المواقف التي تقوم على التنكُّر
د.علي خليفة
ذكر برجسون في كتاب “الضحك” أن الشخص المتنكر مضحك، وأن الشخص الذي يظن أنه متنكر مضحك أيضًا.والحقيقة أن هناك كثيرًا من المواقف الكوميدية التي تقوم على التنكر، ومن أهم صور التنكر التي نراها في المسرحيات الكوميدية تنكر رجل في هيئة سيدة أو العكس، كما نرى في مسرحية “برلمان النساء” لأرسطوفان، ففيها تتنكر براكسا جورا في هيئة رجل، وتضع شاربًا ولحية في وجهها، وترتدي ملابس زوجها، وتذهب للبرلمان، ويقلدها بعض النساء في هذا التنكر، ويذهبن أيضًا للبرلمان، وفي البرلمان تستغل براكسا فصاحتها، وتستطيع أن تقنع الرجال الذين به بأن المرأة هي وحدها التي تستطيع أن تتولى الحكم في البلاد، وتضمن الحياة الكريمة الرغدة للجميع، ويصفق لها النساء المتنكرات مثلها في هيئة رجال.وتتولى براكسا حكم البلاد، وتطبق فيها اشتراكية متطرفة، هي أقرب للشيوعية، فهي تجعل النساء والأموال مشاعًا بين رجال الإغريق، ويرضى أهل الإغريق عن حكمها؛ ولهذا يجتمعون في نهاية المسرحية في وليمة كبيرة دعتهم براكسا إليها.ولجأ شكسبير إلى طريقة التنكر في بعض مسرحياته الكوميدية، لاسيما في تنكر امرأة في هيئة رجل، كما نرى في مسرحية “تاجر البندقية”، ففي هذه المسرحية نرى بورشيا تتنكر في هيئة مستشار قضائي، وتستطيع ببلاغتها، وقوة حججها أن تقنع القاضي ببراءة أنطونيو صديق زوجها الذي أراد شيلوك اليهودي أن يقتطع رطلاً من لحمه؛ لأنه لم يسدد له دينه في موعده، ولا تكتفي بورشيا بذلك، بل إنها تأتي بنصوص من القانون تستدعي عقاب شيلوك بأخذ نصف ثروته، وتُقَدَّم لأنطونيو، ويُعْطَى النصف الآخر لابنته.وقام توفيق الحكيم بمعارضة مسرحية “برلمان النساء” في مسرحية “براكسا” أو “مشكلة الحكم”، وأضاف لها أحداثًا جديدة من خياله، وصور الموقف نفسه الذي عرضه أرسطوفان في مسرحية “برلمان النساء” – وذكرناه منذ قليل – فقد أظهر الحكيم في مسرحية “براكسا” شخصية براكسا وهي متنكرة في هيئة رجل، ومعها بعض النساء متنكرات في هذه الهيئة، ويستعددن للذهاب للبرلمان؛ لتنفيذ خطتهن في ترشيح براكسا لحكم بلاد الإغريق.ونرى في بعض الملاهي الحديثة توظيف هذه المواقف التي تقوم على تنكر رجل في هئية سيدة أو العكس، كما نرى في تنكر امرأة في هيئة جندي في مسرحية “رجل الأقدار” أو “نابليون” لبرناردشو، وتستطيع هذه المرأة أن تسخر من نابليون خلال تنكرها، ويعفو عنها نابليون في النهاية حين يعرف حقيقتها.ويكثر في المسرحيات المصرية الهزلية الحديثة تنكر الرجل في هيئة امرأة أو العكس، كما نرى في مسرحية “الجوكر”، فنرى بطل هذه المسرحية يتنكر في عدة شخصيات، ومنها شخصية امرأة.ومن صور التنكر الأخرى التي نراها في بعض المواقف الكوميدية أن نرى سيدًا يتنكر في هيئة عبده أو خادمه، ونرى ذلك الخادم أو العبد يتنكر في هيئة سيده.وتكثر المواقف التي تعتمد على هذا النوع من التنكر في المسرحيات الكوميدية في العصور القديمة، كما نرى في مسرحية “الضفادع” لأرسطوفان، ففي موقف منها في العالم الآخر – كما تصوره أرسطوفان حسب عقيدة الإغريق آنذاك – يتفق ديونيسوس رب الخمر والإخصاب الوثني على أن ينتحل شخصية عبده، وينتحل عبده شخصيته، ويتشكك شخص في العالم الآخر في حقيقة كل واحد منهما، فيأمر بضربهما، ويقول: إن الذي سيتحمل الضرب منهما دون أن يتوجع يكون هو الإله، والذي سيتألم من الضرب يكون هو العبد، ويضرب ذلك الشخص ديونيسوس وعبده، ويدعي العبد في البداية أنه لا يشعر بالألم من الضرب، ولكنه لا يستطيع الصمود للنهاية، فيصرخ من شدة الألم، وَتُعْرَفُ حقيقته، وينكشف تنكره.ونرى ذلك التنكر نفسه في مسرحية “المتحذلقات” لموليير، ففي هذه المسرحية يستاء شخصان نبيلان من حذلقة فتاتين جاءتا من الريف لباريس لتعيشا فيها، وحاولتا أن تقتديا بالنساء المتحذلقات في باريس بالتشبه بهن، ويعاقب هذان النبيلان هاتين الفتاتين المتحذلقتين بأن يجعلا خادمين لهما يتنكران في هيئة نبيلين، ويتقربان منهما، وتنخدع فيهما هاتان الفتاتان، ويكشف الشخصان النبيلان عن حقيقة الحيلة التي دبراها لهما بتنكر هذين الخادمين لهما في هيئة نبيلين في نهاية هذه المسرحية، فتصاب الفتاتان المتحذلقتان بالخيبة والندم.وكذلك نرى ماريفو في بعض مسرحياته الكوميدية يجعل بعض المواقف فيها تقوم على تنكر سيد في هيئة خادمه، ويتنكر الخادم في هيئة سيده، كما نرى في مسرحية “لعبة الحب والمصادفة”، ففي هذه المسرحية يتنكر شخص نبيل في هيئة خادمه، ويجعل خادمه يتنكر في هيئته، ويقومان بزيارة الفتاة التي طلب والد الشخص النبيل إلى ابنه أن يزورها بين أهلها ليخطبها، وكان ذلك الشخص النبيل قد قصد أن يدرس أخلاق الفتاة التي سيتزوجها، وهي لا تعرفه، وتتفق تلك الفتاة النبيلة مع خادمتها بموافقة أبيها وأخيها على أن تتنكر في هيئة خادمتها وتتنكر خادمتها في هيئتها، وتقوم مواقف كوميدية كثيرة في هذه المسرحية نتيجة هذا التنكر، وتنتهي المسرحية بحب ذلك النبيل للفتاة التي جاء لخطبتها، وهو يظن أنها خادمة، وأيضًا يحب الخادم الخادمة، وكل واحد منهما يعتقد أن الآخر نبيل، ويكتشفون الحقيقة، ويسعدون بذلك.وقد عارض ألفريد فرج هذه المسرحية في مسرحية “الحب لعبة”، وأظهر فيها سيدًا متنكرًا في هيئة خادمه، وخادمًا متنكرًا في هيئة سيده، وكذلك أظهر فيها سيدة متنكرة في هيئة خادمتها، وخادمة متنكرة في هيئة سيدتها، وانتهت المسرحية بالنهاية نفسها التي انتهت بها مسرحية “لعبة الحب والمصادفة” لماريفو، ومسرحية “الحب لعبة” لألفريد فرج من أضعف مسرحياته، وتعد معارضته لمسرحية “لعبة الحب والمصادفة” في هذه المسرحية معارضة ضعيفة جدًّا، وفيها عيوب كثيرة، ليس هنا موضع ذكرها.ومن المواقف التي تقوم على التنكر في المسرحيات الكوميدية أن نرى شخصًا يتنكر في هيئة شخصية أخرى يَدَّعيها، كأن يدعي شخص أنه طبيب، وكثيرًا ما نرى مواقف يتنكر فيها أشخاص عاديون في هيئة أطباء في مسرحيات موليير، كما نرى في مسرحية “الطبيب رغم أنفه”، ومسرحية “الحب أحسن طبيب”، ومسرحية “مريض الوهم”، وموليير يريد من خلال هذه المواقف التي يتنكر فيها أشخاص في هيئة أطباء أن يسخر من أطباء عصره؛ لأنه كان يرى أنهم مدعون لا يعلمون شيئًا.#المسرح العالمي#مجلة ايليت فوتو ارت..


