ارض الخلود جنة كلكمامش..ارض دلمون . البحرين اليوم.

البحرين.. أرض «دلمون» التي بحث فيها جلجامش عن الخلود، وبلاد «البحرين» التي كانت يومًا إقليمًا لا جزيرة!

تخيّل أرضًا وُصفت في ملحمة جلجامش بأنها «أرض مقدسة، أرض طهور»، وقصدها البطل الأسطوري بحثًا عن زهرة الخلود. عرفها السومريون باسم «دلمون»، ووصفها اليونانيون بـ«تايلوس»، وسماها العرب «أوال»، ثم انتهت إلى اسم واحد يحمل في طياته أكثر من رواية: البحرين. فما حكاية هذا الاسم؟ ومن أين جاءت تسمياته القديمة؟ ولماذا ظل الإقليم أوسع من الجزيرة قرونًا طويلة؟

أسماء البحرين القديمة

دلمون (Dilmun)
أشهر الأسماء القديمة التي عُرفت بها البحرين، وردت في النصوص السومرية والأكادية منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. وُصفت بأنها «مركز تجاري مزدهر وحيوي بالنسبة للاقتصاد السومري». وفي ملحمة جلجامش، قصدها البطل بحثًا عن زهرة الخلود، ودُعيت «أرض الحياة». وتمثلت حضارة دلمون في جزيرة البحرين والمنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية وجزيرة فيلكا في الكويت.

تايلوس (Tylos)
الاسم الذي أطلقه اليونانيون على جزيرة البحرين بعد حملات الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد. وصفها بلينيوس الأكبر في القرن الأول الميلادي بأنها جزيرة تشتهر بثلاثها (أي نخيلها). وقد ظل هذا الاسم مستخدمًا في العصر الهلنستي حتى القرن الثاني الميلادي.

أرادوس (Arados)
الاسم اليوناني الذي أطلقه نيارخوس، قائد الحملة البحرية للإسكندر الأكبر، على جزيرة المحرق الحالية، وهي ثاني أكبر جزر البحرين. وقد ورد ذكرها في كتابات بطليموس وسترابو، وما زال هذا الاسم حيًّا حتى اليوم في اسم بلدة «عراد» بالبحرين.

أوال (Awal)
الاسم العربي الذي عُرفت به جزر البحرين منذ القرن الخامس الميلادي حتى القرن التاسع عشر. وهو مشتق من اسم صنم كانت تعبده قبيلة بني وائل العربية قبل الإسلام. ويعتقد أن «أوال» كانت تعني الأرخبيل بأكمله. وقد ورد ذكرها في الشعر الجاهلي، ومن ذلك قول الشاعر عمرو بن قميئة (448–540م): «هل ترى عيرها تجيز سراعًا كالعدوليّ رائحًا من أوالِ».

مشماهيج (Mishmahig)
اسم آخر ورد في بعض المصادر، ويُعتقد أنه كان يشير إلى المنطقة قبل أن يستقر عليها اسم «أوال». وقد ذُكر في قوائم الأسماء القديمة للبحرين إلى جانب دلمون وتايلوس وأوال.

هجر
اسم أطلق على الإقليم الأوسع الذي شمل المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، وكانت «هجر» قصبتها الكبرى (أي عاصمتها). ويقول ياقوت الحموي: «هجر قصبة البحرين»، أي أن هجر كانت المدينة الكبرى في إقليم البحرين القديم.

بلاد الخط
اسم آخر لإقليم البحرين في العصر الوسيط، نسبة إلى الخط، وهي منطقة اشتهرت بالتجارة والزراعة. وقد حمل الإقليم في العصر الوسيط مسميات عدة، منها: هجر، وبلاد الخط، وبلاد عبد القيس، وبلاد خط عبد القيس.

🔍 أصل اسم «البحرين».. آراء متصارعة

الرأي الأول: التثنية من «بحر»
يرى أصحاب اللغة أن «البحرين» تثنية «بحر»، ومفردها «بحر». ويذكر ابن منظور في «لسان العرب» أن البحرين تلفظ بـ«بحران» أو «بحرين»، وذكر ابن عبد ربه البحران في مواضع عدة من كتبه.

الرأي الثاني: كتلتان مائيتان
ذهب بعض الجغرافيين إلى أن التسمية بسبب وجود كتلتين مائيتين أو إحاطة الإقليم أو الجزيرة بهما. وفصّل آخرون بأن إحداهما مالحة ممثلة بالبحر، والأخرى عذبة وهي العيون والمياه الجوفية.

الرأي الثالث: ظاهرة العيون العذبة
يرى فريق آخر أن التسمية مرتبطة بظاهرة نبع العيون العذبة من قاع البحر في سواحل البحرين، وهي التي تُعرف باسم «الكواكب»، وكان أهل الغوص يقصدونها للتزود بالماء العذب أثناء رحلاتهم.

الرأي الرابع: بحيرة الأحساء
يقول ياقوت الحموي: «إنما سُموا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء، وقرى هجر بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ». وقد أيد الأزهري هذا الرأي، وذكر أن هذه البحيرة ماؤها راكد لا ينفع.

الرأي الخامس: بحر عمان والخليج
يرى بعض المؤرخين أن التسمية لأنها تقع على شاطئ بحرين: بحر عمان والخليج العربي، أي امتدادها على خليجين مختلفين.

الرأي السادس: الاشتقاق من «بحر البعير»
ورد في بعض المعاجم أن «البحرين» قد تكون مشتقة من قول العرب: «بحر البعير» إذا أُولع بالماء فأصابه منه داء، أو من «أبحرت الروضة» إذا كثر إنقاع الماء فيها فأنبت النبات. وقد انتقد ياقوت الحموي هذه الاشتقاقات واعتبرها «تعسفًا» لا يشبه أن يكون اشتقاقًا للبحرين.

🏛️ «البحرين» الإقليم.. أوسع من الجزيرة

من أهم ما يجب أن يعرفه القارئ أن «البحرين» القديمة لم تكن تعني الجزيرة الحالية فقط، بل كانت تشير إلى إقليم واسع على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية. يقول ياقوت الحموي: «البحرين: اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان». ويشمل هذا الإقليم: الأحساء، والقطيف، وهجر، والخط، والزارة، وجواثا، ودارين، والغابة.

وقد ظل هذا المدلول الواسع سائدًا حتى العصر الإسلامي، حيث كانت «البحرين» إحدى ولايات الدولة الإسلامية، ومركزًا مهمًا للتجارة البحرية مع الهند والصين. ثم بدأ استخدام هذا الاسم يضيق تدريجيًا حتى انحصر في الأرخبيل الذي يمثل مملكة البحرين اليوم.

خلاصة

اسم «البحرين» ليس اسمًا حديثًا، بل هو اسم عربي عريق، عرفته الحضارات القديمة، ووثّقته المصادر السومرية واليونانية والعربية قبل آلاف السنين. كل تسمية من تسمياته القديمة تحمل في طياتها فصلًا من تاريخ هذه الأرض:

· دلمون: عندما كانت البحرين أرض الخلود وجنة جلجامش.
· تايلوس: عندما وصفها اليونانيون جزيرة النخيل.
· أوال: عندما عبد أهلها الصنم «أوال» قبل الإسلام.
· هجر: عندما كانت عاصمة الإقليم الأوسع.
· البحرين: الاسم الذي جمع بين البحر المالح والعيون العذبة، واستقر على الجزيرة بعد أن كان إقليمًا يمتد من الكويت إلى عمان.

وحتى الآن، لا يزال أصل الكلمة موضع جدل بين الباحثين، بين من يرجعه إلى تثنية البحر، ومن يرجعه إلى العيون العذبة، ومن يرجعه إلى بحيرة الأحساء، ومن يعتبره اسمًا جامعًا لإقليم واسع.

والسؤال الآن: أيّ من هذه الآراء تراه الأقرب إلى الصواب؟ وما التسمية القديمة التي تفضّلها للبحرين؟
#المؤرخ_محمود_عبدالحي#مجلة ايليت فوتو ارت.ارض الخلود جنة كلكمامش..ارض دلمون

أخر المقالات

منكم وإليكم