…لم أتحدّث عما أعانيه من آلام منذ أسابيع، لم تغادرني حتى بعد خروجي من المشفى.
خرجتُ بجسدٍ مثخنٍ بعمليةٍ جراحيةٍ أخضعتني لآلامٍ أشدّ مضاضة، لكنّ آثار الجراح أيقظ فيَّ ألمًا أعتى وأمرّ: ذكريات اللجوء والهروب الكبير من بلد الجريمة السورية. كنتُ فيها أحد الناجين، كما وصفني حينها الصديق العزيز فارس الحلو في مدونته التي وسمها بـ”ناجون”.
وماذا أفعل وأنا أسير الفراش، والآلام لا تبارحني مع كل وصفات المسكّنات التي حمّلني إيّاها الأطباء؟ كان بعضها من أعلى درجات “المورفين”، مسكّن ألم الموت البطيء.
هكذا كان حالي في الأيام الماضية.
ومن شدّة الوجع لم تعد لي عينان تقويان على متابعة القراءة أكثر من نصف دقيقة، إذ سرعان ما يسقط الكتاب من يدي.
وحين خرجتُ من المشفى مثقلًا بالوجع والذكرى، فكّرتُ بمتابعة فيلمٍ سينمائي سمعتُ عنه، ودوّنتُ قصته الحقيقية ونشرتُها قبل أكثر من عشر سنوات، ولم تسنح لي مشاهدته عند عرضه الأول عام 2022.
وكأن خروجي من باب المشفى هو ذاته خروج من غرفة عمليات القدر، فاحتاج قلبي إلى قصة نجاةٍ أخرى تعينه على النجاة.
كان الفيلم الذي اخترته يروي القصة الحقيقية للبطلتين السوريتين الشقيقتين سارة ويسرى مارديني، ففي غمرة الغبار والدمار، قررت الشقيقتان أن السباحة ليست مجرّد رياضة، بل هي وسيلة النجاة الوحيدة من غرقٍ محتوم.
حملتا أحلامهما على أكتافهما، وغادرتا دمشق بحثًا عن أمانٍ مفقود، لتجدا نفسيهما في عرض بحر إيجه، على متن قاربٍ مطاطيّ تكدّس فيه اللاجئون، وكأنما البحر أراد اختبار قوتهما.
فجأة.. تعطّل المحرّك، وساد الصمت إلا من صوت أمواجٍ بدت كأنها تبتلع الآمال. في تلك اللحظة الفارقة، حين أوشك الموت أن يُسدل الستار، قفزت الشقيقتان إلى مياه البحر الباردة.
لم تكن سباحةً لكسر الأرقام القياسية، بل سباحةً لكسر قيود الموت.
لأكثر من ثلاث ساعات، وبإرادةٍ صلبة، سحبتا القارب بمن فيه، من نساء واطفال وشبان، تقارعان الأمواج العاتية، وتشقّان الظلام، حتى أوصلتا الجميع إلى برّ الأمان.
لم تنتهِ الرحلة هنا، بل كانت بداية ملحمة، فمن قاربٍ يصارع الغرق، إلى منصات الأولمبياد، أثبتت يسرى أن الأحلام العنيدة لا تُقتل، وأن الفراشة السورية يمكنها التحليق عاليًا، لتصبح يسرى فيما بعد أصغر سفيرة للنوايا الحسنة، وتصبح سارة رمزًا للتضحية والإنسانية.
إنهما السباحتان اللتان لم تسبحا في الماء فحسب، بل سبحتا عبر الخوف، والألم، واللجوء.
وأنا، الخارج لتوي من مشفى ومن ذاكرة، وجدتُ في حكايتهما التي عرفتها سابقا …ضمادًا وهي مجسدة أمام ناظريّ بصريا.
فإن كان الجسد قد خرج من غرفة العمليات مثخنًا، فالروح خرجت من هذا الفيلم تسبح من جديد، لتكونا قصة إلهامٍ خالدة تعيد تعريف معنى الإرادة السورية.. ومعنى نجاتي أنا.
أنصح بمشاهدته لمن لم يشاهده بعد، رغم تجاوز الفيلم الدوافع السياسية والجرمية لما حصل في سوريا واحاطته فقط بالجانب الانساني والرياضي.


