الباحث المغربي والناقد والاستاذ: د. محمد البندوري.يكتب عن الفنان السوري: عبود سليمان ابو الفرات.

ممتن للدكتور الفاضل والباحث الجمالي الناقد والاستاذ د. محمد البندوري احد اهم القامات الابداعية المغربية العربية التشكيلية .
لما تفضل به علي ورسمي وسيرتي ومسيرتي بالقراءة النقدية الهامة .
و التي ستكون في كتابي المطبوع عن تجربتي الفنية . والذي سوف يصدر قريبا مع نخبة من الاقلام العربية . والسورية . والكندية.
باللغة العربية والانجليزية .
ممتن لكرمك مع اخوك ابو الفرات . وبك افتخر . ولك جميل الشكر. والمحبة والتقدير اخي الكريم .
ودام عزك . ويظل كرمك متحف صدق . وايمان . ووفاء .
المكرم اخي الدكتور الناقد . ا. د . محمد البندوري . اخوك ابو الفرات . مشتاق لحرفك وطماعين في كرمك لدي كتاب للطباعة . وهو كتابي الاول سوف يصدر عندما انتهي من جمع النصوص النقدية . لبعض ثقات النقد . والكتابة التشكيلية. وزملاء العمر . واتمنى ان تكون بينهم .
وانت اهلا لذلك . واعرفك زميل عزيز منذ ايام جريدة الزمان الدولية . وحيث كنت تشاركنا جمال نبض روحك البطلة في القراءات النقدية..
وعلى قدر الكرم تاتي المكارم . ونعم الكريم . الفاضل النبيل . الجميل اصل وفصل وتاريخ وسمعة عطرة . نص عظيم اعجبني. واسعدني كثيرا انا وزوجتي ام الفرات والفرات واخوته ولك شاكرين ياسيد اهل العزم المقتدر .
وسيرى النور في كتاب نرسل لك منه النسخ حال صدوره وانتم اهلنا في قمم الاطلسي في المغرب الشقيق ..
…………………….
تداخل لغة الإيحاء وبلاغة الشكل في منجز الفنان التشكيلي عبود سلمان
د. محمد البندوري – المغرب
يشكل التمثل التقني العالي، والتوظيف الجمالي الأمثل للشخوصات والأشكال الفنية المتنوعة، أحد أبرز المكونات الحيوية في الأعمال التشكيلية للفنان المبدع عبود سلمان، فهو يُحوّل اللون ومجال الشكل إلى علامات أيقونية دالة على مناحي تعبيرية، الشيء الذي يُبدي أعماله أقرب إلى التأمل منه إلى الواقع، إنه وضع فني يفسح المجال للتعدد القرائي، بما يُتيحه من صياغة لونية بتنوع في التعبير، ليصل بالعمل الفني إلى نقطة الإبداع. باستناد قوي إلى الواقع، ومقاربته بالأغراض التي يريد بلوغها عبر إيقاعٍ يَنسجم مع تصوراته وأفكاره، ويتلاءم مع المادة التشكيلية التعبيرية المعاصرة. كما أن تعدد الاتجاهات في منجزه التشكيلي، واختلاف المسالك التي يتقصد بها المبدع تحقيق بلاغة فنية عبر الرؤية البصرية وفق توجهات تشكيلية غير مباشرة، تنم عن قدرته الإبداعية في التفاعل مع هذا المستوى التعبيري الخصب والصعب، إذ تتبدى من خلاله أعماله محملة بمجموعة كبيرة من الخصائص الفريدة، وهو ما يوضح استيعابه للمادة التشكيلية في علاقتها بالمنحى البياني والبلاغي، فقد استطاع بعبقريته الفذة، ونبوغه الطافح أن يستلهم من عناصر الواقع، ومن الشخوصات، ومن الأشكال المتنوعة، ومن الألوان كل الأساسيات التي يبني عليها الفضاء، ويتقصد من خلالها الدلالات المتنوعة والمعنى المشترك.
فمن جماليات ذلك التوظيف المحكم قدرته الإبداعية على ضخ الحركة والسكون في آن واحد، وتوظيفه للكتل مع إحداث إيقاع موسيقي متنوع، فالتشابك الشكلي واللوني والتموجات المختلفة تدل على نوع من التفاعل الجدلي داخل أنساق أعماله، وهي تشكل النبض الجمالي المثير. فالقارئ يستشف عن قرب كل ذلك، وإنّ اختيار هذا المسلك، هو اختيار لعالم فني بلا حدود، اختيار لفضاء لا ينتهي، يتطلب التحكم بقوة في التدبير على كل المستويات؛ التصورية، والثقافية، والفنية، والبنائية، والتعبيرية، واللونية، والعلامية، والرمزية، والدلالية، والتقنية.. بنوع من التخصص والكفاءة التشكيلية والجدارة، والقدرة الكبيرة على التوظيف المتقن. وهذا كله يتوفر في الفنان المقتدر عبود سلمان الذي راكم تجربة عالمة، قادته لأن يرسي قاعدة من التشكيلات التي تُجسد اختياراته الفنية الموفقة، التي لا تحدها أمكنة ولا أزمنة. فخبرته قادته لاستخلاص العديد من العوالم التي ينبني عليها الفن التشكيلي المعاصر، فأهله ذلك لارتياد عالم الإبداع بشكل ممنهج ودقيق، وهو ما نستشفه في أعماله القوية التي تتبدى فيها قوة الإرسال، بمرجعيات تُبنى عليها بين الحين والفين أدراج المستجدات التشكيلية، التي تولد الدلالات تلو الأخرى بآليات جديدة في التعبير عن الواقع بما يحمله من تراث ومعالم حضارية، وتحقيق المكاسب الجمالية في العمل التشكيلي المعاصر.
لقد تعمق الفنان التشكيلي عبود سلمان في تفاصيل المادة التشكيليّة، باعتبارها فنّا له أسسه المرجعيّة، ومقوماته الجماليّة، فأبدع بالشكل الجمالي الهادف الذي ينتج المعنى، من ناحية التحليل، والتركيب، والاستدلال، والتطبيق الأمثل لمقومات الفن التشكيلي، وذلك لتَحلّيه بفهم حقيقيّ عن واقع التشكيل تنظيرا وممارسة، فكرا وإبداعا. فهو يعي قيمة العلاقة بين التشكيل والصيغ الجماليّة، سواء من حيث التشبيه أو التجريد، أو العلامات ومختلف الأشكال؛ إذ هناك تصور آخر للجماليّة في التشكيل لا يقوم فقط على المحاكاة والشبه، بل على بعض الجماليّات التي تستند إلى عالم الشكل والعلامة واللون. إنها صناعة فنيّة لها دلالاتها المعنوية في مجال التشكيل، تتمثل مشابهة المعنى الواقعي والمعنى التشكيلي، ولم ينضج فهم النقد ليبلغ درجة من التفاعل مع هذ الجماليّات التي تكتنزها أعمال الفنان الكبير عبود سلمان ومع بنياتها ومكوناتها، وهو إن تَحقّق؛ فإنه يشكل تفاعلا ضمنيا مع إحدى أهم الظواهر المؤثرة في الذهنية العربيّة، بتجاوزها لمهمتها الأولى في نقل المعنى، إلى مهمات أخرى أصبحت أكثر أهمية، وتشكل عمودًا أسـاسيًّا يتجاوز توظيف الصيغ المألوفة عادة؛ إذ إن أعمال المبدع عبود سلمان التشكيلية تنطوي على مقصديات تتوحد مع ملامح الشكل الواقعيّ والانطباعيّ والتجريديّ ومع بعض الاتجاهات الفنية الأخرى في آن واحد، وذلك لأنه يوظف الجماليّات توظيفا ارتقائيّا وبشكل مغاير، ما يجعلها تلعب دورا أساسيا في تحويل الاهتمام إلى بنية الصورة البصريّة التي تتحكم في التصور الذهنيّ، والتأثير في الفهم، وفي تشكيل الوعي. ولا غرو في ذلك، فهذه المقومات تكتسي أهمية خاصة في التشكيل البصريّ المؤثر في المضامين، والمحرك للأفهام، ما يؤشر على قوة تحوّل هذا المنجز إلى فن راق بمواصفات عالمية، لأن المبدع سلمان يتفاعل ضمنيا مع كل الجزئيات التشكيليّة، ويُخصص لها من العناية ما يلزم، ويجعل لكل مفردة فنيّة الموضع الذي يناسبها، ويُتمم عمليات الإنجاز بتوافقات أسلوبيّة تتمهر فيها مختلف العناصر التشكيليّة، في مسلك جماليّ يتسم بالرونق الفني، والزينة اللونية، والتأنق الشكلي، إذ يلعب هذا الدور الوظيفة الرمزيّة نفسها التي تتناسب مع تناسق الأفهام، ومع جانب الدلالة، ومع سياقات الفن التشكيلي المعاصر، ومع الوظائف التقنية المختلفة. وتتنوع هذه المسالك تماشيًا مع التعابير التي يحملها هذا المنجز الذي يختزن في طيه دلالات مختلفة، ومعانٍ متنوعة. وفي خضم كل ذلك، فإن المبدع عبود يسخر قدراته الفنيّة والتقنيّة من خلال مجموعة من الرؤى الفنية الجادة، ومن خلال مجموعة من الأسس المعرفيّة لتخطي المستهلك، وارتياد عوالم التجديد في أبهته التشكيلية.
ولأن الترابط بين المواد التشبيهية التي يشتغل عليها المبدع وبين المادة التشكيلية في مختلف تجلياتها ترتبط بالتعبير وترتكز على ملمس جمالي بمقومات فنية مدججة بالعلامات اللونية والانزياحات الشكلية، ذات الاستعمالات الايحائية الحمالة لأوجه من المعاني والحابلة بالدلالات القوية؛ فإن ذلك قد اتخذ مسارا فنيا تكامليا، فأعمال الفنان عبود سلمان تُشكل مادة تعبيرية تؤصل لثقافة تعبيرية تنتهل من الواقع ومن التشبيه ومن التجريد ومن عدد من الاتجاهات الفنية؛ أسلوبا قويما متفردا ينزاح عن الواقع وعن الشخوصات وعن الأشكال العامة، إلى عوالم ذات أبعاد جمالية ذات معنى، الشيء الذي يفضي إلى مجموعة من التفاعلات الفنية التي تدحض البناءات الفراغية في أعماله، وذلك بقوة التوظيف الشخوصي والشكلي المنحرف عن الشكل العادي، والمدمج في صلب الأشكال المتنوعة، ليجعل التعبير يتجاوز الإطار المعتاد إلى الأشكال والرموز والعلامات اللونية بتركيب فني متجدد، لأنه يروم العودة بالمادة التشكيلية إلى الواقع بتصورات جديدة، ورؤى فنية عميقة الدلالات. فخاصية التعدد العلاماتي والرمزي والإيحائي والإشارات في نسيجها التشكيلي تُحدث حركات متتالية قادرة على تغيير المنحى التعبيري العادي والعبور به نحو تعددية القراءة، لذلك يبلور المبدع عبود سلمان العمليات الإبداعية وفق خاصيات فنية وجمالية يقرأ بها المفردات الفنية قراءة معاصرة، يختزلها في الشكل، وفي الانزياح عن الاتجاهات الفنية، بشكل يجعل القارئ يغوص في عمق المادة التشكيلية بصيغها الإشكالية، ومسالكها الجمالية، ومضامينها المضمرة وراء حجب اللون والعلامة والشكل والشخوصات. فالمبدع يصنع الجمال من الشكل واللون، ومن الواقع، ويمر بالمجال التعبيري وفق نسيج من الروابط الفنية التي تصل درجة عالية من التوازن، ما يُحرر أعماله من القيود، ويفسح المجال للتعبير وفق أساليب تحاورية، وأدوات تحولية، تصنع في مختلف أعماله أفقا تعبيريا يبعث المعاني المشتركة. فالمبدع يستند في العملية الإبداعية إلى عدد من العناصر الجمالية، والمفردات الفنية لصنع منجزه التشكيلي وفق تصور فني يراعي المساحة، ويعتني بقيم السطح؛ وهو ما ينم عن جانب من الرقي في تقديم مادة تشكيلية وافرة المعاني والدلالات.
وبذلك فإن القاعدة التشكيلية لديه؛ تتبلور في أنساق تشكيلية دلالية متلائمة، منسجمة فيما بينها، يُخضعها للمجال الرؤيوي وإلى طرائق التوظيف، وهو ما تُفسره التعددية اللونية المتناسقة، والتلاحمات الشّكلية، ما يؤشر على نوع من الجمال في عملية ربط المجال التعبيري بالواقع وبالتشبيه، وبالمادة التشكيلية المعاصرة. فيتبدى التفاعل الجدلي بين المكونات الأساسية للعمل التشكيلي، وبين عملية التوظيف الإبداعي المتحرك الذي يعتمد تدفق اللون وترسيم الشكل العام في الفضاء.
وإن كان المبدع يستند في منجزه التشكيلي على هذه القاعدة، فإنه في الآن نفسه يلجأ أحيانا إلى تشخيص صور واضحة المعالم ليُظهر التتابعات الفنية في تحولاتها المرتبطة بالظواهر الفنية والتعبيرية. يُنجزها وفق تقنياته العالية، ومهاراته الفائقة، وقدراته الفنية الكبيرة، فهو يثبت الملامح المشخصة، ويمررها من مختلف العمليات الإبداعية التي يقاربها بالمادة المرتبطة بالمجال الفني والثقافي والاجتماعي والفلسفي. فالتعبير بأشكال تحمل في طيها مفاهيم ذات مغازي عميقة، ودلالات تشكل رسائل صريحة الى القارئ؛ يجعل المبدع يتخطى ببراعة، التشكيل المألوف إلى عالم فني يروم معاني الفكر، والثقافة، والفن في تجاوز صريح لمجموعة من المفاهيم التي لم تعد قابلة لإعادة الصياغة في الوقت الراهن. لذلك فمنجزه التشكيلي الذي يدخل في سياق مشروعه الذاتي، هو إنجاز متكامل البنية الفنية، ويحمل مضامين عميقة، بقوامة متفاعلة مع كل منطق فني سليم. إن أعماله تتواشج على نحو يرصد الواقع الحضاري في سياقات مختلفة، تدل على ذلك أعماله الفنية ذات الرؤية الإبداعية التي تستنطق المشاعر وفق عدد من الإشكالات والمضامين، بمتعة الفنان الذي يصنع الأفكار والتصورات بتحويلات فنية وجمالية، تُخرج المادة التشكيلية إلى حيز وجودي واقعي ودلالي.
وتُشكل المهارة والتقنيات العالية دورا أساسيا في هذا المنجز الثري، فبواسطتها يُدير أدورا فعالة في تقصّد التجديد بأسلوبه الخاص في التعبير، ومشروعه الإبداعي المتميز في الساحة التشكيلية العربية، وفلسفته الفنية التي تحظى بالتقدير في المنظومة التشكيلية محليا ودوليا، اعتبارا لمجهوداته في مزج هذه الفلسفة بطبيعة أعماله حتى تعتلي صفوة الفن عالميا.
إن كل هذه الاستعمالات وغيرها قد قادت المبدع إلى طُرق تعبيرية منزاحة عن المعتاد، ومتجاوزة للمألوف، حيث إن كل المكونات الرئيسية التي اعتمدها في ثقافته التشكيلية تَشكّلت في نطاق العلاقة التي تربط التشبيه والتشكيل والتجريد واتجاهات فنية أخرى، وبذلك فإن أعمال الفنان عبود سلمان في عمقها الفنيّ والتشكيليّ تَطرح بعض التساؤلات التي تُعبر عن بعض القضايا التي تبحث في حقيقة تحول المادة التشكيلية إلى معنى، وإلى دلالة، وفق صيغ فنيّة معاصرة. وهذا يجعلنا نطرح أكثر من علامة استفهام حول مدار العلاقة التي تربط الواقع والمادة التشكيلية في اتجاهات فنية متعددة، ومدار الصياغة التي اعتمدها المبدع لتبنّي أسلوب يربط بين مختلف الاتجاهات، تتعدد فيه المسالك حتى يتخذ بعدا بلاغيا. فاندماج التشبيه في التشكيل، وتحوله إلى ممارسات ثقافيّة، وتراثية، وحضارية، وفنيّة؛ يجعله يتخذ مكانة في المعنى المشترك. فالإبداعات التشبيهيّة والتجريديّة والانطباعية والواقعية والشخوصية التي ينتجها المبدع ترتبط كليا بالتصورات الفنيّة التي تُشكّل الهوية الجماليّة لثقافته الخاصة بما تحمله من المعاني والدلالات. لأنه يستوعب التحولات الفنية الجديدة. وله القدرة على تحديد سياق العلاقة التي تربط التشكيل بمختلف المناحي الأخرى، وهو ما يؤثر إيجابا في هذه العلاقة، وفق تصور فنيّ يَستخدم الإمكانات الضرورية لتقديم أسلوب فنيّ يحتوي الرؤية الفنيّة التي تساعد على تطوير هذا المنحى من منظور يعتمد التجليات الفنية التي تُؤهل للاشتراك في المعنى بشكل يتجاوز الجاهز.
وفي سياق هذه الفلسفة بأنساقها المعيارية التي توجه المنحى الشكلي؛ فقد استطاع المبدع عبود سلمان في نطاق هذه العلاقة أن يُنتج مساحة فنيّة امتزجت فيها الألوان والأشكال والشخوصات والتعبير، وتداخلت فيها نسب التحوير، وتقاسمت فيها بعض الاتجاهات الفنية المجال التشكيلي في سياقه الخصب، فأدى ذلك إلى تحول في المادة التشكيلية إلى بلاغة فنية جديدة، جعلت المبدع عبود سلمان يُوطد مخزونا تشكيليا بصياغات فنيّة وجماليّة تعتمد السمات البيانية، والأنظمة الإيحائية وعناصر الشكل، ما يحيل على اشتراك منجزه التشكيلي في مساحة تجمع بين النظرية والتطبيق، وتُوجه المنحى الشكليّ نحو المجال البلاغي والبياني. وهو تَوجّه جديد في مسار الفن التشكيلي العربي، لأنه يتصل بالبُعد البلاغي مما يسهم في الرفع من القيمة التشكيليّة المرتبطة بهذا المنحى في أعمال المبدع، وهو الذي اشتغل في ممارساته التشكيليّة وفق هذا التصور الذي يُلامس الحقل البياني والبلاغي. فأخضع التشبيه إلى بعض الأنظمة الإيحائية والتأويلية، خاصة ما تَعلّق بتشكيل الشخوصات وبعض الأشكال والألوان وفق خاصيات فنيّة جديدة، ترتبط بالتغيير في المجال التشكيلي، وبذلك يكون المبدع قد غلّف بهذه السمات مساحة فنيّة شاسعة غزيرة بالمفاهيم والتحولات الفنيّة، طوّع معها الشكل عموما إلى تحويل فنيّ وجماليّ. فأسس لأعماله صرحا فنيا ماتعا، بما يتوافر فيها من أبعاد جمالية وثقافيّة وبيانية وبلاغية، إذ إن مجمل هذه الأخصائص قد أثرت في المقصديات الدلاليّة المختلفة التي تُسهم في إنشاء مساحة فنيّة جديدة، ما أثّر بشكل مباشر في عمليات تشكيل المعنى البلاغي على نطاق واسع.
ومع هذا الإنجاز المتفرد، والتوجه الواضح نحو المسار البلاغي، فإن المبدع عبود سلمان أصبح يتمثل تجربة رائدة في هذا المقصد، يروم من خلالها بيان الشكل وحسن المعنى، رغبة منه في أن يكتسب المجال التشكيليّ حلّة فنيّة وجماليّة ذات رمزيّة، وهو ما يُفسر إبراز المفردات التشكيلية والعناصر الفنية على نحو من التركيب الجماليّ والبياني والاستدلاليّ. وقد فتح ذلك سلسلة من القراءات المتغيرة في أعماله، إذ تم توظيف جملة من العناصر التي لا تتفاعل مع الشكل الواحد للمعنى؛ بل تتفاعل مع كل الأشكال والمفردات والاتجاهات التشكيلية في تمثيل هذا المسلك الفنيّ الذي يُمثل أيقونة مصدرية للفهم والإدراك الجماليّ داخل المنظومة التشكيليّة العربيّة المعاصرة. لذلك يعمل المبدع على إعادة تشكيل عناصر العمل الفنيّ ضمن علاقات مغايرة لا ينتهي عندها العمل في حد معين، وإنما تنبئ بدلالات ومعانٍ مختلفة. وتُسهم في تكثير المعنى وإطلاقه في بنية فنيّة برؤية بيانية تحوليّة، تبعا للشروط الفنيّة والجماليّة والمعرفيّة. وتبعًا للاختيارات الفنية الحاسمة التي شكّلت هذا التحول في جميع مراحله. وهذا يحيل على أن هذا التوجه البلاغي في هذا المنجز التشكيلي يمتح من المرجعيات التأريخية الأسس البيانية، والبلاغية، والفنيّة التي تتقصد الأصل والنبع العربيّ.
ويتبدى أن هذا المنجز يتأسس على كيان فنيّ له مرجعيته التأريخية. فَعمِل المبدع على تحوير المنابع لتشكيل أسلوب تشكيلي، ومسلك فني يحمل إشارات تُغني الرصيد المعرفي للفن العربيّ، واستثمره على نحو من المعنى، وعلى نحو من التجديد. إذ حملت أعماله؛ التشبيه والتجريد والأشكال المختلفة والألوان المتنوعة، في نطاق يُراعي النِّسب، والأقيسة وغير ذلك مما يُتيح بروز المعنى المقصود بشكل بليغ، وما يماثل هذا في سياق تصوري؛ هو تشكيل الشخوصات وتمثيلها في الذهن على غير أشكالها الواقعية الصرفة، في محاكاة للواقع بأسلوب فنيّ يبعث على الإثارة. وهو بذلك يُضمّن منجزه بصمة تَدلّ عليه.
ولا يُمكن أن نبخس فضل هذه التجربة المتفردة التي أدّت إلى ابتداع أسلوب فنيّ متعدد المسالك، والخصائص البيانية والبلاغية في التشكيل العربيّ، باستخدام المادة التشبيهيّة، والأشكال المتنوعة، والعلامات، والألوان بمقدرة إبداعيّة، فآثر التجديد بقدر ما قدّمه المبدع من لطائف اللوحات التي يجب الاهتداء إلى مثلها، لأنها حملت رؤية فنيّة وبلاغيّة بعمق مرئيّ على مستوى صور التشكيل المتنوعة، بأشكال تعبيريّة تمازجت فيها المادة التمثيليّة، بتشكيل لحجمها وكتلها القابلة للإدراك البصريّ، والشكل الفنيّ الذي يمزج بين التشكيل والواقع عبر تجسيدات وعلامات أيقونية تُحيل على المضامين الهادفة.
وللإشارة، فقد كشفت هذه التجربة للباحثين عن فن إبداعيّ عربيّ متميز، جسّد واقعا بهويته الفنيّة التي تنتهل من الواقع ومن التراث الحضاريّ تفاصيله الدقيقة بما يحمله من ألبسة وعادات وتقاليد، وفق بناء جماليّ، له تكوينه الفنيّ وله المعنى الأمثل، وله الدلالات المتنوعة، ليُعبّر هذا المنجز عن فكر وثقافة حضارة عريقة. وقد ملأ الفضاء التشكيليّ العربيّ بتأثير كبير من النظريات الفنية التي تتقصد التراث الحضاري بزخارفه ومنمنماته وشخوصاته وتجريداته وألوانه واتجاهاته الفنية.
وإذا كان هذا التجديد الفنيّ في أعمال المبدع سلمان عبود قد سلك مسلكا قويما نحو التألق في المشهد التشكيليّ العربي، فإن ذلك قد تم بمحاكاة أشكال عديدة وإبداع أشكال أخرى كثيرة بدقة وعناية، بتجديد فنيّ، حيث بلغ تمثيل الواقع الحضاري حدودا من الدقة في التفاصيل الواقعيّة؛ ليُمثل المحيط البيئي بتجربته المتفردة، ويُوسع نطاقه بالمفهوم الجديد للمسلك التشبيهيّ، فاتخذ أشكالا من فصاحة الشكل وفصاحة المعنى، باعتماد حُلل من التزيين، ودرجات من التحسين، وهو ما يرمز إلى إبراز العلاقات التشبيهيّة على نحو من التركيب الجماليّ والبياني والاستدلاليّ. وهو كذلك ما دفع بالمبدع إلى المبالغة في تشكيل الشخوصات ومَلابسها ووسائل زينتها وحليّها، فبلغ حدّ الاستعارة، وأضحت هذه المفاهيم لا تبتعد عن اصطلاحاتها في بناء المادة التشكيليّة في أعماله على نحو من البناء البلاغي، والبناء الاستدلالي. وهكذا تشترك مجموعة من المصطلحات في صياغة المعنى عن طريق الرؤية البصريّة، في التوظيف الرمزي أو للإشارة أو في ملامح الوجوه. إذ إن التعبير يُسهم في تأدية المعنى بأساليب مختلفة، وذلك لأنه يرتبط بالدلالات المبنية على تعالق المعاني التي تختلف حسب الكيفيات الفنيّة التي تَنتج عن الإثارة واللذة.
وبذلك، فقد شكلت هذه العمليات التشكيليّة مجالًا فنيا استثنائيا، وذلك لحضور الفكر الإبداعي، وثقافة المجتمع، ولباس المرأة، وغير ذلك من الأشكال في هذا التوجه الذي يظل أثره ساريا في أعماله، مع العلم أن هذا النوع من الإبداع هو عملية معقدة تستهدف ملامح الوجه، أو أشكال الألبسة، أو غيرها بأسلوب مبني على ملمس فنيّ وجماليّ يروم الدّقة في إخراج التقاسيم المختلفة، والتفاصيل الدقيقة، والعناية بقيم السطح؛ وتوظيف بعض المفردات التشكيليّة التي تَربط بين الشكل الجماليّ وبين التعبير بالملامح لمقاربة المبنى بالمعنى لتوليد الدلالات المتنوعة. ولذلك عمل المبدع عبود سلمان على تجسيد عدد كبير من الأشكال المختلفة التي تمت إعادة تشكيلها وفق أنساق لونية، ثم المزج فيها بين ملامح الشخوصات والألوان، تبعًا لنسق التأثيرات المفعمة بالدلالات. فتجلى حسه الفنيّ في النّقلة الإبداعية، والدقة في التنفيذ، وفي التقاطعات الحضارية، وفي الوصل بين مختلف المفردات الفنيّة، ليتحقق في أعماله الإبداع برمزيّته الدالة على الإرث الحضاري والثقافي والفني عبر وحدة الشكل والبناء والرؤية والأسلوب والمعنى، ما أكسب هذا المنجز الرائق قيمته الفنيّة والجماليّة، وكيانه الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ الذي ارتقى بخطابه التشكيلي إلى أسمى المراتب.

أخر المقالات

منكم وإليكم