البونيون والقرطاجيون ..فينقيو الاصل.

الفينيقيون الغربيون (البونيون والقرطاجيون)
١٢٠٠–١٤٦ق.م.

ضجر الفينيقيون الشرقيون المقيمون في مدن السواحل الشامية من بناء الحصون العالية لحماية مدنهم من الغزوات المتلاحقة ومن دفع الجزية المستمر ومن انتهاكات الأقوام الغازية واحتلالها لأراضهم وموانئهم … وقد شهدنا تلك العاصفة المدوية التي حصلت لمدنهم مدة قرنين من الزمان من قبل أقوام البحر والفلستينيين والعبريين والآشوريين، وهكذا بدأت أفواج منهم بالرحيل عن الشواطئ والمدن الكنعانية والفينيقية والاتجاه نحو البحر الأبيض المتوسط بجزره وسواحله الشمالية والجنوبية.

ولا شك أن دافع التجارة والاقتصاد كان في المرتبة الثانية عندهم، هذه المرة، فهم أعظم رواد البحار وأصحاب أكبر الأساطيل والسفن البحرية التجارية، وكانوا يتاجرون بالأخشاب والبرونز والعاج والعظام والزجاج والخمور والأصباغ والقماش وقد أظهر الفينيقيون مقدرة فائقة في صناعة الأقمشة المصبوغة باللون الأرجواني، والتي كانت صبغتها تستخرج من بعض الأصداف البحرية التي عثروا عليها عند سواحلهم. وكان توسعهم التجاري في البحر المتوسط يستوجب ضرورة إنشاء محطات ومراكز مستقرة في البحر أو على سواحله الأخرى.

كذلك لم تظهر المدن الفينيقية القدرة على تكوين دولة واحدة متحدة تواجه بها الأقوام الخارجية، فقد اقتصرت على إنشاء بعض الاتحادات السياسية بين المدن الفينيقية أثناء حدوث بعض الأزمات والتي كانت تنهار أمام القوى السياسية الكبرى المحيطة بها.

وهكذا اجتمعت العوامل السياسية والبشرية والاقتصادية والبيئية لتدفع بعض الفينيقيين إلى الرحيل بحرًا نحو السواحل الأوروبية والأفريقية للبحر المتوسط بالإضافة إلى الجزر المنتشرة فيه.
(١) المرحلة الفينيقية (الانتشار والاستيطان) (١٢٠٠–٨١٤ق.م.)

ربما تكون هذه المرحلة قد بدأت قبل (١٢٠٠ق.م.) عندما ارتاد الفينيقيون البحر المتوسط واستقروا في جزره بشكل خاص، ولكنها ازدادت بعد هذا التاريخ.

ويمكننا من الناحية التصنيفية تقسيم المناطق التي انتشر واستعمر واستوطن فيها الفينيقيون إلى أربعة أقسام:
(أ) جزر البحر الأبيض المتوسط

لا شك أن الكنعانيين هم الذين ألهموا سكان جزيرة كريت سبل الحضارة بالإضافة إلى المصريين؛ ولكن العناصر الكنعانية في الحضارة الكريتية كانت واضحة جدًّا وربما تكون قد بدأت في الألف الثالث قبل الميلاد، ولا نرجح أن استيطانًا كنعانيًّا قد حصل في تلك الأزمان، بل أن اتصالًا ثقافيًّا وروحيًّا وفنيًّا كان يجري من كنعان إلى كريت بوضوح شديد. وقد ظل هذا حتى بعد أن دمر إغريق موكناي حضارة كريت.

الجزيرة الثانية التي ارتحل إليها الفينيقيون هي جزيرة قبرص، فقد كانت قريبة من سواحل كنعانية وفينيقية، تلك التي عثر فيها على أكروبول فينيقي يعود إلى القرن الحادي عشر. ويبدو أن صُورَ أنشأت لها في قبرص مقاطعة صغيرة خاضعة لها، وقد ظهرت في كيتيون أسرة فينيقية حوالي (٤٥٠ق.م.) ضمها بعد ذلك بطليموس الأول إلى دولته البطلمية.

ومن المستوطنات الأخرى في هذه الجزيرة جولجوي وأيدليون وتلماوس وماريون ولابيتوس التي خضعت للاحتلال الآشوري لفترة طويلة، أما جزيرة صقلية فقد شهدت استيطانًا فينيقيًّا في «سيلينونتي» و«موتيا» و«بالرمو» و»سولونتو»، واستوطن الفينيقيون في جزيرة مالطة وفي «جوزو» و«بانتلليريا» و«لامبيدوس».

وكذلك استوطنوا في «سردينيا» خصوصًا في «نورا»، «سوليس»، «كارولفورت»، «ثاروس»، وكذلك في جزيرة «كورسيكا». واستوطنوا كذلك في جزر البليار، وجزر إيجه مثل «تكوس»، «كيثيرا»، «ميلوس»، «ثيرات» (انظر: الشريفي، ١٩٨٥م، ٥٧).
(ب) السواحل الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط

استوطن الفينيقيون مبكرًا في السواحل الإسبانية وأسسوا مدينة قادس، معنى اسمها (سور) على الساحل الجنوبي لإسبانيا في شمال غرب جبل طارق عام ١١١٠ق.م.

ومن المدن الأخرى في شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا) مدينة تاريتتوس جنوب غربي إسبانيا التي عرفت ﺑ «تارشيش»، وكذلك مدينة قرشيش، وهذا الاسم هو اسم فينيقي يعني المنجم، أو مكان الصَّهر (انظر: ١٩٨٩م، ٢٩٥).

كانت سواحل بلاد اليونان مكانًا لهم، خصوصًا بعد أن قضى أقوام البحر والدوريون على حضارة موكناي، فأدى ذلك إلى ظهور واضح للفينيقيين على السواحل اليونانية منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد، ثم العاشر ثم التاسع. وقد خلق هذا الحضور احتكاكًا تجاريًّا مع الأقوام الإغريقية الوافدة إلى بلاد اليونان. وأسس الفينيقيون هناك مدن كومايس (كوماي)، وكورنثوس وساموس (الشمس) ورودس (انظر: الشريفي، ١٩٨٥م، ٥٧).
(ﺟ) السواحل الآسيوية للبحر الأبيض المتوسط

كان للفينيقيين حضور واضح في السواحل الآسيوية رغم قوة الحيثيين في آسيا الصغرى، فقد ظهرت آثارهم في مدينة ياليسوس وجزيرة رودس ومدينة أفيسوس ومدينة ساردس … ومدن أخرى.
(د) السواحل الأفريقية للبحر المتوسط

لا شك أن الحضور الفينيقي في السواحل المصرية كان قديمًا، وقد أخذ طابعًا تجاريًّا ولم يأخذْ طابعًا استيطانيًّا رغم أن العبادة الفينيقية في منطقة الإسكندرية (التي كانت تسمى فاروس) كانت معروفة، وكان هناك حي من أحياء منف يسمى «ساحة صور». وكانت السواحل المصرية مراكز ومحطات تجارية أكثر من كونها مناطق استيطانية فينيقية.

على السواحل الليبية قام الفينيقيون بتأسيس مدينة «أوبا»، التي يطلق عليها اسم «أوبا ملكرت» واسم «ماكاريا» واسم «أويا» التي هي طرابلس الحالية، ومدينة «لبكي» التي هي مدينة لبدة الحالية، ومدينة «صبرات» وتعني «سوق القمح» وهي مدينة صبرا الحالية.

هناك مدن ثانوية أخرى مثل «أيبوت أكر» و«كراكس» و«توريس أفرانتس» و«ماكومكا» و«كفالي» و«غرافارا» و«زوفيس» (انظر: الجربي، ١٩٩٦م، ٧٦–٧٨).

وفي السواحل التونسية أسسوا مدينة أوتيكا عام ١١٠٠ق.م. ومدينة «هاردميتم» و«هبو، عنابة»، و«تابسوس»، و«أخولا»، و«قرطاجة» التي تأسست عام ٨١٤ق.م. والتي سيكون لها الشأن الأعظم في تاريخ الفينيقيين الغربيين، وكذلك «هرماكون» و«رأس بون» و«حضرموت» التي أصبح اسمها «سوسة».

وفي السواحل الجزائرية أسسوا مدن «فيليب فيل» و«قسطنطينة»، التي كان اسمها «كرت» أي القرية، ومدينة «تشوللو» و«جيجلي» و«تيباسا» و«جورايا».

وفي السواحل الغربية أسسوا مدن «ميليلللا» و«إيمسا» و«سيدي عبد السلام» و«تامودا»، وليكسوس على الساحل الأطلسي، وكان اسمها «تشميش» أي مدينة الشمس، ومنها انطلقوا لاكتشاف مجاهل المحيط الأطلسي، ومدينة طنجة ومدينة مولي بوسلوام وجزيرة الصويرة المغربية، وروسدير (مليلة). يشير هذا الانتشار والاستيطان الواسعَين إلى أن الفينيقيين قد أسسوا فيما بين القرون الثاني عشر والسادس قبل الميلاد إمبراطورية يحق لنا أن نسميها «إمبراطورية حوض البحر الأبيض المتوسط»، أو «الإمبراطورية المتوسطية الفينيقية»، التي شملت سواحل ومدن وحوض وجزر البحر الأبيض المتوسط.

ولكن ظهور الإغريق أولًا ثم الرومان جعل هذا البحر المتوسط منطقة صراع معها لأكثر من أربعة قرون متصلة، حتى استطاعت روما قبل مطلع القرن الميلادي الأول جعل هذه الإمبراطورية ما يمكن تسميتها «الإمبراطورية المتوسطية الرومانية».
(٢) المرحلة البونية (٨١٤–٥٥٠ق.م.)

يشير مصطلح «البوني» أو «الفوني» إلى «الفينيقي»، ولكننا أردنا أن نميز هذه المرحلة عن سابقاتها باستخدام مصطلح البوني الذي شاع استخدامه عند الرومان، في حين شاع مصطلح «فينيقي» عند الإغريق، ولِنُميزه عن المرحلة السابقة.

تبدأ هذه المرحلة مع تأسيس مدينة قرطاج عام ٨١٤ق.م. وتنتهي بظهور الأسرة الماجونية في قرطاج؛ حيث بدأت قرطاج بعدها تلعب الدور السياسي والحضاري المعروف لها، وتمتد كدولة كبيرة تشمل سواحل شمال أفريقيا من خليج سرت شرقًا حتى سواحل المحيط الأطلسي غربًا.

يسود رأي عامٌّ مفاده أن مدينة صور الفينيقية (على سواحل لبنان) لعبت دورًا بارزًا منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد في هِجرة الفينيقيين إلى شمال أفريقيا، وبشكل خاص إلى تونس، وأنها تعتبر الأم المباشرة لمدينة قرطاج، وهناك حكاية يمكن عدها من المثولوجيا التاريخية تبحث في تأسيس الأميرة الصورية إليسا، أخت الملك الصوري بيجماليون، لمدينة قرطاج، وهي حكاية تتأرجح بين الأسطورة والواقع سنذكرها في الفصل القادم.

كان شمال أفريقيا قبل مجيء الفينيقيين مسكونًا بالقبائل الليبية والبربرية، ومن المرجح أنه لم تحصل مصادمات أو عمليات إبادة بين السكان الأصليين والوافدين؛ وذلك بسبب غلبة الطابع الاقتصادي للهجرات الفينيقية.

لقد كان موقع قرطاج السهلي وابتعاده عن الساحل الصخري، بالإضافة إلى أهمية موقعها الجغرافي نسبيًّا من الوطن الأصلي بالمقارنة بالمراكز الأخرى البعيدة، كما أن طبيعة موقع قرطاج تسمح بالتوغل لحد ما في الداخل أكثر من المراكز الأخرى (انظر: الناظوري، ١٩٨١م، ١٦٩).

كان اسم قرطاج الفينيقي «قرت حشدت» أي «المدينة الجديدة» وكان لها اتصال منذ بداية تأسيسها بالحصن الجنوبي «بيرسا» قرب لوكرام ثم بقاعدة «أوتيكا» المجاورة ومدينة حضرموت في تونس. وقد أصبحت قرطاج بسرعة مدينة جديدة فعلًا؛ «لأن أصلها ملكي، ولأن قسمًا من أرستقراطية صور قد هاجر مع ثرواته إليها، وهكذا غدت قرطاج صورًا جديدة وذاعت شهرتها لا لموقعها الجغرافي وحسب؛ بل لأنها ورثت أيضًا عن صور دورها التاريخي» (ميادان، ١٩٨١م، ٥١).

تطورت قرطاج خلال القرن السابع قبل الميلاد كثيرًا، وأسست لها مستعمرة في جزيرة «إيبيسا»، وفي القرن السادس استولى «مالكس» على السلطة في قرطاج بعد أن نجحت حملاته العسكرية في صقلية وسردينيا وفي أفريقيا أيضًا (انظر: ميادان، ١٩٨١م، ٥١).
(٣) المرحلة القرطاجية (٥٥٠–١٤٦ق.م.)
(أ) تأسيس دولة قرطاج

مع مطلع القرن السابع قبل الميلاد تأسست دولة قرطاج وفي منتصف القرن السادس قبل الميلاد انتقل الحكم إلى أسرة قوية هي الأسرة الماجوية (الماجونية) نسبة إلى ماجو، وقد استطاع القائد ماجو أن يؤسس جيشًا قرطاجيًّا قويًّا مؤلفًا «من الجنود المرتزقة من كافة العناصر الليبية، أي البربرية، الذين كانوا يعملون كمشاة في الجيش، وكذلك العناصر البربرية النوميدية الذين تميزوا بقدراتهم في مجال الفروسية، وأيضًا العناصر الغالية … وغيرها. ولم يتردد اليونانيون في الانخراط في صفوف الجنود المرتزقة في الجيش القرطاجي» (الناظوري، ١٩٨١م، ١٧٣).

وعقدت الأسرة الماجونية معاهدات مع الأتروربيين في إيطاليا، وبنيت الأسوار والحصون والثكنات، وبني الأسطول القرطاجي، وتحولت دولة قرطاج إلى دولة سياسية أكثر منها دولة اقتصادية، وبدأت تدير مقاليد الأمور في حوض البحر الأبيض المتوسط.

تأسست دولة قرطاج قبل ظهور الأسرة الماجونية مع مطلع القرن السابع ق.م. إذن، بعد مدينة قرطاج تكونت دولة قرطاج التي شملت المدن الفينيقية في شمال أفريقيا (باستثناء مصر) وصارت مدينة قرطاج عاصمة لهذه الدولة على يد الأسرة الماجوية أو الماجونية؛ بل إن قرطاج الدولة والعاصمة أصبحت بديلًا لمدينة صور (العاصمة الأم للفينيقيين الشرقيين)، وهكذا تهيأت ظروف جديدة انحدرت فيها صور وصارت قرطاج عاصمة بديلة لكل الفينيقيين.

#الاطلس#مجلة ايليت فوت ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم