح البيتومين الذي كان محمياً من الضوء بواسطة الأجزاء المعتمة من الرسم، غير قابل للذوبان في زيت اللافندر، بينما ذاب البيتومين الذي تعرض للضوء، تاركاً صورة سلبية على اللوح. وبعد غسل البيتومين القابل للذوبان الذي لم يتأثر بالضوء، وضع حمضاً ليأكل المعدن. ولا تزال هذه العملية تُستخدم بصيغة معدلة لصنع أنواع معينة من ألواح الطباعة.

داجير (Daguerre)

ربما كان أفضل هؤلاء المجربين الأوائل شهرة هو لويس جاك ماندي داجير (Louis Jacques Mandé Daguerre)، مخترع عملية الداجيروتايب (Daguerreotype). فقد ولد داجير في باريس عام 1787، وفي حوالي عام 1824 بدأ تجاربه لإيجاد طريقة لتثبيت الصورة المنتجة في الكاميرا. كان رساماً للمناظر الطبيعية، واستخدم الكاميرا كأداة مساعدة في إعادة إنتاج المشاهد الطبيعية.

كان داجير غير ناجح جداً في هذه التجارب، لكنه لم يستسلم. فقد أهمل أعماله التجارية في رسم المناظر الطبيعية وكرّس نفسه لهذه التجارب غير الناجحة بجدية لدرجة أن زوجته أصبحت قلقة على سلامة عقله! وفي عام 1829، دخل داجير في شراكة مع نييبس، حيث اتفقا على تقاسم أي اكتشافات قد يحققانها.

في عام 1837، اكتشف داجير بالصدفة البحتة ما يُعرف الآن بعملية الداجيروتايب. كان يستخدم ألواحاً معدنية مغطاة بطبقة من الفضة واليود، وبعد تعريضها للضوء لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، كان يحصل على صورة خافتة على اللوح المعدني. وفي أحد الأيام، بينما كان يقوم بالتقاط صورة، اختفت الشمس خلف بعض الغيوم، فلم يكن هناك ضوء كافٍ لإعطائه صورة جيدة. لذلك، أوقف التعريض ووضع اللوح المعرض بشكل خفيف في خزانة الكيماويات الخاصة به، بنية استخدامه مرة أخرى عندما تشرق الشمس. وفي صباح اليوم التالي، ولدهشته وسروره، وجد عند التقاطه للوح صورة واضحة ومميزة! فقام بتغطية لوح آخر، وعرضه لضوء أقل، ووضعه في “الخزانة السحرية” (magic-cabinet) طوال الليل. وفي صباح اليوم التالي وجد صورة جميلة أخرى!

لم يعرف داجير سبب هذا التطور الغريب في الصورة. وباستخدام عملية الحذف، قام بتعريض لوح تلو الآخر، ومع كل تعريض كان يزيل بعض المواد الكيميائية من الخزانة. وأخيراً اكتشف أن البخار المنبعث من وعاء من الزئبق هو العامل النشط.أبقى داجير على العملية سراً حتى يونيو 1839، عندما نشر التفاصيل بناءً على طلب الحكومة الفرنسية. وقد مُنح معاشاً تقاعدياً مدى الحياة قدره ستة آلاف فرنك.كانت هذه الداجيروتايب جميلة ولم يُتفوق عليها أبداً في رقة الدرجات اللونية. في الواقع، هي عبارة عن صور سلبية رقيقة جداً مدعومة بالفضة أو أي معدن آخر. وبما أنها صور سلبية، فهي معكوسة من اليمين إلى اليسار (كأنك تنظر في مرآة).

في زمن داجير، كانت الألواح المستخدمة، المغطاة باليود، تتطلب تعريضاً يتراوح بين خمس إلى ثلاثين دقيقة. وقد تم تعديل العملية لاحقاً حتى انخفض وقت التعريض إلى حوالي ثلاثين ثانية. في تلك الأيام، كان التقاط صورة شخصية (بورتريه) يُعد بمثابة محنة حقيقية!قبل أشهر قليلة من نشر عملية داجير، كان هنري فوكس تالبوت (Henry Fox Talbot)، الذي كان يجري تجاربه على الورق المطلي والجلد، قد عرض نتائج هذه التجارب على الجمعية الملكية. وقد أطلق عليها اسم “الرسومات الضوئية” (photogenic drawings). أنتج تالبوت صورة على الورق، بينما كانت صورة داجير على لوحة فضية مصقولة.حصل تالبوت على براءة اختراع عملية الكالوتايب (Calotype أو Talbotype) في عام 1841. وكانت هذه ثالث براءة اختراع بريطانية للتصوير؛ حيث مُنحت البراءتان الأوليان لداجير. وقد منحت هذه البراءة عملية الحصول على صورة سلبية على الورق. وقد كانت شائعة جداً لعدة سنوات، لكنها حلت محلها لاحقاً عملية الكولوديون (Collodion process).في عام 1843، حصل تالبوت على براءة اختراع لاستخدام ثيوكبريتات الصوديوم (الهايبو) لجعل الصور دائمة. وقد اقترح هذه العملية سابقاً السير جون هيرشل في عام 1819. وفي عام 1854، قام تالبوت بطلاء الورق ببياض البيض (الألبومين) لإنتاج سطح لامع.قام مجربون آخرون مثل لو جري (Le Gray) وهانت (Hunt) وبولوك (Pollock) بتطوير هذه الفكرة في أعوام 1851 و1852 و1853، ولسنوات عديدة أصبح ورق الألبومين أحد أكثر عمليات الطباعة شيوعاً. وبقيت مهيمنة حتى ظهور ورق كلوريد الجيلاتين – المعروف باسم ورق “الطباعة بالخروج” (P.O.P. – printing-out paper)، والذي تميز عن ورق التحميض (Developing paper).

أخر المقالات

منكم وإليكم