صراع الإنسان مع ما يمتلك
لا تتوقف قيمة الأشياء في الفن عند أشكالها ووظائفها، بل تتحدد أيضاً بما تثيره من أسئلة حين تنتقل من الحياة اليومية إلى المجال التشكيلي. وفي تجربة الفنان الدكتور علاء بشير، يكتسب الكرسي حضوراً يتجاوز طبيعته المادية، ليصبح عنصراً بصرياً وفكرياً يستكشف من خلاله الفنان علاقة الإنسان بالسلطة والمكانة والحرية، ويكشف التناقض بين رغبة الإنسان في السيطرة وهشاشة وجوده.
من الشيء المألوف إلى الرمز
يخرج الكرسي في هذه التجربة من وظيفته المباشرة بوصفه أداة للجلوس، ليدخل في تكوينات تتجاوز المنطق المألوف للأشياء. ولا تنبع دلالته من شكله وحده، بل من علاقته بالجسد الإنساني وبقية العناصر المحيطة به. فحين يتداخل الكرسي مع الجسد، أو يبدو كأنه يحتضنه ويحدّ من حركته، تنشأ علاقة ملتبسة بين الإنسان والمادة، ويتحول الشيء الذي صنعه الإنسان لخدمته إلى بنية يمكن أن تقيده أو تستحوذ على حضوره.
تكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يقدم فكرة الاستلاب من خلال خطاب مباشر، بل يجعلها تتشكل داخل الصورة. فالجسد، بما يمثله من حياة وإحساس وحركة، يقابل صلابة الخشب وثباته، وتنشأ من هذا التضاد حالة من التوتر البصري تحمل المتلقي على التساؤل عن حدود استقلال الإنسان أمام الأشياء التي تحيط به.
الكرسي والسلطة
يحمل الكرسي في الثقافة الإنسانية دلالات تتصل بالموقع والمكانة والنفوذ. فالكرسي قد يكون مقعداً عادياً، وقد يصبح علامة على امتلاك القرار أو التمتع بامتياز اجتماعي. وفي معالجة علاء بشير، تتيح هذه الدلالات قراءة الكرسي بوصفه صورة للرغبة في السيطرة والتشبث بالموقع، من دون اختزال العمل في معنى سياسي محدد.
وتتعمق هذه القراءة حين ننظر إلى التناقض بين الثبات الذي يوفره الكرسي والقيود التي قد يوحي بها. فالموقع الذي يسعى الإنسان إلى حمايته يمكن أن يتحول إلى عبء، والامتياز الذي يمنحه الشعور بالقوة قد يجعله أسيراً للخوف من فقدانه. ومن هنا يصبح الكرسي أكثر من رمز للسلطة؛ إنه مدخل إلى فهم العلاقة المعقدة بين الإنسان وما يطمح إلى امتلاكه.
الجسد في مواجهة المادة
يشكل الجسد أحد المحاور الأساسية في قراءة هذه الأعمال، ولا سيما حين تتداخل هيئته مع أجزاء الكرسي. فالعلاقة بينهما لا تبدو دائماً واضحة الحدود، بل توحي أحياناً بأن الجسد امتداد للهيكل الخشبي أو أنه محاصر داخله. ويمنح هذا التداخل الصورة طابعاً مقلقاً، لأن ما يفترض أن يكون أداة للراحة يتحول إلى عنصر يهدد حرية الحركة.
وتكتسب هذه المعالجة أهميتها من قدرة الفنان على تحويل العلاقة المادية بين عنصرين إلى سؤال إنساني. فالخشب ليس مجرد خامة صلبة، والجسد ليس مجرد هيئة تشريحية؛ إذ يكتسب كل منهما دلالته من علاقته بالآخر. وهكذا يصبح التكوين مجالاً للتعبير عن التوتر بين الحياة والجمود، وبين إرادة الإنسان والقوى التي تحدّ من حريته.
الكرسي والجمجمة: حدود القوة
حين تجتمع هيئة الكرسي مع الجمجمة، يتسع المجال التأويلي للعمل. فالجمجمة تحيل إلى الموت ونهاية الوجود الجسدي، بينما يمكن للكرسي أن يستحضر السلطة أو المكانة أو الاستقرار. ويضع هذا التقابل الرغبة في الامتلاك أمام حقيقة الفناء، ويثير تساؤلات عن قيمة النفوذ والامتيازات حين يواجه الإنسان مصيره المحتوم.
ولا تتطلب هذه العلاقة تفسيراً واحداً أو رسالة أخلاقية جاهزة؛ فقوة الصورة تكمن في إبقاء التناقض قائماً بين ما يسعى الإنسان إلى تحقيقه وما لا يستطيع التحكم فيه. فالكرسي الذي يوحي بالثبات لا يضمن البقاء، والمكانة التي يتنافس الناس عليها لا تمنح أصحابها حصانة من النهاية.
البناء التشكيلي وأثره
تستمد معالجة الكراسي جانباً من قوتها من التفاعل بين دقة التفاصيل والغرابة في تركيب العناصر. فالمعالجة الواقعية تمنح الأشكال حضوراً محسوساً، بينما يؤدي وضعها في علاقات غير مألوفة إلى زعزعة استقرار المشهد وفتح المجال أمام التأويل. كما يسهم توزيع الضوء والظل في إبراز الأجزاء الأساسية، وتعزيز التباين بين الكتل والفراغات، وتوجيه النظر نحو مواضع التوتر داخل التكوين.
ولا تعمل هذه العناصر بوصفها وسائل زخرفية منفصلة عن الفكرة، بل تتكامل مع بنية الصورة. فاختيار موضع الكرسي، وعلاقته بالجسد، وطريقة ظهوره في الفضاء، كلها عوامل تسهم في إنتاج المعنى. وبذلك تصبح اللغة التشكيلية نفسها وسيلة للتفكير، لا مجرد إطار يحمل فكرة مقررة سلفاً.
خاتمة
تكشف تجربة الكراسي عند علاء بشير عن قدرة عنصر يومي بسيط على احتضان أسئلة إنسانية وفلسفية واسعة. فالكرسي يتجاوز دلالته الوظيفية ليصبح علامة محتملة على السلطة والعزلة والاستلاب، ووسيلة للتأمل في العلاقة بين الإنسان وما يصنعه ويسعى إلى امتلاكه. ومن خلال التداخل بين الجسد والمادة، وبين الثبات والحركة، وبين الرغبة في السيطرة وحقيقة الفناء، يضع الفنان المتلقي أمام مفارقة أساسية: قد يظن الإنسان أنه يملك الأشياء، لكنه قد يجد نفسه خاضعاً لما تمنحه له من مكانة وما تفرضه عليه من قيود.
وهنا تكمن أهمية هذه التجربة؛ فهي لا تكتفي بتحويل الكرسي إلى رمز، بل تجعل منه سؤالاً مفتوحاً عن الحرية والسلطة وحدود السيطرة، وعن قدرة الإنسان على الاحتفاظ بإنسانيته وسط عالم قد تتحول فيه وسائل القوة والامتلاك إلى أسباب لفقدان الذات.
اعداد :#ماجد قره#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.
#.


