دراسة جمالية بقلم أ.د. وسام علي الخالدي
ديوان “جسد… جسد” للشاعر الطيب هلو ليس قصيدة طويلة، بل هو نسيج لغوي متوتر، ينبض بتجربة شعرية جريئة تتسلل إلى تخوم الجسد بوصفه فضاءً معرفيًا، رمزيًا، وإيروتيكيًا. في هذا العمل، لم يُقدَّم الجسد كموضوع فحسب، بل ككائن لغوي، كخطاب يتقاطع فيه الحسي بالميتافيزيقي، والذاتي بالجمعي، والمرئي بالمضمر.لقد انطلق الشاعر من تصور للجسد بوصفه معبرًا عن الهوية، عن الذاكرة، عن الرغبة، وعن التمزق الداخلي. فالجسد هنا ليس جسدًا بيولوجيًا، بل هو جسدٌ متخيل، مشحون بالدلالات، متشظٍّ بين المعقول والمدلول والمأمول، كما أشار الناقد مصطفى سلوي في قراءته للديوان. هذا التمفصل الثلاثي يفتح الباب أمام قراءة متعددة المستويات، حيث يتداخل الجسد الواقعي بالجسد الرمزي، ويغدو كل عضو وكل حركة وكل همسة، استعارةً لشيء أعمق.ففي إحدى شذراته يقول:”أجسُّ نبضي فيكِ، لا لأطمئن، بل لأتأكد أنني حيٌّ بكِ”هنا يتحول الجسد إلى مرآة للآخر، إلى وسيلة للوجود، لا بوصفه ذاتًا مستقلة، بل ككائن يتغذى من الحضور العاطفي، من التماس الحسي، من التماهي مع المحبوب. الجسد في هذا السياق ليس ملكًا للشاعر، بل هو استعارة للاندماج، للذوبان، للانمحاء في الآخر.وفي موضع آخر، يكتب:”أعضائي لا تتذكرني، إلا حين تكتبكِ”الكتابة نفسها تصبح فعلًا جسديًا، امتدادًا للحم، للنبض، للذاكرة الحسية. فالشاعر لا يكتب بالكلمات، بل بالأعضاء، بالجلد، بالدم، وكأن اللغة تنبع من الجسد لا من العقل. هذا التداخل بين اللغة والجسد يخلق شعرية خاصة، حيث تتحول القصيدة إلى جسد حي، نابض، يتنفس، يتألم، ويشتهي.
الطيب هلو، في هذا الديوان، يستثمر مرجعيات متعددة: فلسفية، صوفية، لغوية، وجمالية. فهو يستحضر الجسد كما تمثّل في الثقافة العربية، من خلال آليات المبالغة، المشابهة، التركيب، والإضمار، كما بيّن في كتابه النقدي “متخيل الجسد في الثقافة العربية”. هذه الآليات تظهر جليًا في بناء الصور الشعرية، حيث تتكثف الاستعارات، وتتشابك الرموز، وتغدو القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا.ومن الصور اللافتة قوله:”نهداكِ… كوكبانِ لا يدوران حول الشمس، بل حول شهوتي”هنا تتجلى الإيروتيكية بوصفها خطابًا شعريًا، لا مبتذلًا، بل مشحونًا بالرمزية، بالتمثيل الكوني، حيث يتحول الجسد الأنثوي إلى مركز للكون، إلى مدار للوجود، إلى نقطة انبثاق للمعنى.وعليه فان ديوان “جسد… جسد” هو تجربة شعرية تتجاوز المألوف، تكتب الجسد لا بوصفه موضوعًا، بل بوصفه لغةً، خطابًا، وكونًا. إنه عمل يتطلب قارئًا متأملًا، قادرًا على الغوص في طبقات المعنى، وعلى الإصغاء إلى نبض الكلمات كما يُصغى إلى نبض القلب.
اذ تجلت قدرة الطيب هلو على تحويل الجسد إلى نصٍّ مفتوح، إلى حقل دلالي لا نهائي، حيث تتقاطع فيه الأزمنة، وتتمازج فيه الأصوات، وتتشظى فيه الذات بين الرغبة والذاكرة والغياب. فالجسد ليس فقط موضوعًا للكتابة، بل هو كاتبٌ أيضًا، يخطّ بلحمِه ما تعجز اللغة عن قوله. يقول:”حين أكتبكِ، لا أحتاج إلى ورق… جسدي هو الصفحة، وأنتِ الحبر”هنا تتماهى الكتابة مع الجسد، وتغدو القصيدة فعلًا جسديًا، طقسًا حميميًا، حيث تتحول الحروف إلى لمسات، والكلمات إلى أنفاس، والمعاني إلى ارتعاشات. هذا التداخل بين الجسدي واللغوي يمنح النص طاقة حسية عالية، ويجعل من القراءة تجربة جسدية بحد ذاتها.كما يكتب:”كلما اقتربتُ من جسدكِ، ابتعدتُ عن اللغة… وكلما ابتعدتُ، كتبتُكِ أكثر”في هذا التوتر بين القرب والبعد، بين الحضور والغياب، تتولد الشعرية. فالجسد لا يُكتب حين يكون حاضرًا، بل حين يغيب، حين يتحول إلى ذكرى، إلى شوق، إلى فراغٍ يُملأ بالكلمات. وهنا تظهر براعة الطيب هلو في تحويل الغياب إلى حضور لغوي، وفي جعل الفقدان مصدرًا للإبداع.الديوان أيضًا يشتغل على تفكيك الصور النمطية للجسد، ويعيد تشكيله بوصفه فضاءً للتمرد، للحرية، للانعتاق من القيود الاجتماعية والدينية والثقافية. فالجسد هنا لا يخضع للرقابة، بل يتكلم، يصرخ، يكتب، يحب، ويثور.يقول:”جسدي لا يؤمن بالحدود… لا بيني وبينكِ، ولا بيني وبين الله”أن هذا الجسد المتجاوز، المتحرر، يفتح الباب أمام قراءة صوفية أيضًا، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة للاتحاد، للذوبان، للانفلات من الذات نحو الآخر، نحو المطلق. فالشاعر لا يكتب الجسد بوصفه مادة، بل بوصفه روحًا، بوصفه طريقًا نحو الكشف، نحو الحقيقة، نحو الحب المطلق. وعليه ديوان “جسد… جسد” هو عمل شعري فريد، يزاوج بين الجرأة الجمالية والعمق الفلسفي، بين الحسية العالية والتأمل الوجودي، بين اللغة والجسد، في تجربة شعرية لا تُنسى، تترك أثرًا في القارئ، وتدعوه إلى إعادة التفكير في معنى الجسد، وفي معنى الكتابة، وفي معنى الحب.لذا يواصل الطيب هلو بناء عالمه الشعري عبر لغة مشحونة بالإيحاء، متوترة بالإيروتيكي، ومفتوحة على التأويل.
الجسد لا يُقدَّم بوصفه موضوعًا للغواية فحسب، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا، كينونةً تبحث عن خلاصها، عن صوتها، عن حقيقتها في عالمٍ يضجّ بالرموز والقيود.يكتب:”أُصغي إلى جسدي حين يصمت… فأفهم كل ما لم تقله اللغة”هنا يتجاوز الجسد حدوده الفيزيائية، ويغدو كائنًا ناطقًا بالصمت، حاملًا لمعانٍ لا تُقال، بل تُحسّ، تُرتجف، تُرتّل. هذه القدرة على الإنصات إلى الجسد، لا بوصفه أداة، بل بوصفه مصدرًا للمعرفة، تضعنا أمام شاعرٍ يكتب من الداخل، من عمق التجربة، من نبض الروح.كما يقول:”فيكِ، لا أبحث عن جسدٍ… بل عن وطنٍ ينسى الحدود”واحيانا الجسد يتحول إلى وطن، إلى ملاذ، إلى مساحة للانتماء، للذوبان، للنجاة من التشظي. هذا التوظيف الرمزي للجسد يعكس رؤية شاعرية ترى في الحب فعلًا تحرريًا، وفي الجسد جغرافيا للحنين، للهوية، وللتحرر من المنفى الداخلي.اذن الطيب هلو لا يكتب الجسد بوصفه فرديًا فقط، بل بوصفه جماعيًا أيضًا، بوصفه مرآةً للثقافة، للذاكرة، وللصراع. فالجسد في “جسد… جسد” هو أيضًا جسدٌ عربي، مثقلٌ بالدم
المصدر: صحيفة أوروك


