بقلم د.علي خليفة
أنشودة السلام
الحلم المستحيل في مسرح توفيق الحكيم
(1)
السلام أنشودة جميلة عذبة الوقع على الآذان، وتنشرح لها الصدور، ولكنها صعبة التحقيق في عالم الإنسان على الأرض؛ ولهذا رأينا الأدباء والفنانين يتغنون بها، ويحلمون بتحقيقها، ويراها المفكرون المدخل الحقيقي للمدن الفاضلة التي رسموها من أذهانهم.وكثير من كتاب المسرح عبروا عن حبهم للسلام وأملهم في أن يسعد البشر كلهم ويتخلصوا من نوازع الطمع والتدمير التي عندهم، ولعل أرسطوفان كان أول من كتب مسرحية ينادي فيها بتحقيق السلام بين بني البشر كلهم، وكان ذلك في مسرحية “السلام” التي قدّم فيها رؤية فانتازية، فتخيل أن ربَّة السلام الوثنية عند الإغريق قد حبسها إله الحرب الوثني في جب عميق، وتطوع أحد أبناء اليونان وهو تريجيوس، فصعد للسماء على ظهر خنفساء، واستطاع أن يخلص ربة السلام من محبسها، وعاد بها للأرض، وعند ذلك ساد السلام ربوع الأرض كلها، ولم يعد للأسلحة قيمة، وأفلس المتاجرون بها، واهتم الناس بالأعمال التي تعود على البشرية بالخير كالزراعة والصناعة والتجارة.والكاتب الكبير وليم شكسبير كان – فيما يبدو – يصوّر من خلال المعارك التي تجري في مسرحياته عواقب المعتدين والمتآمرين؛ وبهذا فقد كان يرى أن أي اعتداء على السلم العام لا بد أن يعقبه تدمير يعود أثره على هؤلاءء الذين بدءوا بالاعتداء، أو قاموا بالتآمر، كما نرى في مسرحية ماكبث، ومسرحية “يوليوس قيصر”.وعندما اكتوى الناس في شتى ربوع العالم بالدمار الذي حل بالأرض بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية كثرت أصوات كتاب المسرح المنادين بالسلام والمحذرين من الحروب وآثارها المدمرة، فنرى سارتر في مسرحية نساء طروادة يوضح أثر الحروب فيما تخلفه من خراب ودمار وقتل، وحتى المنتصر فيها لا يسلم من آثارها البشعة، وكذلك كان بريشت من أشد المعارضين للحروب بعد أن رأى التدمير الذي لحق بالعالم مع وجود قادة ذوي أطماع كبيرة كهتلر وموسوليني؛ ولهذا كتب بعض مسرحياته التي يدعو فيها للسلام ويقاوم الحروب ومنها مسرحية “محاكمة لوكولوس”.وجون إرفن هاجم الحروب والعلماء الذين يخترعون الأسلحة المدمرة في مسرحية “من أجل ولدي”.واشتدت شكوى كتاب المسرح الطليعي من الحروب، وعبروا عن عبثية الإنسان في أنه يدعي الرغبة في السلام، وهو في الوقت نفسه يطور الأسلحة المدمرة التي تعود عليه بالقتل وعلى الأرض بالخراب؛ ولهذا رأينا الكاتب السويسري فريدريش دورينمات في مسرحية “علماء الطبيعة” يصوّر لنا عالمًا من علماء الفيزياء اضطر أن يدعي الجنون، ويصبح نزيل مستشفى خاص للأمراض العقلية؛ وذلك حتى لا يضطر أن يخترع أسلحة مدمرة لإحدى الدول العظمى.وحتى كتاب العبث سخروا من الحروب، ورأوا فيها أوضح دليل على مبادئهم في العبث؛ ولهذا رأينا يوجين يونسكو يعيد صياغة مسرحية ماكبث لشكسبير ولكن بأسلوب عبثي، ويصور الاغتيالات والحروب فيها برؤية عبثية واضحة، وذلك في مسرحية “ماكبث”.
(2)
ومن الحق أن كاتبنا الكبير توفيق الحكيم من أكثر كتاب المسرح في العالم دعوة للسلام ومعاداة للحروب، وذلك بالنظر إلى مسرحياته العديدة التي دعا فيها للسلام وهاجم فيها الحروب.ويمكن أن نقسم مسرحيات توفيق الحكيم التي دعا فيها للسلام إلى قسمين: القسم الأول منها دعا فيها بوضوح للسلام وحبب الناس كلهم فيه، والقسم الثاني عالج فيه قضية الحروب، وهاجمها، ووضح آثارها المدمرة على البشرية، ومن خلال مهاجمته الحروب وضحت دعوته غير المباشرة فيها للسلام.وقد دعا توفيق الحكيم للسلام بشكل مباشر في مسرحية أشواك السلام، وتعد هذه المسرحية لتوفيق الحكيم أكثر مسرحية فيها قدر من التفاؤل في تحقيق السلام في الأرض. وفيها يدعو توفيق الحكيم على لسان بطلها الدبلوماسي الشاب للسلام، ويرى أن تحقيقه على الأرض أمر وارد.وكذلك نرى توفيق الحكيم في مسرحية “الدنيا رواية هزلية” يدعو للسلام بشكل مباشر من خلال دعوة أحد رؤساء الدول العظمى لتدمير الأسلحة الذرية والهيدروجينية التي يمكن أن تدمر البشرية كلها.وفي هاتين المسرحيتين – على وجه الخصوص – بدت دعوة توفيق الحكيم للسلام، وفي مسرحية أشواك السلام أعطى بصيصًا من الأمل في تحقيق السلام على الأرض كلها، ولكن ما عرضه في هذه المسرحية من إمكانية تحقيق السلام على الأرض بقي في إطار الأمل والأنشودة المرغوبة.أما مسرحية الدنيا رواية هزلية فقد عكس في مشهد منها رغبة أحد قادة العالم – وهو الرئيس الأمريكي كيندي – في القضاء على الأسلحة النووية والهيدروجينية والذرية، ولكن تم اغتياله قبل أن يحقق هذا الحلم.ولا شك أن مسرحية الدنيا رواية هزلية تقدم رؤية تشاؤمية عن تحقيق السلام في الأرض؛ وذلك لأن الأصوات العاقلة الحكيمة التي تنادي بالسلام فيها يقضي عليها بالاغتيال والقتل. وكذلك صور لنا توفيق الحكيم في أحد مشاهد هذه المسرحية أثر التجارب الذرية في تدمير الأرض وإفساد البحار والأسماك التي تعيش فيها، بما يعود ذلك على الإنسان بالأمراض والموت.وفي القسم الثاني من المسرحيات التي دعا توفيق الحكيم فيها للسلام نراه يصوّر فيها بشاعة الحروب، ولا شك أن الحرب العالمية الثانية بويلاتها كان لها آثار كبيرة على توفيق الحكيم في كتابته هذه المسرحيات التي توضح مخاطر الحروب وآثارها المدمرة على الإنسان والأرض وما فيها بشكل عام.وتبدو مسرحية “صلاة الملائكة” التي كتبها توفيق الحكيم في بداية الحرب العالمية الثانية سنة 1941 تراجيديا، توضح آلام الإنسان في الحروب، وكيف أن كل أبناء الإنسانية يسعون للسلام سوى قادة بعض الدول العظمي الذين يرغبون من خلال إشعال الحروب في نهب ثروات الدول الضعيفة، أو في تلميع صورهم عبر التاريخ، من خلال ما يظنونه من أمجاد يحققونها في تلك الحروب.وفي مسرحية “شاعر على القمر” يرى توفيق الحكيم أن وصول الإنسان للقمر والكواكب الأخرى لا يعني إلا أن تنتقل حروب الإنسان لكواكب أخرى جديدة.وفي مسرحية “تقرير قمري” يتصور توفيق الحكيم أن بالقمر كائنات أخرى شفافة نزلت للأرض، وهالها النزعة التدميرية التي لدى قادة بعض الدول العظمى، وفي هذه المسرحية – على وجه الخصوص – يبدو تشاؤم توفيق الحكيم من تحقيق السلام على الأرض، حتى إنه يرى أنه لا خلاص للإنسان من انتهاء الحروب على الأرض إلا بالتمرد ونزع العقل، فعقل الإنسان – كما يرى توفيق الحكيم في هذه المسرحية- بدلاً من أن يوجه الإنسان للخير والسلام إذا به يوجهه للسيطرة والاستحواذ والتملك والاعتداء؛ ولهذا لا خلاص للإنسان من كل هذه السياسات العدائية في الأرض إلا بأن يتخلص الإنسان من عقله، ولا شك أن في هذا مفارقة كبيرة.وفي مسرحية “لعبة الموت” يصور توفيق الحكيم أثر الإشعاعات الذرية حتى على غير المحاربين، فهى إشعاعات مدمرة تصيب المدنيين كما تصيب العسكريين. وقد عرض لنا توفيق الحكيم في أحد مشاهد مسرحية “الدنيا رواية هزلية” موقفًا شبيهًا بهذا، حين صور بها إصابة بعض الأشخاص المسالمين بالإشعاعات الذرية.وحين يتطلع توفيق الحكيم للمستقبل يزداد تشاؤمه من استطاعة الإنسان تحقيق السلام على الأرض، كما نرى في مسرحية رحلة إلى الغد، فالحكيم يرى أن التقدم العلمي المنتظر في المستقبل لن ينعكس على سلوك الإنسان بأن يكون أكثر ميلاً للسلام ولحب إخوانه في الإنسانية.ونرى توفيق الحكيم يصعد من تشاؤمه في تحقيق السلام على الأرض في مسرحية “الشيطان في خطر”، فتأتي المفارقة فيها من كون الشيطان هو الذي يخشى من انفجار حرب عالمية ثالثة تأتي على الأخضر واليابس، وتنذر بقيام الساعة، فيعاقب من الله على عصيانه بالخلود في النار.وفي ظل تشاؤم توفيق الحكيم من تحقيق السلام على الأرض يصور السلام في مسرحية “بين الحرب والسلام” شخصًا ساذجًا تستطيع السياسة أن تخدعه بسهولة، ولا يسعه إلا أن يهرب بجلده منها، متخوفًا من مكرها ومن زوجها الضخم المهول الحرب.وهكذا رأينا توفيق الحكيم في مسرحياته التي عبر فيها عن قضية الحرب والسلام يبدو متشائمًا من تحقيق السلام على الأرض باستثناء مسرحية واحدة رأينا فيها بصيصًا من أمل في تحقيق السلام على الأرض، وهى مسرحية “أشواك السلام”، التي نظن أن توفيق الحكيم قد كتبها خلال عمله مندوبًا عن مصر في منظمة اليونسكو، وكان يأمل في أن يتحقق السلام في الأرض من خلال عمله في هذه المنظمة العالمية.
(3)
وفي ظل تشاؤم توفيق الحكيم من تحقيق السلام على الأرض يُشْهِدُ كائنات أخرى غير البشر على سلوك الإنسان العدواني على الأرض، فنراه في مسرحية صلاة الملائكة يتصوّر ملكًا ينزل إلى الأرض محاولاً أن يوقف الحرب العالمية الثانية فيها، ولكنه يعجز عن ذلك، ويسخر بعض قادة الدول العظمى المفجرين للحروب منه، ويعود هذا الملك للسماء، ولا يسعه إلا أن تزداد شفقته على الإنسان في الأرض، ويدعو باقي الملائكة للصلاة عسى أن تتوقف الحروب أو تقل وطأتها على الأرض.ويتصور توفيق الحكيم أن في بعض الكواكب كائنات أخرى لها نفوس سامية راقية؛ ولهذا تتعجب من سلوك الإنسان العدواني على الأرض، كما رأينا ذلك في مسرحية “شاعر على القمر”، ومسرحية “تقرير قمري”.وتأتي المفارقة الكبرى حين يصور توفيق الحكيم الشيطان متخوفًا من أن تحدث حرب عالمية ثالثة تدمر الأرض كلها، وتعجل بحسابه ودخوله النار في الآخرة، كما نرى في مسرحية “الشيطان في خطر”.ومن هنا فالحكيم يرى أن بعض قادة دول العالم العظمى أشد شرًّا وفسادًا في دعوتهم للحروب والتدمير من الشيطان نفسه.
(4)
ونستنتج أيضًا من المسرحيات التي تناول فيها توفيق الحكيم قضية الحرب والسلام أنه كان شديد العداوة للحروب إلا ما كان منها دفاعًا عن الأوطان، ومن أجل إعادة الحقوق لأصحابها، كما رأينا في تصويره لبطولة بعض المصريين خلال حرب 48 مع الإسرائيليين بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، وذلك في مسرحية “ميلاد بطل”.وأيضًا أظهر توفيق الحكيم السلطان في مسرحية “السلطان الحائر” في صورة البطل المنتصر الذي يمتدح الناس انتصاراته في الحروب؛ لأنه كان يحارب التتار المعتدين على بلاد العرب والمسلمين.
(5)
ومع هذه النبرة المتصاعدة من التشاؤم من تحقيق السلام على الأرض نرى توفيق الحكيم يعرض الأسباب التي تحول دون ذلك، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب رغبة بعض قادة الدول العظمى في السيطرة على ثروات الدول الأخرى، وتلميع أنفسهم على صفحات التاريخ، كما نرى ذلك في مسرحية “تقرير قمري” ومسرحية “صلاة الملائكة”.وأيضًا من الأسباب التي رآها توفيق الحكيم تؤدي استحالة قيام السلام على الأرض الرغبة المستمرة بين الدول العظمى في التسليح، واختراع أسلحة أكثر تدميرًا من ذرية وهيدروجينية، كما نرى في مسرحية “صلاة الملائكة” ومسرحية “تقرير قمري” ومسرحية “الدنيا رواية هزلية” ومسرحية “لعبة الموت”.وكذلك من الأسباب التي رآها توفيق الحكيم تحول دون قيام السلام على الأرض نزعات الشك الكبيرة عند قادة دول العالم الكبرى بعضهم في بعض، وهذا الشك يؤدي للحذر، والحذر يؤدي للخوف، والخوف يؤدي لمزيد من الاستعداد بالتسليح، واختراع أسلحة مدمرة، وقد صور لنا هذا توفيق الحكيم في مسرحية “أشواك السلام”.
(6)
وخلال عرض توفيق الحكيم لقضية السلام والحرب في مسرحياته نراه دائم المقارنة بين رجل العلم ورجل السياسة، وهو يرى أن رجل العلم لا يلتقي مع رجل السياسة إلا مضطرًّا؛ لأنه لا يرغب في أن يستخدم علمه في التدمير والتخريب للبشرية والأرض.وخلال هذا الصراع بين رجل العلم ورجل السياسة في مسرح توفيق الحكيم نرى رجل الدين يقترب من رجل العلم، ويصبحان صوتًا واحدًا خلال التصدي للقادة ورجال السياسة الداعين للحروب في الدول العظمى، كما نرى في مسرحية صلاة الملائكة.وقد يدفع رجل العلم ضريبة تمسكه بمبادئه في استغلال العلم من أجل نفع البشرية فقط باختراع اختراعات توفر لها الطعام بوسائل سهلة، وليس من أجل اختراع أسلحة مدمرة – باستعداء رجال السياسة وكبار القادة في الدول العظمى له، كما نرى في مسرحية “صلاة الملائكة” ومسرحية “تقرير قمري”.وتأتي المفارقة في أن يتوافق الشيطان مع رجال الفكر في سبيل التصدي لرجال السياسة والقادة الداعين للحروب في الدول العظمى، كما نرى في مسرحية “الشيطان في خطر”.
(7)
وقد تعدّدت وتنوعت الشخصيات المطالبة والداعية للسلام وقت الحروب في مسرحيات توفيق الحكيم، ومن الواضح فيها أن الشعوب في كل دول العالم، بما في ذلك دول العالم العظمى تطالب بالسلام وترغب فيه، ويبقى قادتها هم الذين يحولون دون تحقيق السلام الحقيقي في الأرض، وقد عرض هذا توفيق الحكيم في مسرحية “أشواك السلام”. ومن الشخصيات الداعية للسلام في مسرح توفيق الحكيم رجال الدين ممثلة في رجل الدين في مسرحية “صلاة الملائكة”، وإن كنا نراه قد وصل لليأس من إمكانية تحقيق السلام على الأرض، للدمار الكبير الذي حدث للأرض في الحرب العالمية الثانية.وكذلك كان العلماء من أهم الطوائف مطالبة ودعوة للسلام في مسرح توفيق الحكيم، وقد صور توفيق الحكيم في بعض مسرحياته التي دعا فيها للسلام وهاجم الحروب علماء يحاولون مقاومة الحروب، من خلال اختراع اختراعات توفر الغذاء لكل إنسان بتكاليف رخيصة جدًّا؛ لأن توفير الغذاء للجميع – من وجهة نظر توفيق الحكيم – يقضي على الحروب بين بني البشر، وقد عرض توفيق الحكيم هذه الرؤية في مسرحية “تقرير قمري” ومسرحية “صلاة الملائكة” ومسرحية “الطعام لكل فم”.ولكن توفيق الحكيم يرى أن بعض العلماء حتى لو اخترعوا هذه المخترعات التي توفر الغذاء للجميع بسهولة ودون تكلفة فلن يمكنهم قادة الدول العظمى من نشرها؛ لأنها ستؤثر على نفوذهم على دول العالم الفقيرة التي تلجأ إليهم في غذائها؛ ولذلك تخضع لهم، وقد صور هذا توفيق الحكيم في مسرحية “تقرير قمري”، حين رأينا أحد قادة الدول العظمى يأمر بإعدام عالم صيني اخترع اختراعًا يمكن من خلاله توفير الغذاء من الهواء والماء لكل الناس.وأيضًا توصل عالم آخر لهذا الاختراع في مسرحية “صلاة الملائكة”، فكان عقابه أن أهمل من قبل قادة دول العالم الكبرى وساسته؛ لأنهم لا يريدون منه هذه الاختراعات، بل يريدون اختراع أسلحة فتاكة، وهذا ما رفض تنفيذه لهم، فأهملوه واحتقروا شأنه.ونرى العقلاء والحكماء يسعون لنشر السلام في مسرحيات توفيق الحكيم التي يدعو فيها للسلام ويهاجم الحروب، كما نرى في مسرحية “أشواك السلام”، ففيها نرى شابًّا دبلوماسيًّا عاقلاً مهذبًا يسعى من خلال منظمة اليونسكو لنشر السلام في العالم، ويرى أن هناك أملاً في إقناع قادة الدول العظمى في العالم بحسن نوايا الجميع منهم، وأنه قد حان الوقت لنشر السلام في العالم كله.وتبدو هذه الفئة من الناس أكثر الفئات تفاؤلاً في مسرح توفيق الحكيم في تحقيق السلام على الأرض.ولا غرابة في أن يكون الشعراء الحالمون وأصحاب القلوب النقية هم من أكثر الناس دعوة للسلام، ونبذ الحروب؛ ولهذا رأينا شاعرًا في مسرحية “شاعر على القمر” يدعو للسلام، ويستغرب أن يقوم عالما الفضاء في دولته بوضع علم دولتهم فقط فوق سطح القمر، ورأى بهذا أن الفكر العنصري لا زال يصاحب الإنسان حتى مع غزوه الكواكب الأخرى غير الأرض.وفي مسرحية “صلاة الملائكة” يبدو المَلَكُ الأول بروحه الشفاف والفتاة الرقيقة التي أعطته تفاحة من الأرض من أشد الداعين للسلام والنابذين للحروب.وحين يرى توفيق الحكيم أن تحقيق السلام مستحيلاً أو كالمستحيل لا يرى غير وجه واحد لمقاومة الحروب، وهو التخلي عن العقل والتمرد عليه كما نرى في مسرحية “تقرير قمري”، فالحكيم يرى فيها أنه لم يبق أمام الشباب لإيقاف الحروب التي يثيرها قادة الدول العظمى غير أن يتمردوا على العقل والتعقل، وينشروا الفوضى؛ وبهذا يمكن إيقاف الحروب في المستقبل. والغريب في الأمر أن نرى الشيطان رمز الشر والفساد في الأرض يسعى في مسرحية “الشيطان في خطر” لإيقاف الحروب، خشية أن تحدث حرب عالمية ثالثة تقضي على الأخضر واليابس وتقوم الساعة، ويتم تخليده في النار.ويتأثر توفيق الحكيم بأرسطوفان في مسرحية “السلام”، فيشخص السلام في هيئة شخص في مسرحية “بين الحرب والسلام”، ولكنه يعرضه شخصًا ضعيفًا ساذجًا، فهو مطارد من الحرب، ويسهل على السياسة أن تخدعه ببساطة، ولا يسعه إلا أن يفر منها ومن زوجها الحرب لينجو بحياته، بعد أن يئس من اجتذابها إليه وإبعادها عن الحرب.
(8)
وهكذا رأينا توفيق الحكيم في كثير من مسرحياته يدعو للسلام بين بني البشر كلهم، وليس بين طائفة أو طوائف محددة منه، ومن هنا تبدو رؤيته الإنسانية في مسرحياته التي تعرض فيها لقضية السلام ونبذ الحروب.وقد رأينا أن توفيق الحكيم يغلب عليه الحسّ التشاؤمي من تحقيق السلام في الأرض؛ ولهذا كانت بعض مسرحياته هذه تراجيدية، وتنتهي بالموت كمسرحية “صلاة الملائكة”، أو تنتهي بالفوضى والسعي للجنون كمسرحية “تقرير قمري”، ومع ذلك يبقى أمل ضعيف عند توفيق الحكيم في أن يسود السلام الأرض رأيناه في مسرحية “أشواك السلام”.


