التشكيلي الفلسطيني السوري:عبد الرحمن مرضعة ،مواليد عام 1941م في مدينة يافا.وهوفنان النكبة وذاكرة فلسطين البصرية- كتبها :عماد خالد رحمة/ برلين.

الفنان التشكيلي عبد الرحمن مرضعة: فنان النكبة وذاكرة فلسطين البصرية:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

حين يُكتب تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني، لا تُستحضر اللوحة بوصفها عملاً جمالياً فحسب، بل تُقرأ باعتبارها وثيقةً تاريخيةً، وسيرةً وطنيةً، وشهادةً على شعبٍ قاوم الاقتلاع باللون كما قاومه بالكلمة والبندقية. لقد استطاع الفنانون الفلسطينيون أن يحوّلوا الريشة إلى ذاكرة، واللون إلى هوية، واللوحة إلى وطنٍ مؤقت يحمله اللاجئون معهم حيثما ارتحلوا. ومن بين هؤلاء الرواد يبرز الفنان التشكيلي عبد الرحمن مرضعة، الذي كرّس حياته ليكون شاهداً بصرياً على النكبة، وحارساً أميناً لذاكرة فلسطين.

وُلد عبد الرحمن مرضعة في الثاني من أيلول عام 1941 في مدينة يافا، المدينة التي شكّلت أولى ملامح وعيه الجمالي والوطني. ولم يكد يفتح عينيه على الحياة حتى فتحت النكبة أبوابها السوداء على فلسطين. فقد شهد وهو طفل قصف حي المنشية، وتدمير السراي الحكومي في يافا، واستشهاد خمسة وثلاثين طفلاً من مدرسة الأيتام، كما فقدت أسرته مطعمها في حي العجمي، قبل أن تُجبر على مغادرة المدينة عبر البحر إلى صيدا اللبنانية، ومنها إلى مدينة حلب، ليستقر بها المقام في مخيم النيرب، حيث بدأت رحلة اللجوء الطويلة التي ستتحول فيما بعد إلى المنبع الرئيس لإبداعه الفني.

كانت النكبة بالنسبة إليه تجربةً معيشة لا حدثاً تاريخياً مجرداً؛ لذلك لم يرسم فلسطين من ذاكرة السامعين، بل من ذاكرة العيان، ولم يكن يستعيد الوطن بوصفه أسطورة بعيدة، وإنما باعتباره بيتاً غادره قسراً وما غادره وجداناً. ولهذا جاءت أعماله نابضةً بالحنين، ومشبعةً برائحة البرتقال اليافاوي، وأزقة المدن الفلسطينية، ووجوه اللاجئين، وأحلام العودة التي لم تنطفئ.

في سنوات دراسته الأولى، ظهرت موهبته الفنية مبكراً، فتلقى أولى دروس الرسم على يد الفنان داوود حويلة، الذي يُعدّ معلمه الأول، كما وجد تشجيعاً من الفنان سامي بشناق. وقد عرف بين زملائه بدماثة أخلاقه وروحه المرحة ووسامته، حتى أطلقوا عليه لقب “أحمد رمزي” لشدة الشبه بينه وبين الممثل المصري الشهير في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ولم يكن الفن بالنسبة إليه هواية عابرة، بل مشروع حياة. فقد واصل تعليمه في مدرسة الشيخ إبراهيم الشاعر، ثم نال الشهادة الثانوية – الفرع العلمي، والتحق بالمعهد العربي الإسلامي، ثم بمعهد إعداد المعلمين في حمص، قبل أن ينتسب إلى معهد أدهم إسماعيل للفنون الجميلة في دمشق، أحد أهم الصروح الفنية في سورية. كما حصل على إجازة جامعية في الجغرافيا من جامعة دمشق، وهو ما أضفى على أعماله وعياً بالمكان، وحدود الوطن، وتفاصيل تضاريسه، فامتزجت الجغرافيا بالتشكيل، وصارت الخريطة عنصراً أصيلاً في خطابه الفني.

بدأت تجربته الفنية بالنضوج منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، لتتكرس في السبعينيات بوصفه أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني في سورية، إلى جانب الفنانين الراحلين مصطفى الحلاج وعبد المعطي أبو زيد. ولم تكن مشاركاته في المعارض مجرد حضور فني، بل كانت إعلاناً دائماً عن حضور فلسطين. فقد شارك في معرض الصمود عام 1970، ومعرض الكرامة في العام نفسه، كما شارك في مؤتمر الفنانين العرب عام 1973، وبرز حضوره في معرض دمشق الدولي عام 1975 بلوحته الشهيرة “عائدون” التي بلغ حجمها مترين في أربعة أمتار، واستقرت في جناح فلسطين لتصبح إحدى العلامات البارزة في الفن الوطني الفلسطيني.

وتنوعت إبداعاته بين الرسم الزيتي، والجداريات، وتصميم الملصقات الوطنية، والديكور التراثي، والأزياء الشعبية، فلم يحصر نفسه في نوع فني واحد، بل تعامل مع الفن بوصفه رسالة شاملة. وكان من أوائل الفنانين الذين أسهموا في تصميم الملصق الوطني الفلسطيني، فأشرف على إنتاج خمسة عشر ملصقاً بثلاث لغات، انتشرت في المخيمات الفلسطينية، والفعاليات الوطنية، والجامعات، وأصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية لجيل كامل من الفلسطينيين.

كما أنجز أعمالاً تراثية متميزة، من بينها تنفيذ سقوف القاعات الشامية بالخشب العربي، وإنجاز قاعات زخرفية بالجبس، وتصميم نموذج “بحيرة الأسود” في قصر الحمراء، مؤكداً أن الفنان الفلسطيني قادر على الجمع بين الأصالة والإبداع، وبين التراث والحداثة.

أما لوحاته، فقد شكلت سجلاً بصرياً للنكبة الفلسطينية. ففيها يحضر المفتاح، والمرأة الفلسطينية بثوبها المطرز، والزيتونة، والبرتقال اليافاوي، وخريطة فلسطين، والمخيم، ووجوه اللاجئين، لتتحول اللوحة إلى رواية كاملة تُقرأ بالألوان. ومن أشهر أعماله لوحة “والله لزرعك بالدار يا غصن اللوز الأخضر”، إلى جانب مشروعه الفني الذي جمع بين الأزياء الفلسطينية وخريطة الوطن، مؤكداً أن التراث ليس زينةً فولكلورية، وإنما هويةٌ حضارية متجذرة.

وإلى جانب عطائه الفني، كان مربياً ترك بصمة عميقة في نفوس تلاميذه. فقد عمل مدرساً للفنون في مدارس وكالة الأونروا، وأسهم في اكتشاف مواهب عشرات الفنانين الفلسطينيين والسوريين، وكان يؤمن بأن الفن رسالة أخلاقية قبل أن يكون مهارة تقنية. ويشهد كثير من تلامذته بأنهم تعلموا منه أن اللوحة موقف، وأن الفنان لا يكتمل إلا إذا حمل هموم شعبه وقضايا أمته.

وقد عبّر الفنان التشكيلي محمود الخليلي، أحد أبرز تلامذته، عن هذا الأثر حين أكد أن عبد الرحمن مرضعة كان صاحب الفضل الأول في وضع حجر الأساس لمسيرته الفنية، وأنه غرس في طلابه الإيمان بأن الفن لا قيمة له من دون رسالة، وأن الوطن هو البوصلة التي تهدي الفنان إلى معنى الإبداع الحقيقي.

ولم يقتصر تأثيره على تلامذته، بل امتد إلى الحركة الثقافية الفلسطينية في الشتات، إذ كان حاضراً في المعارض والمهرجانات والأنشطة الوطنية، وأسهم في ترسيخ مكانة الفن التشكيلي الفلسطيني بوصفه أحد أهم أدوات المقاومة الثقافية. وقد بقيت ملصقاته الوطنية، ولوحاته، ومعارضه، جزءاً من الذاكرة الجمعية للفلسطينيين، ولا سيما أبناء المخيمات الذين نشؤوا وهم يرون فلسطين مرسومة أمامهم كل يوم.

وعلى الصعيد الأسري، عاش الفنان عبد الرحمن مرضعة حياة مستقرة إلى جانب زوجته السيدة لطيفة دبور، ورزقهما الله ستة أبناء، تميزوا بتفوقهم العلمي والمهني، فكان منهم المهندس والطبيب والصيدلانية والمتخصصون في المعلوماتية والتصميم الداخلي واللغة الإنجليزية، وهو ما يعكس إيمانه العميق بأن الثقافة والعلم امتداد طبيعي للفن، وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء اللوحة.

واليوم، يقيم الفنان في مدينة صيدا اللبنانية، لكنه ما يزال يحمل يافا في قلبه وريشته. فالغربة لم تستطع أن تنزع منه انتماءه الأول، بل زادته إصراراً على أن تبقى فلسطين حاضرة في كل عمل ينجزه، وفي كل لون يضعه على القماش.

لقد استطاع عبد الرحمن مرضعة أن يجعل من الفن التشكيلي الفلسطيني ذاكرةً مقاومة، وأن يحول معاناة اللجوء إلى طاقة إبداعية خالدة. فهو ليس مجرد رسام بارع، بل مؤرخ بصري للنكبة، ومربٍ للأجيال، وأحد المؤسسين الحقيقيين للفن التشكيلي الفلسطيني في سورية والشتات. وستبقى أعماله شاهدة على أن الوطن قد يُحتل، لكن صورته لا تُحتل، وأن الذاكرة التي تحفظها الريشة أبقى من الخراب، وأقوى من النسيان، وأن الفنان الذي حمل فلسطين في قلبه، استطاع أن يحملها أيضاً إلى ضمير العالم.
عبد الرحمن مرضعه

أخر المقالات

منكم وإليكم