تحت المجهر 4
البصمة أم المشروع؟
كيف تحول البحث عن الأسلوب الشخصي إلى أحد معوقات تطور الحركة التشكيلية العراقية؟
لا تأتي هذه المقالة من رغبة في توجيه النقد إلى فنان بعينه أو إلى جيل معين وإنما من رغبة في إعادة النظر في إحدى الظواهر التي أرى أنها أسهمت عبر عقود في إبطاء التطور الطبيعي للحركة التشكيلية العراقية. وهي ظاهرة تبدو للوهلة الأولى علامة على النضج الفني لكنها قد تخفي في داخلها إشكالية أكثر عمقا تتمثل في تحول البحث عن “البصمة” إلى غاية بحد ذاتها على حساب المشروع الفني بوصفه عملية مستمرة من البحث والتجريب والتطور.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 بدأت تتشكل ملامح الحركة التشكيلية المعاصرة. غير أن هذه الولادة جاءت في ظروف تاريخية تختلف جذريا عن تلك التي شهدتها أوروبا. فبعد قرون من الحكم العثماني كان العراق قد ابتعد إلى حد كبير عن المسار التاريخي الذي مرت به الفنون الأوروبية حيث تتابعت التحولات الفكرية والفلسفية والجمالية منذ عصر النهضة وتعاقبت المدارس والأساليب عبر قرون طويلة حتى وصلت إلى الحداثة.
وعندما بدأت البعثات الفنية العراقية الأولى تتجه إلى أوروبا، وجد الفنانون العراقيون أنفسهم أمام إرث فني هائل تشكل عبر مئات السنين بينما كانوا مطالبين في الوقت نفسه بالمساهمة في تأسيس حركة تشكيلية حديثة داخل مجتمع لم يعش ذلك التراكم التاريخي. لذلك كان من الطبيعي أن يتأثر كل واحد منهم بالاتجاه الذي وجده أقرب إلى تكوينه الفكري والجمالي. فاتجه بعضهم إلى الواقعية وآخرون إلى الانطباعية أو التعبيرية بينما حاول آخرون إلى تحويل بعض الأساليب إلى بناء لغة تشكيلية تستلهم الموروث الرافديني والإسلامي والشعبي ضمن رؤية معاصرة.
وكانت تلك المحاولات بكل تنوعها تمثل فعل تأسيسيا مشروعا لأنها جاءت استجابة لظرف تاريخي وثقافي خاص وسعت إلى بناء هوية بصرية حديثة للفن العراقي.
غير أن الرواد في تقديري لم يقصدوا أن تتحول تجاربهم إلى مدارس مغلقة ولم يطرحوا أساليبهم بوصفها نماذج نهائية ينبغي أن تتكرر. لقد كانوا في جوهر مشروعهم دعاة بحث وتجريب وكانت الريادة بالنسبة إليهم فعل اكتشاف مستمر لا تثبيتا لصيغة نهائية.
لكن ما حدث مع تعاقب الأجيال كان مختلفا. فبدلا من أن يستمر مشروع البحث الذي بدأه الرواد أخذ الاهتمام يتحول تدريجيا إلى البحث عن “الأسلوب الشخصي” أو ما أصبح يعرف بـ”البصمة”. ومع مرور الزمن لم يعد ذلك مجرد خيار فردي بل تحول إلى نهج يكاد يكون سائدا داخل الحركة التشكيلية العراقية تتناقله الأجيال بوصفه أحد أهم شروط النجاح والاعتراف.
وأصبح الفنان الشاب يشعر منذ بداياته أن عليه أن يعثر سريعا على أسلوب يميزه وأن يحافظ عليه طوال حياته. وتحول امتلاك البصمة إلى هدف يسبق بناء المعرفة و يعلو في كثير من الأحيان على البحث نفسه.
وهنا في تقديري بدأت إحدى أهم الإشكاليات البنيوية في الحركة التشكيلية العراقية. فالبصمة ليست خط في ذاتها بل هي نتيجة طبيعية لأي تجربة فنية ناضجة. لكنها في التجارب الكبرى لا تكون نقطة البداية وإنما ثمرة مسار طويل من البحث والتجريب والتطور الفكري. أما عندما تتحول إلى هدف مبكر فإنها تتحول تدريجيا إلى قيد لأنها تدفع الفنان إلى الدفاع عن لغته البصرية بدل مساءلتها وإلى المحافظة على ما أنجزه بدل السعي إلى تجاوزه.
وربما كان الدافع الرئيس الذي جعلني أطرح هذا الموضوع يعود إلى تجربة شخصية عايشتها منذ بدايات السبعينيات. فقد كنت أحرص على زيارة المعارض الجماعية التي كانت تقام آنذاك وكان يلفت انتباهي أنني في كثير من الأحيان لم أكن بحاجة إلى قراءة أسماء الفنانين المعلقة إلى جانب الأعمال. كان يكفي المرور أمام اللوحات حتى أعرف صاحبها من أسلوبها.
في ذلك الوقت كنت أرى في هذه الظاهرة دليلا على رسوخ الهوية الفنية لكن مع مرور السنوات بدأت أتساءل هل كان ذلك دليلا على حيوية التجربة أم على استقرارها المبكر؟ والأكثر إثارة للتأمل أن هذه الظاهرة لم تتراجع مع تعاقب الأجيال بل ما زالت إلى اليوم حاضرة بدرجات متفاوتة في المشهد التشكيلي العراقي حتى أصبح المتلقي قادرا في كثير من الأحيان على معرفة صاحب العمل قبل أن يقرأ اسمه.
وليس هذا هو موضع الاعتراض فلكل فنان الحق في أن يمتلك لغته الخاصة لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو “هل ظل هذا الأسلوب يتطور مع تطور التجربة أم تحول إلى قالب ثابت يعاد إنتاجه لعقود؟”
ولعل أخطر ما ترتب على هذا النهج أنه عطل إلى حد بعيد مفهوم المشروع الفني. فالمشروع الفني ليس إنتاج عشرات الأعمال المتشابهة ولا المحافظة على لغة بصرية واحدة وإنما هو رؤية فكرية وجمالية تتطور باستمرار وتنتقل من مرحلة إلى أخرى وتعيد مساءلة أدواتها وأسئلتها كلما تطورت تجربة الفنان ومعرفته. فالمشروع الحقيقي لا يعرف التوقف لأنه قائم على الاكتشاف لا على التكرار.
أما عندما يصبح الهدف الأول هو المحافظة على البصمة فإن المشروع يتراجع تلقائيا. وتتحول التجربة إلى إعادة إنتاج للصيغة نفسها مع اختلافات محدودة في اللون أو التكوين أو الخامة بينما تبقى الرؤية الفكرية والجمالية على حالها.
وهكذا يصبح الأسلوب نهاية الطريق بينما كان يفترض أن يكون إحدى أدوات المشروع. إن تاريخ الفن لا يحتفي بالفنانين لأنهم امتلكوا بصمة مميزة فحسب وإنما لأنهم أنجزوا مشاريع فنية غيرت طريقة التفكير في الفن وأضافت مفاهيم جديدة إلى الثقافة البصرية. فالمشروع هو الذي يمنح الأسلوب معناه أما الأسلوب وحده فلا يستطيع أن يصنع مشروعا.
ولو تأملنا تجارب كبار الفنانين في تاريخ الفن لوجدنا أن الثابت الحقيقي فيها لم يكن الشكل بل الرؤية. أما اللغة البصرية فقد كانت تنمو وتتغير كلما تغيرت الأسئلة التي تحرك التجربة. ولذلك بقيت أعمالهم حية لأنها كانت في حالة اكتشاف دائم لا في حالة تكرار دائم.
ولا يعني هذا أن الفنان مطالب بتغيير أسلوبه مع كل معرض ولا أن الثبات في ذاته عيب. فالهوية الفنية ضرورة لكنها ليست قالبا مغلقا بل كائن حي يتطور مع تطور صاحبه. فالفنان الذي يمتلك مشروعا حقيقيا لا يخشى أن تتغير أدواته لأنه يدرك أن الثابت الحقيقي ليس الشكل بل الفكر الذي يقوده.
ومن هنا أرى أن أحد الأسباب الجوهرية لتعثر التطور الطبيعي للحركة التشكيلية العراقية لا يكمن في قلة المواهب ولا في ضعف الإمكانات وإنما في ترسيخ ثقافة جعلت البحث عن البصمة هدفا يسبق البحث عن المعرفة وأعطت للأسلوب قيمة أكبر من المشروع. ومع مرور العقود لم يعد هذا التصور مجرد ممارسة فردية بل أصبح نهجا تتناقله الأغلبية من جيل إلى آخر حتى تحول إلى عرف غير مكتوب داخل الحركة الفنية.
ومن المؤسف أن هذا النهج لم يجد ما يكفي من المراجعة داخل المؤسسات الأكاديمية مع أن مسؤولية الأكاديمية لا تقتصر على تعليم الرسم أو النحت أو تقنيات التكوين وإنما تمتد إلى بناء وعي الفنان بوظيفة الفن نفسها. فالتعليم الفني ينبغي أن يرسخ لدى الطالب أن الفن ليس مجرد إنتاج صور جميلة أو البحث عن هوية شكلية بل هو مشروع معرفي وثقافي يقوم على البحث والتجريب وعلى مساءلة الواقع والإنسان وعلى تطوير أدوات التعبير كلما تطورت الرؤية.
إن من واجب الأكاديميات والمعاهد الفنية أن تمنح مفهوم المشروع الفني مكانته داخل مناهجها وأن تفتح أمام الطلبة افاقا أوسع للبحث والقراءة والتجريب والتفكير النقدي وأن تحررهم من هاجس البحث المبكر عن البصمة. فالأسلوب لا ينبغي أن يكون أول ما يبحث عنه الفنان بل اخر ما يصل إليه بعد سنوات طويلة من التراكم المعرفي والممارسة والتجربة.
إن الوفاء الحقيقي للرواد لا يكون بتكرار أساليبهم وإنما باستعادة روحهم. فقد كانوا في زمنهم مجددين ومغامرين ولم يخشوا خوض تجارب جديدة أو مراجعة ما تعلموه. أما تحويل منجزهم إلى مرجعيات جامدة فهو يتعارض مع جوهر الريادة نفسها لأن الريادة ليست أسلوبا بل موقفا من الفن والحياة.
ولعل الوقت قد حان لأن نعيد صياغة السؤال الذي نطرحه على الفنان العراقي داخل الأكاديمية وفي قاعات العرض وفي الخطاب النقدي.
فبدلا من أن نسأل ما هو أسلوبك؟ ينبغي أن نسأل ما هو مشروعك الفني؟ وما الذي تضيفه إلى المعرفة البصرية وتطورها؟
لأن الأسلوب قد يولد في سنوات قليلة أما المشروع فلا يولد إلا عبر حياة كاملة من البحث والتجريب والمراجعة. والأسلوب يمنح الفنان هوية أما المشروع فهو الذي يمنحه مكانته في تاريخ الفن وهو الذي يسهم في تطوير الحركة التشكيلية وإغناء الثقافة البصرية.
ملاحظة: تعمدت عدم إيراد أسماء أو أمثلة محددة لأن الغاية من هذه المقالة ليست إحراج أي فنان أو التقليل من قيمة أي تجربة بل فتح نقاش نقدي حول ظاهرة أراها مؤثرة في مسار الحركة التشكيلية العراقية. فالنقد في جوهره يناقش الأفكار والظواهر وآليات تشكلها لا الأشخاص.
#الفن زالنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت


