الأستاذ الناقد والمترجم : عبد الكريم عيسى.يقرأ نقديا تجربة:الشاعر: د.مسلم الطعان..في مسرح قصيدتيه في ديوان ( في الجنوب البعيد) و ديوان( جنوب المراثي)..

  • الأخ والصديق الحبيب الأستاذ الناقد والمترجم المثابر عبد الكريم عيسى المحترم يقرأ نقديا تجربتي الشعرية في مسرح قصيدتي في ديوان ( في الجنوب البعيد) و ديوان( جنوب المراثي)..أزجيه من أعماق قلبي أسمى آيات الشكر والعرفان والتقدير على جهده الكبير وقرائته الرصينة مع خالص محبتي له ولكم جميعا أحبتي.

فاعلية تعدد الأصوات على خشبة مسرح القصيدة المحاوِرة في الخطاب الشعري
للشاعر مسلم الطعان

قراءة :عبد الكريم عيسى
يوظف الشاعر مسلم الطعان على خشبة مسرح القصيدة المحاوِرة آليات تعدد الأصوات عبر الفضاء القائم على الانفتاح و تبادل الآراء و بحرية عالية ينفتح على خطابات متعددة و متباينة الرؤى سواء على المستوى الاجتماعي او المستويات الأخرى كما ترتكز حواريته على الخبرة الذاتية لشخصيات قصائده، و بمردودات ذات قيمة انتاجية ، على سبيل المثال، في ديوانيه (جنوب المراثي)او(في الجنوب البعيد) ,محققا نوعا خاصا و جديدا من انواع الحوارية .فيجعل من الشخصية صوتا و توجها فكريا ،مركزا على كل الشخصيات . وفي ضوء ذلك ، تكون القصيدة المحاوِرة جماع الأفكار المتعارضة بقوة، حيث تتحاور جدليا ، و المهم لدى الشاعر الأفكار التي تتقابل و تتآلف. فالفكرة المؤنسنة هي الفكرة التي تحيا، ووصف حياة الأشخاص هو وصف لحياة الفكر. وعلى الرغم من سمة الوضوح للبنية السطحية للقصيدة المحاورة ،بيد ان الشاعر مسلم الطعان لا يستنسخ الواقع بل يقيم معه حوارا او صراعا على مستويات مختلفة فوق منصة مسرح القصيدة و غالبا ما يقيم في فضاءه الشعري جدليات من العلاقات بين المحسوسات المادية المتوافقة عبر خاصية التلاؤم مع عناصر نسيجه الشعري المستندة على علاقات الذات مع الاخر، و ما تسببه من إنفعالات و إحساسات منتجة للقصيدة المحاوِرة . والقصيدة المحاوِرة تشتغل بكامل طاقتها التوليدية لجعل الذات عنصرا متحركا في الحياة اليومية ، منصهرة في الموضوع الى حد كل الجمادات مؤنسنة تتحرك كشخصيات فاعلة او أصوات متعددة على خشبة مسرحها. و بتوظيفه لآليات التوافقات الحسية بين العناصر الإنسانية فيما بينها و الجمادات المؤنسنة ، يجعل التلّقي ذا طابع جمالي كما تشتغل جدليات العلاقات التوافقية في قصائد الشاعر بمديات بسيطة في عرضه الترابطات في التمرحل الأولي الذي يبدو مباشرا ، لكن بعد مرحلة التحشيد والتراكم للصور والرؤى تتحفز العلاقة التوافقية المركبة بتعقيد اكبر من المفتتحات الشعرية وما يقترب منها من خلال إقامة العلاقة بين اكثر من طرف محسوس ماديا كان او غير مادي، ترتكز الى تعدد الإرتباطات من حيث وظيفة كل عنصر في النسق. ويتيح مسرح القصيدة المحاوِرة للتفاعل والإندماج بين النص والمتفرج، ليظل على مسافة تسمح له بالتأمل والإشتراك والتعمّق الوجداني لما يشاهده ويسمعه، اي في حالة اليقظة دون الإدمان على حالة الخدر ويدمجه في النص كمشاهد ومشارك.
اضافة الى ذلك يمثل صوت المتكلم- الشاعر رؤى الغير فيتجلى تعدد الاصوات وتداخلها في الفضاء السردي التعبيري للقصيدة المحاوِرة. وتتوسع الشخصية الواقعية داخل القصيدة المحاوِرة البوليفونية والشاعر مختفٍ وراء المفردات، مجسداً لرؤى الشخوص وسيروراتها:

(( عذرا ابي……..
نفذت ذخيرة صبرنا
وحصانكَ المصلوب صار صهيله
خيطا طفولي الخطى
بلعته حيتان الدخان)) (ديوان جنوب المراثي، ص 50).**

فتتجسد مرويات المؤلف بشكل إيحائي عبر كلمات القصيدة وبناءاتها ورؤاها. ويمكن معاينة ذلك على عتبة مسافة لاحقة من قصيدة ( اعتذار اول لابي):

((والجوع جاء مبكرا ومكشرا انيابه
وحفيدك يا ابي يبكي طويلا
ناشرا جنحيه من جوع
يرفرف ذاكرا اترابه
لو جئته يوما بكسرة خبزنا المذبوح
ظلما يا ابي
غادرت بيدرك الذي كانت تحج اليه
اسراب الطيور))، (جنوب المراثي، ص50).

فنلاحظ فاعلية اشتغال الحدثية النصية ، تكشف عن الرؤى وحوار الأفكار وحراكها وأدائيتها الوظيفية على خشبة مسرح القصيدة المحاوِرة من خلال تنشيط التكثيف اللغوي بأدائيةٍ شعريةٍ، وإثراء الفسحة الإيحائية التي تمنحها السردية الشعرية مع بقائه كمؤلف متخفيا وراء شبكة الملفوظات، محركا إياها بمهارة وذكاء ويقول بمسافة لاحقة لنفس القصيدة:

((عذراً ابي…..،
لو انني رحلت بعيدا خطوتي
عن درب حلمك ان اكون مقاتلا
اجلب معاشك كي نعيش واخوتي
في هدأة الريف الجميل)) ,(جنوب المرافي ،ص 53).

فتحقق لنا اللغة المتموجة بأدائها الغنائي وزخمها الشعوري تعدداً تفاعليا للأصوات. فضلا عن ذلك ، يلعب صوت الشاعر الى جانب تعدد الأصوات الأخرى المتداخلة عبر لغة عذبة رقراقة في انتاج تعبيرات تغذي البوليفونية الشعرية. ويحاول من خلال مسرح القصيدة المحاوِرة –مشروعه الشعري- وما تحمله من نقاط تلاق بينها والفن المسرحي ان يقدم شعرا بانوراميا غنيا ومركبا ،مفيداً من المسرح كواقع حياتي مكثف ومركز واكثر شفافية. وفي ضوء ذلك يخلق واقعا فنيا تتواصل فيه الذوات المختلفة، ويموت فيه الواقع الجامد:

((ورفضت ان احيا حياة كالدمى
تلهو اصابعهم بنا وتزجنا
في ليل انفاق لعين)) (جنوب المراثي، ص 56).

وبهذا الخطاب الإحتجاجي، يرفض ان يصبح اداة في حروب عبثية وعقيمة. ويعزز ذلك بمسافة جمالية بليغة لاحقة:

(( ما حفرت موضعا في خنادق الخواء
بل حفرت مواضع في تربة الروح)) (جنوب المراثي، ص63).

