التصوير الفوتوغرافي: البحث عن عوالم زائلة

في أحد الأيام، حاولتُ حصر كل ما يُساهم في التقاط صورة جيدة. ما هي العناصر الأساسية؟ برز في القائمة أمران: التفكير المُتعمّد في التكوين أثناء التصوير، والمعالجة اللاحقة المُتقنة والدقيقة. لكن ما الذي يُحفّز المرء على الذهاب والتقاط هذه الصور في المقام الأول؟ ما الذي يمنحه تلك الطاقة الحاسمة؟

يُغرقنا هذا السؤال في الجانب الفلسفي، مُتجاهلاً الجانب التقني. عندما يتحدث المصورون الآخرون عن أساليبهم التقنية، غالباً ما تكون مفيدة، لكنها ليست مُثيرة للدهشة. أما ما يدفع الإنسان إلى التقاط الصور، فهو أمرٌ أكثر تعقيداً. قد تُشير التقنية إلى كيفية القيام بشيء ما، لكنها لا تُفسّر السبب.

إذن، لماذا؟ ربما لا أملك إجابةً لكل شخص، لكن يمكنني على الأقل التفكير في سبب ممارستي للتصوير. هل يعود ذلك إلى الجانب الاجتماعي لمشاركة الصور، وفرصة التقدير؟ أم إلى متعة البحث في تصوير الطيور؟ قد يكون لهذه الأسباب بعض التأثير، لكن بالنسبة لي، فإن أعظم مصدر للغذاء هو الشعور بالفراغ.

مفهوم الفراغ الذي أتحدث عنه هو ما أسماه معلم الزن البوذي شونريو سوزوكي “التجربة المباشرة للواقع”، وهو يختلف قليلاً عن كلمة “الفراغ” في اللغة الإنجليزية الدارجة. فالفراغ، كما أستخدمه، يشير إلى غياب فكرة الذات، حيث يكون المرء واحدًا مع الفعل دون غرور.

هذا البحث عن الفراغ هو سعيٌ وراء عوالم زائلة. بالأمس، وسط الأعشاب البرية الجافة التي تتمايل مع الريح، رأيت القمر الشاحب يرتفع، يزداد قوةً في السماء المظلمة. عالمٌ كاملٌ في لحظة. إن التقاط ذلك العالم هو فراغ الذات، لأنك تستطيع أن تكون في ذلك العالم دون أي تصور مسبق. أنا متأكد من أن هذا هو السبب في أن التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لي أمر هادئ للغاية.

ما الذي يجعل الصورة جيدة؟ عندما أتأمل صوري المفضلة، أستطيع أن أحدد ما يميزها عن غيرها. التكوين؟ الإضاءة؟ كلاهما مهم، لكنهما ليسا ما كنت أبحث عنه. بل كانت صوري المفضلة تلك التي عشت فيها تجربة مباشرة، حيث أصبحت جزءًا من العالم في عدسة الكاميرا، لحظة الضغط على زر التصوير، وبعدها فقط أدركت: "أجل، أنا هنا". ذوبان الذات في لحظة عابرة هو ما يصنع الصورة الجيدة.

لا يعني هذا أن لدي وصفة سحرية أو موهبة فطرية لالتقاط صور جيدة. غالبًا ما ألتقط صورًا أفضل حذفها، حتى عندما أستمتع بلحظة التقاطها. بعضها الآخر تجارب، أو مجرد ألغاز من أسرار العملية. ربما حاولتُ البحث عن الفراغ، لكن شيئًا ما حال دون ذلك، تاركًا لي إحساسًا خافتًا بوجود يتلاشى في العدم. لكن التناغم الحقيقي مع المشهد يعني تكوينًا وإضاءةً جيدين، لأنها طريقتنا الخاصة للتواصل الحميم مع العالم، وتلقي شيء جميل في المقابل.

الأساليب والتقنيات الفوتوغرافية مهمة. لكن بعد التعلم والممارسة… لماذا أعود مرارًا وتكرارًا؟ أريد فقط أن أرى تلك العوالم مجددًا، بوضوح، دون أي أحكام أو تقييمات. إنه حب بسيط للطبيعة، ورغبة في التواصل معها بطريقة ما. نحن ننتمي إلى هذا الكون، وهو ما يدعمنا في نهاية المطاف، حتى وإن أخفيناه أحيانًا تحت ستار ضجيج أفكارنا.

ما الذي يجعل مصور الحياة البرية جيدًا؟ يتبادر إلى الذهن التوق إلى العزلة. لكن لا يمكن للمرء دائمًا أن ينعم بالعزلة بالمعنى الحرفي. قد يُقاطع مشهد هادئ بتحليق مروحية في السماء، أو نباح كلب في البعيد. لكن حتى لو انقطعت العزلة الحقيقية، يبقى بإمكان المرء البحث عن تلك العوالم العابرة التي توفر لحظة من السكينة، شيء يتمسك به كتذكير ببداياتنا البدائية.

أعتقد أن لدى جميع البشر غريزة البحث عن هذه العزلة كصدى للفراغ الذي جئنا منه، مع أن كيفية الوصول إليها ليست واضحة دائمًا. من خلال التصوير، نحول فوضى بطاقات الذاكرة والكاميرات وضجيج أحلك الظلال إلى صورة واحدة. أحيانًا، نجد ما نبحث عنه، وهذا هو سحر الصورة.

قبل بضعة أشهر، كنت مستلقيًا على العشب في البرازيل، ورأيت من خلال عدسة الكاميرا طائر الزقزاق الجنوبي. شعرت للحظة أنني وجدت الفراغ في عالم الزقزاق، وأصبحت تلك الصورة المفضلة لديّ لهذا النوع. في عالم يبدو فيه القليل منطقيًا، يكون وجود زقزاق على العشب هو الأكثر منطقية على الإطلاق. عندما تجد لحظة حميمة مع طائر أو جبل أو غابة، تصبح حياة ما أمامك حياتك للحظة واحدة.

قد يبدو كل هذا غامضًا، لكنني أعتقد أن هذا الغموض نابعٌ من تشبّعنا بالعقلانية الآلية. أما في أحضان الطبيعة، بين الأشجار ورائحة النباتات وتغريد الطيور، فيبدو الأمر منطقيًا تمامًا.

لهذا السبب تحديدًا أجد الذكاء الاصطناعي في الفن بغيضًا. فإلى جانب مخاطره المباشرة، يُمثّل الذكاء الاصطناعي المرحلة التالية من عملية لا تُركّز فلسفتها الشاملة على الاكتشاف الشخصي للعوالم، بل على تمجيد المنتج النهائي ليُصبح سمادًا لنمو نظامٍ جامدٍ بلا روح.

قد تبدو هذه الأيام أكثر اضطرابًا من أي وقت مضى، لكن وسط هذه الفوضى، نجد دائمًا دوافع جديدة لالتقاط الصور. ربما كاميرا أو عدسة جديدة، أو عطلة أسبوع في المناطق الاستوائية. لكن الأهم من ذلك، إذا أردنا أن نستمر في استكشاف العالم من خلال التصوير، فعلينا العودة إلى أحضان الوجود الخام. وبمجرد وصولنا إلى هناك، يجب أن نأمل أن نتمكن مرة أخرى من التعثر في الفراغ في أحد تلك العوالم الزائلة، قبل أن يختفي في غمضة عين.

أخر المقالات

منكم وإليكم