التصوير العلمي بوصفه فناً بصرياً.بعدسةالمصور: Michael Reese Much..عندما يلتقي الميكروسكوب بالكاميرا.. – إعداد: فريد ظفور.


Michael Reese Much
عندما يلتقي الميكروسكوب بالكاميرا
التصوير العلمي بوصفه فناً بصرياً
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: حين تصبح العين أصغر من أن ترى
هناك لحظة في تاريخ التصوير يتوقف فيها المصور عن النظر إلى العالم بعينه المجردة، ويبدأ في البحث عما يقع خلف حدود الرؤية.
فالكاميرا، منذ ولادتها، لم تكن مجرد جهاز لتسجيل الأشياء؛ كانت، في جوهرها، آلة لتوسيع الإدراك. أطالت زمن الرؤية في التصوير الطويل، وأظهرت ما تخفيه السرعة في التصوير عالي السرعة، وكشفت تفاصيل لا تراها العين في التصوير المقرب، ثم جاءت المجاهر لتفتح أمام الصورة عالماً أكثر غرابة: عالم الخلايا، والبلورات، وأجنحة الحشرات، والألياف، والمواد، والكائنات المجهرية.
في هذه المنطقة الفاصلة بين العلم والفن والتكنولوجيا تبرز تجربة المصور الأمريكي Michael Reese Much، الذي عُرف في المصادر المتخصصة بوصفه مصوراً للفنون الجميلة ومهتماً بالتصوير المجهري والماكرو، واتخذ من مدينة Bethlehem في ولاية Pennsylvania الأمريكية مقراً له. وقد قدّم سلسلة من المقالات التقنية التي تكشف بوضوح عن طريقته في التفكير والعمل، وليس فقط عن المعدات التي استخدمها.
إن أهمية Much لا تكمن في كونه مصور ماكرو فحسب، بل في الطريقة التي جعل بها الأداة العلمية جزءاً من اللغة الجمالية للصورة.
فالميكروسكوب عنده ليس مجرد جهاز تكبير، والكاميرا ليست مجرد وسيلة تسجيل، والضوء ليس مجرد إضاءة؛ إنما تتضافر هذه العناصر جميعاً لتكوين رؤية جديدة للعالم.
أولاً: من هو Michael Reese Much؟
تقدم المصادر المتاحة صورة موثقة عن Michael Reese Much باعتباره:
Fine Art Photographer – مصوراً للفنون الجميلة
Amateur Microscopist – مهتماً بالتصوير والفحص المجهري
متخصصاً في التصوير الماكروي والتصوير المجهري
مهتماً بالتقنيات الرقمية والتحكم بالكاميرات
مقيماً في Bethlehem, Pennsylvania, USA
وظهر اسمه أيضاً بصيغة Michael Reese Much FRMS EMS في عدد من المواد والمناقشات المتخصصة.
ولا توفر المصادر التي عثرت عليها سيرة شخصية كاملة بالمعنى التقليدي، مثل تاريخ الميلاد أو التسلسل الكامل للدراسة والعمل الفني؛ ولذلك ينبغي عدم اختراع هذه التفاصيل أو نسبتها إليه من دون مصدر.
لكن ما تركه من مقالات وصور وتجارب تقنية يكفي لرسم ملامح واضحة لتجربته الفوتوغرافية.
واللافت أن Much لم يتعامل مع التصوير المجهري بوصفه نشاطاً تقنياً منفصلاً عن الفن، بل استخدم تعبيراً بالغ الدلالة:
Scientific Fine Art Photography
أي التصوير العلمي الذي يمكن أن يصبح في الوقت نفسه فناً بصرياً.
وهذه العبارة وحدها تصلح مفتاحاً لفهم مشروعه كله.
ثانياً: الفكرة المركزية — العلم لا يلغي الجمال
في التصوير التقليدي، يبحث المصور عن الجمال في الأشياء التي يعرفها الإنسان: وجه، جبل، مدينة، شجرة، شارع، جسد، بحر أو سماء.
أما في التصوير المجهري، فإن السؤال يتغير:
هل يمكن أن يكون الجمال موجوداً في شيء لم نره من قبل؟
الإجابة عند Much هي نعم.
بل إن ما لا تراه العين قد يكون أكثر تجريداً وإدهاشاً مما اعتدنا رؤيته.
وهنا تتحول الصورة المجهرية من وثيقة علمية إلى تجربة جمالية.
فالخلية تصبح مدينة.
والبلورة تصبح هندسة.
وجناح الحشرة يصبح لوحة تجريدية.
وفقاعة الصابون تصبح كوناً من الأقواس والألوان.
والأميبا تتحول إلى كائن يبدو وكأنه خرج من لوحة سريالية.
إنها ليست محاولة لتجميل العلم؛ بل محاولة لاكتشاف أن العلم نفسه يحتوي على جمال بصري أصيل.
ثالثاً: الكاميرا التي تنظر إلى ما وراء العين
لطالما كانت العلاقة بين العين والكاميرا واحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ التصوير.
العين ترى ضمن حدود بيولوجية.
أما الكاميرا فتستطيع، بمساعدة العدسات والمجاهر والضوء والمعالجة الرقمية، أن توسّع هذه الحدود.
ولهذا يمكن النظر إلى تجربة Much باعتبارها استمراراً لفكرة جوهرية في تاريخ التصوير:
الصورة لا تكتفي بتسجيل الواقع؛ إنها تكشف واقعاً جديداً.
في التصوير المجهري، لا نرى «نسخة مصغرة» من العالم فقط، وإنما نرى بنية مختلفة للوجود.
وهنا تتغير وظيفة المصور.
لم يعد المصور مجرد شاهد.
بل يصبح:
مكتشفاً بصرياً.
رابعاً: التصوير المجهري — حين يتحول المجهر إلى كاميرا
عمل Much مع أنظمة مجهرية مختلفة، منها المجهر المركب ثلاثي العدسات Trinocular Compound Microscope والمجهر المجسم Stereo Microscope، واستخدمها في إنتاج الصور الفوتومجهرية.
وكان اهتمامه منصباً على تحويل المعدات الموجودة أصلاً لديه إلى أدوات قادرة على إنتاج صور فنية وعلمية، بدلاً من اعتبار الحصول على جهاز متخصص ومكلف شرطاً مسبقاً للتجربة.
وهذا جانب مهم في فلسفته التقنية.
فالمصور الحقيقي لا يبدأ دائماً من السؤال:
ماذا أشتري؟
بل من السؤال:
ماذا أستطيع أن أفعل بما أملك؟
وقد يظهر هذا بوضوح في مشروعه الخاص بالاستقطاب المتقاطع، حيث بحث عن طرق لاستخدام المجاهر الموجودة لديه للوصول إلى نتائج شبيهة بما توفره أنظمة الاستقطاب المتخصصة.
خامساً: Focus Stacking — عندما لا تكفي صورة واحدة
من أهم التقنيات التي ارتبطت بتجربة Much تقنية:
Focus Stacking – تجميع البؤر
وهي تقنية أصبحت اليوم من الأدوات الأساسية في التصوير الماكروي والمجهري.
ما المشكلة؟
كلما اقترب المصور من الموضوع، تقل منطقة العمق الحاد Depth of Field.
وعند التكبيرات العالية قد تصبح منطقة التركيز الحاد صغيرة للغاية.
قد تكون مقدمة جسم الحشرة واضحة، بينما تصبح العين أو الرأس أو جزء من الجناح خارج التركيز.
فكيف يمكن الحصول على صورة يكون فيها جزء أكبر من الموضوع واضحاً؟
الحل:
بدلاً من التقاط صورة واحدة، يلتقط المصور سلسلة من الصور، وفي كل صورة يتغير مستوى التركيز قليلاً.
ثم تُجمع هذه الصور رقمياً في صورة واحدة.
النتيجة:
صورة ذات عمق مجال ممتد لا يمكن تحقيقه بسهولة في لقطة واحدة.
سادساً: مختبر منزلي لبناء الصورة
في مشروعه الذي نشره بعنوان A Macro Stacking Rig، وصف Much منصة صنعها بنفسه لتصوير الـ Focus Stacking.
وقد ضمت المنظومة عناصر من:
جهاز Honeywell Repronar لنسخ الشرائح
منصة مجهر Olympus
Bellows
Extension Tubes
X-Y focusing rail
Ring Flash
كاميرا Olympus E-510 DSLR.
والأهم من قائمة المعدات هو طريقة التفكير.
لقد صنع Much نظاماً يمكنه من تحريك الموضوع أو التحكم في موضع التركيز بصورة دقيقة ومتكررة، بحيث يصبح إنتاج سلسلة التركيز عملية أكثر انتظاماً.
وهنا تنتقل الصورة من «لقطة» إلى عملية تصوير.
سابعاً: من الصورة الواحدة إلى عائلة من الصور
في التصوير التقليدي:
موضوع + ضوء + عدسة + تعريض = صورة
أما في Focus Stacking:
موضوع + ضوء + عدسة + سلسلة تركيز + خوارزمية دمج = صورة جديدة
وهذا التحول بالغ الأهمية في تاريخ التصوير الرقمي.
لأن الصورة النهائية لم تعد بالضرورة نتاج لحظة واحدة.
بل يمكن أن تكون نتاج مجموعة من اللحظات.
وهنا تبدأ ملامح التصوير الحسابي بالظهور بوضوح.
فالصورة تصبح نتيجة تعاون بين:
البصريات + المستشعر + الحاسوب + الخوارزمية + المصور.
ثامناً: أكثر من مئة صورة للحصول على صورة واحدة
في إحدى مشاركاته المتخصصة، شرح Much أنه كان يستطيع، عند التصوير بالمجهر، إنتاج سلسلة Focus Stack تزيد على مئة إطار في فترة زمنية قصيرة نسبياً، مستخدماً التحكم اليدوي في التركيز والضغط على زر الالتقاط عن بُعد.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في أعماله:
الصورة النهائية تبدو هادئة وساكنة، بينما ولادتها كانت عملية مليئة بالحركة والدقة والتتابع.
إنها صورة واحدة تحمل في داخلها تاريخاً من الصور.
تاسعاً: حشرة صغيرة تصبح عالماً
من أبرز مجالات اهتمام Much التصوير الماكروي الشديد للحشرات.
وقد أقام معرضاً لصور Extreme Macrophotography of Insects في DaVinci Science Center في Allentown, Pennsylvania. وفي سياق حديثه عن المعرض، أشار إلى أن المشاهدين كانوا يسألونه عن مقدار التكبير المستخدم، الأمر الذي دفعه إلى الاهتمام بتحديد المقياس والتكبير في أعماله.
لكن الأهم في هذه التجربة أن الحشرة لم تعد تظهر ككائن صغير في الطبيعة.
إنها تظهر باعتبارها بنية بصرية كاملة.
عين الحشرة تصبح فسيفساء.
الشعيرات تصبح غابة.
الجناح يتحول إلى هندسة.
والسطح الخارجي للجسم يصبح تضاريس مجهولة.
وهكذا ينتقل التصوير من:
تصوير الحشرة
إلى:
اكتشاف عالم الحشرة.
عاشراً: «التصوير العلمي للفن الجميل»
هذه العبارة التي استخدمها Much لوصف أعماله شديدة الأهمية.
ففي التصوير العلمي التقليدي تكون الأولوية غالباً للتوثيق والدقة وإظهار البنية.
أما في التصوير الفني، فتظهر أسئلة أخرى:
كيف يتوزع الضوء؟
أين تقع الكتلة؟
ما لون الخلفية؟
كيف تعمل الخطوط؟
أين توجد نقطة الجذب؟
ما الإيقاع؟
ما الذي يجب أن يبقى داخل الإطار؟
وما الذي يجب أن يستبعد؟
Much يقف في المنطقة المشتركة بين المدرستين.
إنه يريد الدقة العلمية دون أن يتخلى عن الجمال التشكيلي.
الحادي عشر: الضوء المستقطب — حين يكشف الضوء ما يخفيه الضوء
من أكثر تجاربه إثارة استخدام:
Cross-Polarization Microscopy – المجهرية بالاستقطاب المتقاطع
وفي هذه التقنية يمر الضوء المستقطب عبر العينة، ثم يمر الضوء الخارج من العينة عبر مرشح استقطاب آخر يسمى Analyzer.
ويؤدي تدوير المستقطب أو المحلل إلى تغيير الطريقة التي تظهر بها بعض البنى والمواد والألوان والتفاصيل.
وقد شرح Much كيفية تطبيق هذه التقنية على مجهر مركب ثلاثي العدسات ومجهر مجسم باستخدام معدات متاحة لديه، بدلاً من الاعتماد حصراً على مجهر استقطاب متخصص.
وهنا يصبح الضوء نفسه أداة كشف.
الثاني عشر: الضوء ليس مجرد إضاءة
هذه نقطة تستحق التوقف.
في كثير من التصوير الفوتوغرافي نتعامل مع الضوء بوصفه وسيلة لإنارة الموضوع.
أما في التصوير المجهري بالاستقطاب، فالضوء يصبح لغة فيزيائية.
إن تغيير اتجاه الاستقطاب يمكن أن يغير الصورة.
وهكذا يصبح المصور أقرب إلى عالم بصريات:
لا يسأل فقط:
كمية الضوء؟
بل:
كيف يتصرف الضوء؟
وهذا انتقال من التصوير باعتباره ممارسة جمالية إلى التصوير باعتباره فناً قائماً على الفيزياء.
الثالث عشر: فقاعات الصابون — الفوضى حين تصبح لوحة
من أكثر مشروعات Much شاعريةً تصوير فقاعات الصابون.
وقد وصف ما يظهر على سطح الفقاعة بأنه أشبه بأقواس قزح دوارة، وأن هذه الألوان ناتجة عن أنماط تداخل الضوء داخل جدران الفقاعة الرقيقة.
وهنا تصبح الفيزياء رساماً.
فالفقاعة لا تحتاج إلى فرشاة.
ولا إلى ألوان اصطناعية.
الضوء نفسه يرسم.
والغشاء الرقيق يعمل كلوحة.
والزمن يغير الرسم باستمرار.
وقبل أن تنفجر الفقاعة، تكون قد مرت بسلسلة من اللوحات المتغيرة.
إنها صورة عن جمال مؤقت.
الرابع عشر: من الفيلم إلى الذاكرة الرقمية
كان Much قد جرّب تصوير فقاعات الصابون باستخدام فيلم الشرائح الملون 35mm، لكنه أوضح أن التصوير الرقمي جعل الاختبار والتجريب أكثر عملية وأقل كلفة، لأن المصور يستطيع رؤية النتيجة مباشرة وتصوير مئات المحاولات دون انتظار المعمل.
وهذه نقطة تاريخية مهمة.
فالرقمية لم تغير فقط طريقة حفظ الصورة.
لقد غيرت طريقة التفكير أثناء التصوير.
الفيلم يقول:
فكر قبل أن تضغط الزر.
أما الرقمية فتقول:
جرّب، راقب، صحح، أعد المحاولة.
وفي التصوير المجهري تحديداً، حيث يصعب التحكم في التركيز والإضاءة والتكوين، يصبح هذا الأمر أكثر أهمية.
الخامس عشر: الكاميرا تحت سيطرة الحاسوب
اهتم Much كذلك بموضوع Computer Control for Olympus Digital Cameras.
وقد شرح استخدام برمجيات تسمح بالتحكم بالكاميرات الرقمية من الحاسوب، مع إمكانات مثل:
التحكم في التعريض
التقاط صور تجريبية
المعاينة المباشرة
حفظ الصور رقمياً
التحكم عن بعد
استخدام Live View في بعض كاميرات Olympus
التصوير المتتابع وTimelapse.
وهذا يكشف جانباً آخر من تجربته:
الكاميرا لم تعد جهازاً مستقلاً عن الحاسوب.
لقد أصبحت جزءاً من منظومة رقمية.
السادس عشر: عندما يدخل الحاسوب إلى قلب الكاميرا
في التصوير الكيميائي كان الفيلم هو وسيط الصورة.
ثم جاء المستشعر الرقمي.
ثم جاء الحاسوب.
وبذلك أصبحت الصورة الحديثة تمر عبر سلسلة:
الضوء → العدسة → المستشعر → البيانات → المعالجة → الصورة
أما في أعمال مثل Focus Stacking فتضاف مرحلة أخرى:
عدة صور → تحليل → اختيار المناطق الحادة → دمج → صورة نهائية
وهذا ما يجعل تجربة Much مثيرة للاهتمام في سياق تاريخ التصوير الرقمي.
فهو لا يستخدم التقنية لمجرد الراحة.
بل يجعل التكنولوجيا جزءاً من عملية بناء الصورة.
السابع عشر: العدسة العينية ليست دائماً عدسة تصوير
من المسائل التقنية الدقيقة التي بحثها Much موضوع:
Photo Eyepieces – العدسات العينية المخصصة للتصوير
فقد أشار إلى أن عدسات التصوير أو الإسقاط تختلف عن العدسات العينية التقليدية، لأنها مصممة لتقديم مجال صورة أكثر استواءً وتقليل بعض الانحرافات البصرية عند إسقاط الصورة على الفيلم أو المستشعر.
وهذا يوضح أن التصوير بالمجهر ليس مجرد:
ضع الكاميرا أمام المجهر واضغط الزر.
إنه نظام بصري كامل يجب ضبطه.
الثامن عشر: الميكروسكوب بوصفه نظاماً بصرياً
في التصوير المجهري تتفاعل عناصر كثيرة:
الموضوع
↓
مصدر الضوء
↓
المكثف Condenser
↓
العينة
↓
العدسة الشيئية Objective
↓
العدسة العينية أو Relay Lens
↓
الكاميرا
↓
المستشعر
↓
المعالجة الرقمية
وأي خلل في عنصر واحد يمكن أن ينعكس على الصورة النهائية.
لذلك فإن المصور المجهري الجيد يحتاج إلى معرفة تتجاوز قواعد التعريض التقليدية.
إنه يتعامل مع هندسة الضوء.
التاسع عشر: النباتات والشرائح والكائنات الدقيقة
لم تتوقف تجربة Much عند الحشرات.
تظهر مشاركاته في مجتمع التصوير المجهري اهتماماً بموضوعات نباتية ومجهرية متنوعة، كما تظهر له أعمال عبر المجهر في موضوعات مثل Amoeba radiosa، فضلاً عن اهتمامه بشرائح نباتية وبصرية وتقنيات مختلفة لفحصها وتصويرها.
وهنا يمكن ملاحظة اتساع مفهوم الموضوع عنده.
فالمصور التقليدي قد يسأل:
ما الذي أصوره؟
أما المصور المجهري فيضيف سؤالاً آخر:
إلى أي مستوى أريد أن أرى؟
العشرون: البلورات — الهندسة التي تصنعها الطبيعة
في التصوير بالاستقطاب، تكتسب المواد والبلورات أهمية خاصة بسبب الطريقة التي تتفاعل بها مع الضوء.
وعندما تُرى بعض المواد تحت الاستقطاب المتقاطع، يمكن أن تظهر ألوان وتكوينات تجعلها أقرب إلى الفن التجريدي.
هنا تتقاطع ثلاثة عوالم:
الفيزياء
مع
البصريات
مع
الفن التجريدي.
وهذا أحد أجمل الدروس التي تقدمها تجربة التصوير المجهري:
ربما لا يحتاج الفنان إلى اختراع التجريد.
ففي الطبيعة نفسها توجد هندسات تجريدية لا نهائية.
الحادي والعشرون: أدوات Much — فلسفة «المختبر المصوّر»
يمكن تلخيص بعض التجهيزات التي ظهرت في مشروعاته في منظومة تشمل:
الكاميرات
Olympus E-510
Olympus E-500
Olympus E-420 في بعض تطبيقات التصوير المجهري.
العدسات
عدسات مجهرية
Photo/Projection Eyepieces
Bellows
Extension Tubes
عدسات معكوسة في بعض تطبيقات الماكرو؛ ومن أمثلتها استخدام 63mm EL-Nikkor في تصوير دبور ضمن إعداد Focus Stacking.
الإضاءة
Ring Flash
Ringlight
مصادر إضاءة مناسبة للتصوير المجهري
أنظمة استقطاب للضوء.
أنظمة الحركة
X-Y focusing rail
Microscope stage
Bellows
منصات مخصصة لتثبيت الموضوع.
البرمجيات
أدوات للتحكم بالكاميرا
أنظمة Live View
برامج Focus Stacking، ومنها Zerene Stacker في أحد أمثلته المنشورة.
إنها ليست حقيبة مصور تقليدية.
إنها أشبه بـ مختبر بصري صغير.
الثاني والعشرون: المثال التطبيقي — الدبور
في إحدى مشاركاته المنشورة، عرض Much صورة لدبور Podium luctuosum، مستخدماً عدسة 63mm EL-Nikkor مع Bellows، وكاميرا Olympus E-510، وإضاءة Sunpack ringlight، ثم قام بدمج 51 لقطة باستخدام Zerene Stacker.
هذه الصورة الصغيرة تلخص منهجه كله تقريباً:
عدسة + تكبير + ضوء + سلسلة تركيز + حاسوب + خوارزمية = صورة واحدة شديدة التفاصيل.
وهي صورة لم تكن لتظهر بالطريقة نفسها لو اعتمد على لقطة واحدة فقط.
الثالث والعشرون: فلسفة «التجريب»
من أهم ما يمكن قراءته في تجربة Much أنه لا يتعامل مع المعدات بوصفها قوانين ثابتة.
إنه يجرب.
يعدل.
يصنع أدوات.
يستخدم أجزاء من أجهزة مختلفة.
يبحث عن حلول أقل كلفة.
ويختبر إمكانات المجهر العادي.
وهذا يضعه ضمن تقليد طويل من المصورين الذين لم ينتظروا دائماً المعدات المثالية، بل صنعوا أدواتهم لكي يصلوا إلى الصورة التي يريدونها.
وهذه الروح قريبة من جوهر الاختراع الفوتوغرافي نفسه.
الرابع والعشرون: الصورة كعملية حسابية
من منظور تاريخي أوسع، يمكن قراءة تجربة Much باعتبارها تقع عند نقطة مهمة بين:
التصوير البصري التقليدي
و
التصوير الحسابي Computational Photography.
ففي Focus Stacking، لا تمثل الصورة النهائية بالضرورة ما سجلته لقطة واحدة.
إنها ناتج معالجة سلسلة من الصور.
وفي التحكم الرقمي بالكاميرا، يصبح الحاسوب جزءاً من عملية الالتقاط.
وفي التصوير المجهري، تصبح العدسات والمجهر والمستشعر والخوارزمية منظومة واحدة.
وبذلك تصبح الصورة:
بيانات ضوئية تمت معالجتها لإنتاج تمثيل بصري جديد.
الخامس والعشرون: هل ما زالت هذه «فوتوغرافيا»؟
هذا السؤال يفتح باباً فلسفياً واسعاً.
إذا التقط المصور 100 صورة ثم دمجها في صورة واحدة، فهل الصورة النهائية فوتوغرافية؟
إذا كانت الصورة تحتوي على معلومات لم تظهر في أي لقطة واحدة منفردة، فهل هي وثيقة أم تركيب؟
وإذا كانت الخوارزمية هي التي تختار المناطق الحادة وتدمجها، فمن هو مؤلف الصورة؟
المصور؟
الكاميرا؟
المجهر؟
البرنامج؟
الخوارزمية؟
أم التعاون بينها جميعاً؟
هذه الأسئلة تزداد أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي.
لكن تجربة Much تسبق عصر الذكاء الاصطناعي في طرح سؤال مشابه بصورة تقنية:
متى تتحول الصورة من تسجيل إلى بناء؟
السادس والعشرون: Much والانتقال من «التوثيق» إلى «التفسير»
يمكن النظر إلى التصوير العلمي في مستويين:
المستوى الأول: التوثيق
أن تقول الصورة:
هذا هو الشيء.
المستوى الثاني: التفسير البصري
أن تقول الصورة:
هكذا يمكن أن نرى الشيء.
وتجربة Much أقرب كثيراً إلى المستوى الثاني.
إنه لا يكتفي بإثبات وجود الكائن أو المادة.
بل يبحث عن أفضل صيغة بصرية للكشف عنها.
وهنا يتقاطع العلم مع الفن.
السابع والعشرون: بين عين الإنسان وعين الآلة
العين البشرية لا تستطيع رؤية كل شيء.
لكنها تستطيع أن تختار ما تريد أن تبحث عنه.
المجهر يستطيع التكبير.
الكاميرا تستطيع التسجيل.
الحاسوب يستطيع المعالجة.
لكن الإنسان هو الذي يضع السؤال.
وهذه ربما تكون إحدى أهم النقاط الفلسفية التي يمكن استخلاصها من تجربة التصوير المجهري:
التكنولوجيا توسع العين، لكنها لا تلغي الرؤية الإنسانية.
فالآلة لا تعرف وحدها لماذا تكون الصورة جميلة.
ولا تعرف وحدها لماذا يستحق موضوع ما أن يُصوَّر.
المصور هو الذي يمنح التقنية اتجاهاً ومعنى.
الثامن والعشرون: من الحشرة إلى الكون
عندما ننظر إلى حشرة من خلال العدسة، يحدث انقلاب غريب في المقاييس.
الكائن الذي يبدو صغيراً في العالم الخارجي يصبح ضخماً داخل الإطار.
والجزء الذي لا يكاد يُرى يصبح موضوع الصورة.
وهذا يشبه إلى حد بعيد التصوير الفلكي.
في الحالتين نحن نستخدم التكنولوجيا لنتجاوز حدود العين.
هناك:
التلسكوب يوسع العالم نحو الخارج.
وهنا:
الميكروسكوب يوسع العالم نحو الداخل.
وبينهما تقف الكاميرا.
آلة واحدة، لكنها تستطيع أن تنظر إلى اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر.
التاسع والعشرون: القيمة الفنية لأعمال Michael Reese Much
تنبع القيمة الفنية في تجربته من عدة مستويات متداخلة:
أولاً: الموضوع
الكائنات الدقيقة والحشرات والنباتات والبلورات والمواد.
ثانياً: التقنية
الماكرو، الفوتوميكروسكوبي، الاستقطاب، Focus Stacking.
ثالثاً: الضوء
استخدام الضوء كأداة كشف وتشكيل.
رابعاً: التكنولوجيا الرقمية
الكاميرا الرقمية، الحاسوب، Live View، التحكم عن بعد، معالجة الصور.
خامساً: الرؤية
تحويل المادة العلمية إلى صورة يمكن تأملها جمالياً.
سادساً: التجريب
إيجاد حلول عملية باستخدام معدات متاحة أو معدلة.
وهذه العناصر تجعل تجربته جديرة بالقراءة ليس فقط في تاريخ التصوير الماكروي، بل في تاريخ العلاقة بين الصورة والعلم والتكنولوجيا.
الثلاثون: Michael Reese Much في سياق تاريخ الصورة
إذا وضعنا تجربته ضمن خط زمني واسع، يمكن تصور المسار هكذا:
الرسم العلمي
↓
التصوير الفوتوغرافي العلمي
↓
التصوير المجهري الفوتوغرافي
↓
التصوير المجهري على الفيلم
↓
الكاميرا الرقمية
↓
التصوير المجهري الرقمي
↓
Focus Stacking
↓
التحكم الحاسوبي بالكاميرا
↓
التصوير الحسابي
↓
الصورة الخوارزمية
وهنا تكمن أهمية تجربته.
فهو يمثل مرحلة أصبح فيها الحاسوب جزءاً من عملية إنتاج الصورة، وليس مجرد أداة أرشفة أو طباعة.
الحادي والثلاثون: الصورة التي لا توجد في لقطة واحدة
يمكن صياغة الفكرة الأساسية لـ Focus Stacking بطريقة فلسفية:
الصورة النهائية لم تكن موجودة في أي لقطة منفردة.
إنها ولدت من مجموع اللقطات.
وهذه الفكرة ستصبح أكثر أهمية مع تطور HDR، والبانوراما، والـ Computational Photography، ثم تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
فالصورة الحديثة بدأت تبتعد تدريجياً عن مفهوم:
اللحظة الوحيدة
باتجاه:
المجموعة البصرية التي يعيد النظام تركيبها.
الثاني والثلاثون: من الفوتون إلى البكسل
يمكن أيضاً وضع تجربة Much ضمن معادلة علمية مبسطة:
فوتون
↓
عدسة
↓
صورة بصرية
↓
مستشعر
↓
بكسلات
↓
بيانات
↓
خوارزمية
↓
صورة نهائية
وفي التصوير المجهري:
الضوء → العينة → التفاعل البصري → العدسة الشيئية → النظام البصري → المستشعر → البيانات → المعالجة → الصورة.
وهنا يصبح المصور جزءاً من سلسلة علمية وتقنية طويلة.
الثالث والثلاثون: الدرس الذي يقدمه Much للمصور
ربما لا يحتاج المصور إلى امتلاك أغلى جهاز في السوق.
فأحد أهم دروس تجربته هو:
اعرف كيف تعمل الأدوات قبل أن تفكر في استبدالها.
لقد استخدم معدات متنوعة، وصنع أنظمة خاصة، واستفاد من منصات مجهرية، وعدسات، وحوامل، وإضاءة، وبرمجيات، وتحكم حاسوبي.
إنها فلسفة تقوم على:
المعرفة أولاً، والمعدات ثانياً.
فالمصور الذي يفهم الضوء يستطيع أن يستخرج إمكانات جديدة من معدات بسيطة.
أما المصور الذي لا يفهم الضوء فقد يمتلك أحدث الكاميرات ويبقى أسيراً لحدودها.
الرابع والثلاثون: الصورة العلمية ليست باردة
ربما اعتدنا أن نتصور أن الصورة العلمية دقيقة، موضوعية، جافة، ومحرومة من العاطفة.
لكن أعمال التصوير المجهري تثبت شيئاً آخر.
فالعلم يمكن أن يقودنا إلى الدهشة.
والدقة يمكن أن تقود إلى الجمال.
والتكبير يمكن أن يقود إلى الشعر.
والفيزياء يمكن أن تنتج لوحة.
والبلورة يمكن أن تصبح تجريداً.
والحشرة يمكن أن تصبح بورتريهاً.
وهنا تكمن شاعرية تجربة Michael Reese Much.
الخامس والثلاثون: نحو تعريف جديد للمصور
المصور في القرن التاسع عشر كان يتعلم الكيمياء والبصريات.
والمصور في القرن العشرين أتقن الفيلم والتحميض والطباعة والإضاءة.
أما مصور القرن الرقمي فأصبح مضطراً إلى التعامل مع:
البصريات + المستشعرات + الحاسوب + البرمجيات + الخوارزميات.
وتجربة Much تبيّن هذا الانتقال بوضوح.
إنه مصور، لكنه أيضاً:
مستخدم مجهر، ومجرّب بصري، وفني تجهيزات، ومستخدم حاسوب، ومراقب للضوء.
وهذا ربما يكون نموذجاً مبكراً للمصور الذي يعمل اليوم داخل بيئة Computational Imaging.
السادس والثلاثون: من المجهر إلى الذكاء الاصطناعي
هنا يمكن وصل تجربة Much بمشروع الصورة المعاصرة.
فالـ Focus Stacking لا يصنع الصورة من لقطة واحدة.
والتصوير الحسابي لا يعتمد دائماً على تسجيل مباشر بسيط.
والذكاء الاصطناعي التوليدي يستطيع اليوم إنشاء صور لا ترتبط بالضرورة بلقطة فوتوغرافية أصلية.
وبين هذه المراحل يظهر سؤال جوهري:
ما الذي يجعل الصورة فوتوغرافية؟
هل هو وجود العدسة؟
أم الضوء؟
أم المستشعر؟
أم التسجيل؟
أم الحقيقة البصرية؟
أم علاقة الصورة بموضوع موجود أمام الكاميرا؟
هذه الأسئلة لم تبدأ مع الذكاء الاصطناعي.
لقد كانت تتشكل تدريجياً مع كل تحول تقني في تاريخ التصوير.
وتجربة Michael Reese Much واحدة من المحطات التي تكشف هذا التحول بوضوح.
السابع والثلاثون: أهمية تجربته بالنسبة للتصوير العربي
بالنسبة للمصور العربي الذي يريد دخول عالم التصوير العلمي والماكرو المتقدم، يمكن قراءة تجربة Much باعتبارها مدرسة في:
البحث والتجريب.
صناعة الأدوات.
فهم البصريات.
استثمار المعدات المتاحة.
استخدام المجهر في التصوير.
فهم الضوء المستقطب.
Focus Stacking.
التحكم الرقمي بالكاميرا.
الجمع بين العلم والفن.
تحويل الموضوع العلمي إلى صورة جمالية.
وهذا يفتح أمام المصور العربي مساحة واسعة لمشروعات جديدة في:
النباتات المحلية، الحشرات، الصخور، المعادن، البلورات، الأنسجة، البذور، الحبوب، الماء، قطرات المطر، الألياف، الرمال، والتراث المادي.
إن الطبيعة العربية نفسها تحتوي على مختبر بصري هائل لم يُستثمر فوتوغرافياً بما يكفي.
الثامن والثلاثون: Michael Reese Much — صورة بين المختبر واللوحة
إذا كان بعض المصورين يبحثون عن الجمال في الغروب، فإن Much يستطيع أن يجده داخل قطرة أو جناح حشرة.
وإذا كان المصور التقليدي ينتظر لحظة الضوء المناسبة في الخارج، فإن المصور المجهري يستطيع أن يصنع مختبره ويعيد ترتيب الضوء والموضوع والعدسة.
إنه لا ينتظر العالم كي يقدم له الصورة.
بل يدخل إلى طبقات العالم الخفية ويبحث عنها.
وهنا تتحول الكاميرا من:
آلة تسجيل
إلى:
آلة اكتشاف.
خاتمة: حين تصبح الصورة عيناً ثانية للإنسان
تجربة Michael Reese Much تقول لنا إن التصوير الفوتوغرافي لم ينتهِ عند حدود العين، ولا عند حدود العدسة، ولا حتى عند حدود المستشعر.
كلما تطورت الأدوات، اكتشف الإنسان أن هناك عوالم أخرى تنتظر أن تُرى.
في صورة حشرة، قد نجد هندسة.
وفي بلورة، قد نجد تجريداً.
وفي فقاعة صابون، قد نجد فيزياءً تتحول إلى ألوان.
وفي خلية، قد نجد عمارة.
وفي صورة مجهرية، قد نجد سؤالاً فلسفياً عن معنى الرؤية نفسها.
لقد جعل Much من المجهر شريكاً للكاميرا، ومن الكاميرا وسيلة لاكتشاف ما وراء المرئي، ومن التقنية جسراً بين العلم والجمال.
وربما تكمن القيمة الأعمق في تجربته في هذه الفكرة:
ليست مهمة المصور أن يصور ما تراه العين فقط، بل أن يجعل العين ترى ما لم تكن تعرف كيف تراه.
ومن هنا يصبح التصوير العلمي فناً، ويصبح الميكروسكوب عدسةً على المجهول، وتصبح الصورة الفوتوغرافية — مرة أخرى — وسيلة لاكتشاف العالم.
بطاقة موسوعية
الاسم: Michael Reese Much
الاسم المتداول في بعض المشاركات: Michael Much / Mike
الموقع الموثق في المصادر المتخصصة: Bethlehem, Pennsylvania, USA
الاختصاصات: التصوير الفني، التصوير الماكروي، التصوير المجهري، التصوير العلمي
الاهتمامات التقنية: Focus Stacking، Photomicroscopy، Cross-Polarization، التحكم الرقمي بالكاميرات
من الكاميرات المستخدمة في أعمال منشورة: Olympus E-500 / E-510 / E-420
من المعدات: Bellows، Extension Tubes، Microscope Stages، X-Y Rails، Ring Flash، Photo Eyepieces
من الموضوعات: الحشرات، فقاعات الصابون، النباتات، الكائنات المجهرية، المواد والبنى المجهرية
مفهومه اللافت: Scientific Fine Art Photography
أحد المعارض الموثقة: معرض للتصوير الماكروي الشديد للحشرات في DaVinci Science Center في Allentown, Pennsylvania.
أهمية التجربة: الجمع بين التصوير العلمي، الفنون البصرية، المجهر، التصوير الرقمي، المعالجة الحاسوبية والتجريب التقني.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم