الجملة في المنظور التداولي: من البنية اللغوية إلى الفعل التواصلي


مقدمة

لم تعد الجملة في الدراسات اللسانية الحديثة تُدرس باعتبارها بنية نحوية مغلقة تتكون من مجموعة من العناصر والعلاقات التركيبية فحسب، بل أصبحت موضوعًا للتحليل من زوايا متعددة تتجاوز حدود النظام اللغوي إلى سياق الاستعمال والتفاعل بين المتكلمين. وفي هذا الإطار، جاءت التداولية لتعيد النظر في مفهوم الجملة، من خلال ربطها بمقاصد المتكلمين وشروط إنتاج الخطاب والظروف المقامية التي تسهم في تحديد المعنى.

فإذا كانت اللسانيات البنيوية والتوليدية قد اهتمت، بدرجات مختلفة، بوصف البنية اللغوية وقواعد انتظامها، فإن التداولية نقلت الاهتمام إلى اللغة وهي تُستعمل في سياقات اجتماعية وتواصلية محددة، حيث لا يتوقف المعنى عند الدلالة المعجمية والتركيبية، بل يتشكل أيضًا من خلال القصد والاستلزام والافتراض والسياق.

أولًا: من الجملة النحوية إلى الجملة المستعملة

تُعرَّف الجملة في التصورات النحوية التقليدية باعتبارها وحدة تركيبية تتألف من عناصر تربط بينها علاقات إسنادية أو تركيبية، وتخضع لقواعد محددة تضبط بناءها وسلامتها. غير أن هذا التعريف لا يكفي لتفسير الكيفية التي تؤدي بها الجملة وظائفها في التواصل اليومي.

فالجملة الواحدة قد تتخذ دلالات مختلفة تبعًا للسياق الذي ترد فيه، كما قد تؤدي صيغ تركيبية متباينة وظيفة تواصلية واحدة. فعندما يقول المتكلم: «الجو بارد هنا»، فإن هذه الجملة لا تقتصر بالضرورة على الإخبار عن حالة الطقس، بل قد تكون طلبًا غير مباشر لإغلاق النافذة.

وهكذا تكشف المقاربة التداولية أن الجملة لا تُفهم بمعزل عن مقام التلفظ، وأن معناها يتجاوز ما تحمله بنيتها اللغوية من دلالات مباشرة.

ثانيًا: الجملة والفعل الكلامي

يمثل مفهوم الفعل الكلامي أحد المرتكزات الأساسية في دراسة الجملة تداوليًا، خصوصًا مع أعمال الفيلسوف البريطاني جون أوستن، الذي بيّن أن اللغة لا تُستخدم لوصف العالم فقط، وإنما تُستخدم أيضًا لإنجاز أفعال داخله.

وقد ميز أوستن بين ثلاثة مستويات للفعل الكلامي:

  1. فعل القول: ويتمثل في إنتاج عبارة لغوية ذات بنية صوتية وتركيبية ودلالة معينة.
  2. الفعل المتضمن في القول: ويتمثل في القوة الإنجازية التي يحققها المتكلم، مثل الأمر والوعد والاعتذار والتحذير.
  3. الفعل الناتج عن القول: ويتمثل في الأثر الذي يحدثه القول في المتلقي، كالإقناع أو التخويف أو الإضحاك.

وقد طور جون سيرل هذه النظرية، وصنف الأفعال الكلامية إلى فئات أساسية، منها الإخباريات والتوجيهيات والالتزاميات والتعبيريات والإعلانيات.

ومن هذا المنطلق، لا تُدرس الجملة وفق صورتها التركيبية وحدها، وإنما وفق الفعل الذي تنجزه في مقام التواصل.

فالجملة «أغلق الباب» تؤدي وظيفة الأمر، بينما تؤدي جملة «هل يمكنك إغلاق الباب؟» وظيفة الطلب، على الرغم من اختلاف البنية النحوية بينهما.

ثالثًا: الجملة والسياق التداولي

يشكل السياق عنصرًا حاسمًا في إنتاج المعنى وتفسيره، إذ لا يمكن فهم كثير من الجمل دون استحضار الظروف التي قيلت فيها، وهوية المتكلمين، والعلاقة التي تجمع بينهم، والمعرفة المشتركة التي يتقاسمونها.

ويمكن التمييز بين مستويات متعددة للسياق:

  • السياق اللغوي: ويتمثل في العناصر والعبارات المحيطة بالجملة داخل الخطاب.
  • السياق المقامي: ويتعلق بظروف التلفظ ومكانه وزمانه وأطرافه.
  • السياق الاجتماعي: ويرتبط بالعلاقات الاجتماعية والثقافية التي تؤطر عملية التواصل.
  • السياق المعرفي: ويتصل بالمعلومات والافتراضات المشتركة بين المتكلم والمخاطب.

وتبرز أهمية السياق في تفسير الإحالات والضمائر والإشاريات، مثل: أنا، أنت، هنا، الآن، غدًا؛ إذ لا يمكن تحديد مرجعها إلا بالعودة إلى مقام التلفظ.

رابعًا: الجملة والافتراض المسبق

يُعد الافتراض المسبق من الظواهر التداولية التي تكشف عن وجود معانٍ ضمنية تستند إليها الجملة دون أن تصرح بها بصورة مباشرة.

فعندما نقول: «توقف الباحث عن نشر مقالاته»، فإن الجملة تفترض مسبقًا أن الباحث كان ينشر مقالاته قبل ذلك.

وهذا يعني أن فهم الجملة لا يتطلب استيعاب مضمونها الصريح فقط، بل يستدعي كذلك استحضار المعلومات التي تفترضها بنيتها اللغوية.

وقد أسهمت أعمال فلاسفة اللغة، ومنهم بول غرايس، في توسيع البحث في المعنى غير المصرح به، من خلال دراسة الاستلزام الحواري والمبادئ التي تحكم التواصل بين المتكلمين.

خامسًا: الجملة والاستلزام الحواري

لا يقتصر التواصل على المعاني التي تعبر عنها الجمل بصورة مباشرة، بل يتضمن معاني يستنتجها المخاطب اعتمادًا على المقام ومبادئ التعاون الحواري.

ومن الأمثلة على ذلك:

المتكلم الأول: هل أعجبك العرض؟

المتكلم الثاني: الممثلون كانوا متميزين.

لا يقدم المتكلم الثاني جوابًا مباشرًا عن السؤال، لكنه قد يوحي بأن العرض لم يكن ناجحًا من جميع جوانبه، أو أن عناصره الأخرى لم تكن في المستوى المطلوب.

وهنا يظهر الفرق بين ما تقوله الجملة حرفيًا وما تقصده في سياق الاستعمال.

وقد وضع غرايس مبدأ التعاون الحواري، وحدد له أربع قواعد كبرى: الكم والكيف والعلاقة والطريقة، وهي قواعد تساعد على تفسير المعاني التي يستنتجها المتخاطبون خارج حدود الدلالة الحرفية.

سادسًا: الجملة بين المعنى والقصد

تؤكد التداولية أن المعنى لا يتحدد انطلاقًا من البنية اللغوية وحدها، وإنما يتشكل من التفاعل بين الدلالة والقصد والسياق. فقد يستخدم المتكلم صيغة استفهامية لا لطلب المعرفة، وإنما للتوبيخ أو التعجب أو الإنكار.

فالسؤال: «أهذا وقت العودة؟» قد لا يكون استفهامًا حقيقيًا، بل يحمل قوة إنجازية تتمثل في العتاب أو الاحتجاج.

وبذلك يصبح القصد التواصلي عنصرًا أساسيًا في تحليل الجملة، لأنه يفسر الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المقصود.

خاتمة

يتضح أن المقاربة التداولية أحدثت تحولًا مهمًا في دراسة الجملة، إذ نقلتها من مستوى البنية اللغوية المجردة إلى مستوى الاستعمال والتفاعل التواصلي. فلم تعد الجملة مجرد وحدة تركيبية تخضع لقواعد النحو، بل أصبحت فعلًا لغويًا ينجزه المتكلم لتحقيق غايات محددة داخل سياق اجتماعي ومعرفي.

ومن ثم، فإن تحليل الجملة تداوليًا يقتضي الجمع بين البنية والدلالة والمقام والقصد، مع مراعاة ما تنتجه من أفعال كلامية وافتراضات مسبقة واستلزامات حوارية. وهذا ما يجعل التداولية امتدادًا ضروريًا للدراسة اللسانية، لأنها تسعى إلى تفسير كيفية اشتغال اللغة في الحياة التواصلية، لا مجرد وصف نظامها الداخلي.
المراجع

  1. Austin, J. L. (1962). How to Do Things with Words. Oxford University Press.
  2. Searle, John R. (1969). Speech Acts: An Essay in the Philosophy of Language. Cambridge University Press.
  3. Grice, H. P. (1989). Studies in the Way of Words. Harvard University Press.
  4. Levinson, Stephen C. (1983). Pragmatics. Cambridge University Press.
  5. Yule, George (1996). Pragmatics. Oxford University Press.
  6. Mey, Jacob L. (2001). Pragmatics: An Introduction. Blackwell.

أخر المقالات

منكم وإليكم