اسطورة خندريس ديونيسيوس ..إلهَ الصهبة.

خندريس ديونيسيوس السرمدي …

في مبتدأ الزمن، حين كان العالمُ طينًا يُعجِنُه الآلهة، وُلد الإله الذي لم يشبهه إله. لم يكُ ربَّ حربٍ كآريس، ولا حكمةً متوَّجةً كأثينا، بل كان إلهَ الصهبة اللذيذة ، وسيِّدَ الكرمة التي تفضح الأسرار، وربَّ النشوة التي تُذيبُ الحدودَ بين التراب والنجوم. إنه ديونيسوس، إله الخمر والوجد، ذاك الذي جعل من دمِ العنبِ طقوس مجون ، ومن الثمالةِ صعوداً إلى فوق ثم فوق ومن بعد الفوق.. فوقٌ أخر ، ومن الجسدِ قربانًا يحترقُ شغفاً على مذابحِ الحياة. أما خندريسُه، تلك الخمرةُ العتيقةُ التي عتَّقتها دهورُ الروح، فما زالت تسري في شرايين البشر، كلما اشتاق الإنسانُ أن يلمسَ وجهَ الخلودِ في ليلةِ فناء.

قصةُ ميلادهِ أسطورةٌ تليقُ بإلهٍ لم يرتَضِ أن يُولَدَ مرةً واحدة. كان أبوه زيوس، سيد الأولمب، عاشقًا لا يُطفأ، هامَ بالأميرة الفانية سيميلي ابنة قدموس، فزارها في خلسةِ البرقِ والغمام. لكن غيرةَ هيرا، زوجة زيوس الغيور، نسجت خيوطَ المأساة؛ إذ تسللت إلى سيميلي في هيئةِ عجوزٍ بشرية، وألقَت في صدرها بذرةَ الشك: “كيف تأمنين أن يكونَ زائرَك هو حقًّا ربُّ الأرباب؟ اطلبي منه أن يتجلَّى لكِ بكاملِ بهائِه السماوي”. استجابت سيميلي المسكينة، وفي ليلةِ اللقاء، ألحَّت على زيوس أن يكشفَ لها عن حقيقته. حذَّرها، توسَّل، لكن الحبَّ جارفٌ والعنادَ أنثويٌّ مُقدَّس، فظهر أمامها بصاعقته، فأحرقتها نيرانُ المجد الإلهي وهي حُبلى.

لكنَّ الموتَ لم ينتصر، ف زيوس انتزع الجنينَ غيرَ المكتمل من رماد أمه، وخاطه في فخذه، كأنما الرجولةُ نفسُها صارت رحمًا للحياة. وهناك، في باطنِ الأبِّ الأعظم، اكتمل نموُّ ديونيسوس، حتى ولدته السماءُ ولادةً ثانية، فسُمي “المولود مرتين”، وغدا سرُّه محفورًا في قلبِ الوجود: أن النشوةَ الحقة لا تُهدى، بل تُنتزعُ من بين أنيابِ الفناء.

سلَّمه زيوس إلى حورياتِ وادي نيسا، فربَّينه في كهوفٍ مخضلَّة، وأطعمنه العسلَ البكر، وأحاطه الإلهُ العجوز سيلينوس – ذاك السكرانُ الحكيم – برفقةِ الساتير والماينادات، فشبَّ الإلهُ بين ضحكاتِ الغاب ووشوشاتِ الجداول. هناك اكتشف سرَّ العنب، وعصرَ أولَ خمرة، ورأى كيف تتحوَّلُ الروحُ بالكأسِ من ثقلِ الطينِ إلى خفَّةِ اللهب. خرج بعدها يجوبُ الأرض، من كروم الساحل السوري الذهبي إلى مشارفِ الهند، ينشرُ عبادته، ويعلِّم البشرَ استخراجَ السحرِ من الثمار، ويقود مواكبَ النشوة التي تتكسَّر فيها القيود.

وللإلهِ عاشقات، إذ الحبُّ عنصرٌ من عناصر الجذبة الديونيسية، وأعظم هؤلاء أريادني، أميرة كريت، التي أعطت ثيسيوس الخيطَ ليخرج من المتاهة، فقادها إلى جزيرة ناكسوس، وهناك، بينما كانت تغطُّ في نومِ الفراق ، تركها البطلُ وحيدةً تحت النجوم. رآها ديونيسوس، فوقعت عيناه على ذلك الحزنِ المتوَّج، فانحدر إليها في عربةٍ تجرُّها الفهود، ورفعها إليه، وغرس تاجَها الذهبيَّ في كبدِ السماء، فصارت كوكبة “الإكليل الشمالي”. لم تكن أريادني مجرد زوجة، بل كانت الأنثى التي مزجت روحَها بروحِ الإله، فتجسَّد الحبُّ بوصفه خمرةً أخرى، لا يعتَّقها الزمن، ولا يفسدها الموت.

أما خندريس ديونيسوس الأبدي، فهو السرُّ الذي تخطَّى مجردَ الشرب. إنه تلك اللحظة التي ينخلعُ فيها المرءُ من اسمه، ويذوب في الكل، فيذوقُ الفناءَ والنشورَ في جرعة. كان الإغريق يدركون أن الخمرة تفتح بابين: بابَ الشغف المضيء، وبابَ الجنون المدمِّر. ولذلك جعلوا من طقوس الديونيسيا مسرحًا للاعتراف بالظل، حيث يرتدي المحتفلُ قناعَ الإله، فيرقص حتى يسقطَ الفرقُ بينه وبينه، ويصيرَ الواحدُ جمعًا، والزمنُ دائرةً لا مستقيمًا. في لحظة السُّكر المقدس، تنكسرُ سلاسلُ العقلِ الحديدية، وتطلُّ الحقيقةُ العارية: أن الإنسانَ ليس فقط هذا الجسدَ الخائف، بل هو أيضًا الزوبعة، والليل، والغناء الذي يسبقُ اللغة.

وهكذا صار ديونيسوس رمزَ القوةِ التي تذيبُ الجليدَ الداخلي، وتعيدُ صلةَ الحضارةِ بأصلها البري. كلُّ كأسٍ من الخمرة هي تذكارٌ بدم الإله المذبوح في أسطورة أورفية أخرى؛ ذلك الطفل زاغريوس الذي مزَّقه الجبابرةُ فأحرقهم زيوس، ومن رمادهم المختلط بدم الإله خُلق البشر، فحملوا في جوهرهم شرارةً إلهيةً أسيرةَ المادة. تذكّرهم الخمرة بهذا الأصل، وتوقظ الشوقَ إلى الالتحام مجددًا بالإله، ولو لسويعات.

لهذا كان ديونيسوس هو الإلهَ الوحيد الذي لا يُعبَد في معابدَ باردة، بل في الخلاء، تحت ضوء القمر، على وقعِ الطبول. وكانت عبادتُه وعدًا بالخلاص، لا من خلال الزهد، بل من خلال الامتلاء؛ امتلاء الحواس حتى تفيض، فينكشف ما وراءها. الخمرة عنده ليست مهربًا من الحياة، بل غطسًا في لُجّتها، ومجازفةً كبرى قد توهبُ البصيرة، وقد تحرق الأجنحة.

واليوم، بعد آلاف السنين، لا يزال خندريس ديونيسوس السرمدي يقطرُ في أرواح الشعراء والعشاق، في كلِّ مَن جُنَّ بالحياة حتى الثمالة، في كلِّ مَن رقصَ فوق حافة الهاوية دون خوف. إننا، حين نحبُّ بضراوة، أو نبدع بشغف، أو ننسى أنفسَنا في لحظةِ جمال، نكون قد شربنا من كأسه الخفية. فما زال الإلهُ يعبر بيننا، متخفيًا في عبقِ الزهر، في نغمةِ الناي، في ارتعاشةِ الشفةِ عند أولِ رشفةٍ من عتيقٍ يذكّرُ الروحَ بأنها لم تُخلق للقيد، بل للشهودِ والانخطاف.

وهكذا يُختَم المقال ولا يُختَم الإله، لأن ديونيسوس لا ينتمي إلى الماضي، بل هو مبدأُ الحضورِ الدائم، كلما اشتعلت في دمِ الإنسان شهوةُ تجاوزِ حدودِه، عاد الإلهُ يُولَد من جديد، من فخذِ السماء، من رحمِ العنب، من قلبِ الحب، ليُسقِيَنا من خندريسه الأبدي، قائلاً: اشرب، واذقْ طعمَ الخلود … RAMI

ا#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم