لا شك أننا نرى في بعض كتابات توفيق الحكيم ما يعبر عن إيمان عميق بالله، ونرى في بعضها أيضًا ما يعبر عن شك وحيرة أحيانًا، ففي كتابه “تحت شمس الفكر” نرى له مقالات يدافع فيها عن الإسلام أمام من يحاولون الإساءة إليه من الكتاب الغربيين مثل فولتير في مسرحيته عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأيضًا نرى آثار هذا الإيمان العميق في السيرة الحوارية عن النبي – عليه الصلاة والسلام – التي أشاد بها كثير من النقاد، ومنهم مصطفى صادق الرافعي، وأيضًا نرى حرارة الإيمان لديه في بعض كتبه الأخيرة، ككتابه “الإسلام والتعادلية”، ومقدمته لكتاب “مختصر تفسير القرطبي”، ولكننا نرى له كتابات أخرى نلمس فيها بعض شك منه وحيرة، مثل مسرحية “مصير صرصار” التي نرى فصلها الأول يصور العالم تصورًا قريبًا من تصور العبثيين له، في أنه فوضى، وأن الإنسان هو الذي يخلع عليه النظام بخياله. وأغلب الظن أن توفيق الحكيم لم يقدم هذا التصور في الفصل الأول من مسرحية “مصير صرصار”
إلا محاكاة للعبثيين الغربيين، وأغلب الظن أيضًا أن توفيق الحكيم كان مؤمنًا بالله حقًّا، وأنه كان في “حديثه إلى الله” يعبر عن شعوره بالوحدة بين البشر في شيخوخته، ولم يكن يجد ملجأ يخفف عنه شعوره بهذه الوحدة إلا في حديثه الصوفي إلى الله عز وجل.
أما عن مسرح توفيق الحكيم فهو مسرح يغلب عليه الجانب الذهني، وحتى مسرحياته الاجتماعية لا تخلو من بعض النقاشات الفكرية، كمسرحية “الطعام لكل فم” ومسرحية “العش الهادئ”، والحق أننا لا نستطيع أن نقول:
إن مسرحيات توفيق الحكيم بشكل عام فيها صدى للعقيدة الإسلامية، بخلاف مسرحيات علي أحمد باكثير التي تتردد فيها ملامح العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل واضح، ولكن من الحق أيضًا أن نقول: إن مسرحيات توفيق الحكيم بشكل عام ليس فيها تصادم مع العقيدة الإسلامية إلا في القليل منها.
وأول مسرحية نشرها توفيق الحكيم هي مسرحية “أهل الكهف” التي قال: إنه استوحى موضوعها من سورة “الكهف” ومن تفسير بعض المفسرين لها، وعلى الرغم من أن توفيقق الحكيم قد تأثر في هذه المسرحية بالمؤثرات الإسلامية عن قصة أهل الكهف عن تأثره بالمؤثرات المسيحية عنها فإنه – مع ذلك – قد عبر في هذه المسرحية عن عقيدة أهل الكهف من خلال العقيدة المسيحية وليس العقيدة الإسلامية؛ ولهذا نرى بعض شخصيات أهل الكهف تتحدث عن المسيح على أنه إله أو له قدرة الإله؛ ولهذا يتوجهون إليه بالدعاء.
وأيضًا نرى توفيق الحكيم في مسرحية “صلاة الملائكة” يصور العالم خلال الحرب العالمية الثانية وقد صار ممتلئًا بالشرور، ولا خلاص له إلا بتدخل من السماء لإنقاذه، فينزل مَلَكٌ للأرض، ويحاول إقناع قادة العالم المثيرين لهذه الحرب بالسلام، ولكنه يعجز في إقناعهم، ويعود للسماء مرة أخرى، وخلال هذه المسرحية نرى أيضًا آثار العقيدة المسيحية، وليس العقيدة الإسلامية.
وفي مسرحية “سليمان الحكيم” نرى توفيق الحكيم يستوحي موضوعها من “القرآن الكريم” و”التوراة” وبعض قصص “ألف ليلة وليلة”، ومما يؤخذ على هذه المسرحية أننا نرى توفيق الحكيم يهتم في الجزء الأول منها في الحديث عن سليمان كنبي، والآثار الإسلامية واضحة جدًّا في هذا الجزء من المسرحية، ولكنه في الجزء الثاني منها نراه يتحدث عن سليمان عليه السلام على أنه مجرد شخص عاشق استعان بكل ما لديه من قوى؛ ليصل لقلب بلقيس، ولكنه يعجز في ذلك، وأثر بعض قصص “ألف ليلة وليلة” واضح في هذا الجزء من المسرحية،
ولا شك أننا نرى في هذا خللاً واضحًا في هذه المسرحية، ونرى في الجزء الثاني منها إساءة للنبي سليمان عليه السلام.
وفي مسرحية توفيق الحكيم القصيرة “عدو إبليس” نرى صورة واضحة لما يمكن أن نطلق عليه المسرح الإسلامي، فهذه المسرحية القصيرة فيها صدى كبير لمفهوم الإسلام عن الشيطان، وأنه مصدر الشر الرئيس في الكون، ونرى الشيطان سعيدًا في هذه المسرحية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويظن أنه يستطيع بعد وفاته أن يوسوس لأنصاره، فيبعدهم عن محجة الصواب والطريق القويم، وتزداد سعادة الشيطان حين يرى عمر بن الخطاب يرفض التصديق بموت الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه تَغَيَّبَ عن قومه كما تَغَيَّبَ موسى عن قومه أربعين ليلة، وأيضًا تزداد سعادته حين يرى أشخاصًا آخرين يميلون لقول عمر، ولديهم استعداد لتأليه الرسول، ويظن إبليس عند ذلك أنه سينال من أمة محمد كما نال من أمم الأنبياء السابقين، ولكنه يصدم حين يرى أبا بكر الصديق يذكِّر الناس بأن الرسول بشر يوحى إليه، وأنه يجوز عليه الموت، ويقول لهم أيضًا: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وهنا يعود الناس لرشدهم، ويعاودون السير على الطريق المستقيم، ويخسأ إبليس اللعين.
بقلم د.علي خليفة