ويجسد، من خلال مقترباته من الفضاء المسرحي إحساسا جماعيا. وهو يفيد من تعامل المسرح مع الحسيات والمرئيات فيستلهم ابعاد الواقع الحسية ويقدم خلاله دلالاته الفكرية، ورموزه ورؤاه. كما يتسم الشعر في مسرح القصيدة المحاوِرة بوعي تلقائي الى جانب التزامه بقيم المنطق والعقل وقابلية الادراك والتفسير والتأويل، وبوسعه ان يخلق من ابسط الأفكار موضوعا عميقا:

((واغني للكسرِ الجميل
واصير لحناً من ضياء سومري
داعبته يد القدر…..؟
عذرا ابي………؟
نفذت ذخيرة تمرنا ونخلنا
نعقت به الغربان
وإستولت على الجمّار قطعان الذئاب
وبكى حفيدك يا ابي مستصرخا وطن الخراب)) (جنوب المرافي، ص 53).

وفي مسافة جمالية لاحقة من الحوار مع ابيه، يبرر موقفه الآيديولوجي الرافض للقوى المتسلطة وحروبهم العبثية التي يتاجرون بها:

((عذرا ابي
هل خنت حلمك مرتين
في المرة الاولى رفضت حروبهم
وخطاي مثلي لا تطيق دروبهم
لا ليس عن جبن وانت تعرف يا ابي
الثدي ارضعني حليب المعجزات
والشعر اعطاني رحيق المفردات
فرفضت قاموس الحروب
وعشقت تسكاب الطيوب)) ،( جنوب المراثي، ص53).

ومن مؤثرات المسرح التي نجدها فاعلة في مشروع مسرح القصيدة المحاوِرة للشاعر (مسلم الطعان) هو المؤثر البصري. فيمارس فعل الرؤية سطوته منذ مفتتح القصيدة وتعمل المديات البصرية على إستقطاب معالم الحواس الاخرى، سعيا لتشكيل شمولية الرؤية:

((في الليل الغارق في الأحلام
يستيقظ طفل ويغني
في قارعة الخبز المسروق
ومواء القط
يثير القرف القابع بالأعماق)) ،( جنوب المراثي، ص24).

وبهذا الإستثمار يصبح الشعر فنا مكانيا الى جانب الإبقاء عليه كفن زماني. فيحضر على سبيل المثال, ويتكرر (شط الكسر)- النهر الذي تقع على ضفتيه وترتوي من ماءه قرية الشاعر (الطعان) بديمومة زمانية ومكانية مشحونا بظلاله النفسية والروحية والإجتماعية والإقتصادية والتاريخية ومديات تحولات الحياة الانسانية وإيقاعاتها على ضفتيه وبشعرية عالية الأداء والتأثير:

(( ريثما يكون الكسر
قد اطلق انكساراته
واشعل في رماد الوعود
جمرة اخرى )) ،( جنوب المراثي، ص38).

وتديم المرئيات، فضاء المخيلة ويخلق صوراً تتحول الى خلفية او مخزون في الذهن فيقيم ابنيته الخاصة، مركزا على لغة الحياة اليومية القادرة على الإيحاء بعالمه الشعري:

((يكون للكسر موجة تسبقها موجة
وتتبعها موجة من ابوذيّات الجنوب
يطلقها قلب جدي في مساءاتنا الناحبة)) ، ( جنوب المراثي، ص38).

فنلاحظ تعددا وتحاورا دراميا للاصوات، فالكسر ، هنا، شخصية ينفرد بصوته وايقاعه، وكذلك (الموجة) و (ابو ذيّات الجنوب) و(وقلب جدي) و(مساءاتنا) الناحبة تشكل شخصيات محاورة اخرى ،تتفرد بأصواتها وما تجيش به دواخلها.
وتنتج مناظر مسرح القصيدة إستعادة الخاصية التي يتمتع بها العقل البدائي مع التواشجات والمترابطات النفسية والفكرية المتدفقة عبر متوالية المسافات الجمالية:

(( يا كسر احزاني
اراك ام تراني
طفلا تضاحكه المسافات
ليكون جدي او انا
بستان شعر ذبيح الرؤى…..!)) ،( جنوب المراثي،ص39) .

كما ترافق النص المحصور بأفعال بصرية صور سمعية فاعلة في فتح افق الخيال على العالم الخارجي المجسد في المشهد بمكان محدد. فالتكرار لمفردة (شط الكسر)-بويب الشاعر- وقلب قرية (الطعان) النابض بالمعنى والجمال والروح، يجعل منه بؤرة مكانية مشحونة بإنتاج طيف دلالي واسع الإنشطار وحافل برمزية عالية التاثير في إنشداد الإنسان الى جذوره الأولى، وإنتماء العمق بمعانيه ودلالاته الى وطنه الأم سيما بمنظار شاعر عاش المنافي وإكتوى بنار الغربة ومعاناة الإغتراب. فضلا عن ذلك، يوظف (الشاعر) المؤثر السمعي بهندسة صوتية ودلالية متناغمة في مستويات فاعليتها مع طبيعة الشخصيات المتحاورة كأصوات تمثل ايديولوجيا بمعناها الواسع ووجهات نظر وافكار وتطلعات وسط فضاء إبداعي في ثوابته ومتغيراته الفنية والجمالية :

((ريثما يلبس الكسر عباءة هوساته
بعقال جدي وكوفية صبره
نواجه الجموح معا في جراح الجنوب
تعلق على صدر الكسر شارة احزاننا
تأخذنا المسافات في دروب القرى…..!)) ، ( جنوب المراثي، ص39).

وتجدر الإشارة الى ان الصوت على خشبة مسرح القصيدة المحاوِرة – مشروع الشاعر مسلم الطعان- لا يأتي من فراغ، فحسب، بل هو تطور منطقي وطبيعي لاستمرار عمل وتدفق الأفكار والرؤى:

((تواري قليلا
ثم إطلعي يا شموع الكسر
لتلفظ انفاس التردد
وتحتسي كؤوس احلامنا النادبة)) ،( جنوب المراثي،ص39).

هنا نلاحظ إشتغال المؤثر السمعي وتشتغل القيمة الصوتية بالتواشج والتلاؤم مع النشاط النفسي فتصبح وسيلة للسمو وسبيلا للإيحاء. مما يجعل الشاعر الطعان يقيم صلة حيوية بالعالم الخارجي عن طريق القناة السمعية، محطما جدران الصمت ومفجرا ملكات الفعل السمعي:

((تسقط اوراق العفة يا يونس والسيف
ينام ذليلا
ويكون قتيلا
والجوع بديلا
في زمن جد مخيف
تسقط اوراق العفة يا يونس
كالورق المتساقط حزنا في خنق خريف
تسقط اوراق العفة يا يونس
من اجل رغيف…..؟)) ،( جنوب المراثي، ص26).

يحفز بذلك متعة التلّقي بشعرية تتظافر فيها الصور الموحية بأشياء الطبيعة، بيد انها تتبعثر عن الإدراك المباشر ،متفاعلا مع بيئة الداخل ومخاطبا القوى الوجدانية والإنفعالية لإثارتها وإحداث إستجابة وجدانية، فيقول على عتبة مسافة لاحقة:

(( يا يونس حيتانك ارحم من حيتان الخبز المسروق
فزمانك بحر من قيض والبرد تراتيل صلاة
وزماني صحراء من غيظ ومجامر حيتان غرثى
تهلك عرض القوم لقاء رغيف)) ،( جنوب المراثي،ص26).

فهنا, يجسر الشاعر اسلوبه بالشبع الروحي في ايقاعات سمعية منتجة من توظيف دلالي للمفردات وما تحمله ملفوظاتها وفونيماتها من جرسية ايحائية عالية في ادائها وما تحققه من موائمة بين حركية الصوت وانتاج المعنى.
وفي نصوص القصيدة المحاورة , وضمن مشروع الشاعر الطعان , تاتي الكلمة الشعبية بنبرة مضاعفة وينبثق الحوار فيها من داخل الكرنفال موازيا الى ما يعتمل في مونولوجية الشاعر ومشاكس للرسمي والمتعالي. ففي قصيدة (دثار النور) (ديوان عراقية عباءة امي)*** التي تجمع تحاورا تفاعليا بين اللغة الفصحى واللغة العامية او المحكية المنطلقة من الام كمصدر اول, ملهم لها, وفي صوتها دالة على النور لتمديد عتمة الذات:
((وخيط عبائتها
يرتل ما تيسر من كتاب النور
يحاورني:
رحب يا صاح درب النور
انزع ثوب عتماتك
وادخل والصبر وياك
ايصبرك عالتعب
وايعمد الايام من احلام خطواتك)).

منتقلا, فيما بعد, الى استشراف جو كرنفالي تنتعش فيه مديات الحوار الاتصالية:

((اصلي تحت ضوء العرش
بين الأهلْ والأصحاب ْ
جنة خير مفتوحة علة سبع ابوابْ
او حشد اصحابْ
مبتهجة بحواراتي)).

وفي قصيدته المعنونة ب (استنطاق لتل الورد) يستنطق ويحاور من خلالها قصيدة (تل الورد) لشكسبير الشعر الشعبي العراقي (عريان السيد خلف):

(( يا تل الورد
انت حفظت العهد
المنسوج بدمع الغراف
استنطق تل الورد
والكسر يحاورني من بين زحام الأعوام
يمنحني حشد ابو ذيات
غنتها حوريات الريف
اتذكرها واغني في قارب حلم مذبوح)) ،( جنوب المراثي، ص31).

فيحقق الشاعر (الطعان) مقاربة تناصية مع هذا المنتج الشعري ويبني على اساسها رؤاه الابداعية في الحصول على مردودات شعرية مستندة الى رؤية فنية في استثمار التعالقات والثيمات المشتركة بين نص (تل الورد) الشعبي وعملية انتاجه لقصيدته (استنطاق تل الورد ) على اسس تفكيكية واستبدالية, معززا بذلك التحاور المنتج لبطانة نصه السيميائية. ويحاول في مشروعه ( القصيدة المحاورة) ان ينئ بنفسه عن ((انا)) الشاعر, مفعلا السرد-درامية وبعث حس ملحمي ينهض في تعدد الاصوات جاعلا منها بانوراما كونية تحكي هموم واشجان واحزان واوضاع جيل. مهما يكن من امر , تعمل ((الانا)) الشعرية قرينة الروح الشعرية كمصدر خصوبة غنائية:

((انا الشاعر المغني
احمل في جعبة القلب نبض الأغاني
للنخل سمفونية
نسجتها الريح ذات بكاء.)) ،( جنوب المراثي،ص58).

ويكون الحوار متميزا بثقافة منشئه باستمرار ومنفتحة مع الثقافات الأخرى وعدم الوقوع في مونولوجية منغلقة :

((ايها الحالمون كثيرا
تورق لغة الحلم المعمد بالإرتقاء
لغة ولدت بين تلك الأصابع
فانتجت من ورود الليالي
رحيق معرفة
قدمته
على طبق من وفاء
لكل الشعوب)) (ديوان في الجنوب البعيد،ص52).****

وتتحرك (الهوية) لدى الشاعر مسلم الطعان ضمن ستراتيجية ( المسافاتية) التي تحضر بقصدية واعية بين الستراتيجيات الأخرى على خشبة مسرح القصيدة المحاورة، وتتطور من الداخل مع العودة للثابت الجوهري الذي يمنح للشخص تفرده وخصوصيته. وفي ضوء ذلك، يجعل الشاعر من استبطان ثيمة (سرد الهوية) مقاومة ثقافية تعمل متفاعلة مع تحولات الساحة الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. فيخاطب على سبيل المثال (نهر الكسر) الذي يحمل رمزية بظلاله العميقة:

((ياجنون الكسر
جنت مسافاتنا
وجعنا الى تنور احلامنا
نريد خبز طفولتنا
وطاساتنا المترعات باللبن
قليلا من الصبر يا صديقي
كلها آيبة)) ، ( جنوب المراثي، ص101-ص 102).

ويستثمر الشاعر ادبية وظهور الواقع الإجتماعي على سطح قصيدته باشكال فنية جمالية، جامعا بين البنية النصية والإجتماعية بطريقة اكثر سلاسة. وتتحرك القصيدة المحاوِرة بطريقة كرنفالية، فيسود التعدد على التوحد ويلغى التمايز بين الطبقات ويشيع مبدأ عدم الكلفة وتغيب هيمنة السلطة والرسميات مما تفضي الى إنتاج هجين واع منظم ادبيا. ويتم توظيف الأسلبة كآلية من آليات الفضاء البوليفوني من خلال صياغة بناءه اللغوي على نسق لغة سابقة سيما من الموروث الشعبي. ويثري نصوصه بتسلل الأجناس التعبيرية، التي تدخل الى بنية النفس الشعري مندمجة به، وبالسرد الشعري المشهدي، يتمسرح الشعر واهبا سلطة الحكي (للأصوات –الشخصيات) المتعددة، محققا ثراءا واقعيا مكثفا.
ويتكئ الشاعر على الإيقاع كحركة موسيقية لما له من إرتباط بالتجربة. ويتسم إيقاعه بالنبرة الحزينة الى جانب تنوعه من قصيدة الى اخرى ويفاوت بين اطوال الأسطر بما يرتبط بالمعنى ويثريه. كما يكون التكرار من الوسائل التي يلجئ اليها الشاعر في قصيدته. ويأتي بصور مختلفة كتكرار كلمة او مقطع او جملة او عبارة او صورة جزئية او حركية حسبما تقتضي اهمية التشديد على ذلك بالقصيدة. ويوظف بطريقة موفقة تكرار الإشارات او التضمين مما يحقق تنشيطا لدائرة التلّقي وتحفيزا للإحساس بالمعنى.
وغالبا ما ياتي إستخدام القافية في القصيدة المحاوِرة متفاعلا مع المعنى في الذهن. ويستخدم بمواقع مهمة وعديدة في اشعاره التقفية الداخلية على نحو متنوع وغالبا ما يكون مرتبطا بالفكرة.
اخيرا وليس آخرا تتحقق القيمة الجمالية في لحظة وصول المتأمِل داخل الموضوع المتأمَل، ويتطابق المتأمِل و المتأمَل في لحظة معايشة حياته من داخل نفسه في حدها الأقصى على حد تعبير (ميخائيل باختين). ويحاول الشاعر بحضوره الإبداعي ان يسعى مهما كان الألم الى العمل على إكتمال الحياة الى جوهرها الأنقى. وعلى العموم يجدر القول ان هناك توازنا بين إنطلاقته الشعرية من وعي مديني كشاعر مديني وديمومة ما يغذي الحبل السري الذي يصله بالقرية الرحم، كشاعر قروي في الآن ذاته.

*ولد الشاعر (مسلم عباس عيدان الطعان) في جنوب العراق….محافظة ذي قار-مدينة الناصرية عام 1958 وله مجموعة من الاصدارات في الشعر والنقد والترجمة واخرى تحت الطبع.
**صدر ديوان (جنوب المراثي) عن دار الكرمل للنشر والتوزيع الاردن-عمان, 2004
***ديوان (عراقية عباءة امي/منشورات أحمد المالكي وبين الكتاب السومري / بغداد 2024)
**** ديوان (في الجنوب البعيد) عن دار الكرمل للنشر والتوزيع الاردن-عمان, ط1-2001

  • الصورة في بيت الأخ والصديق الجميل السارد-الناقد الأستاذ عقيل هاشم المحترم

أخر المقالات

منكم وإليكم