Finding Forrester (2000)Director: Gus Van SantStarring: Sean Connery, Rob Brown, F. Murray Abraham, Anna PaquinGenre: DramaIMDb Rating: 7.3/10ملاحظة: المقال طويل نسبيًا بما يتناسب مع طبيعة الفيلم. إيجاد فورستر: عن الوحدة والموهبة والآباء الذين نجدهم متأخرين وهناك أفلام نشاهدها في مرحلة معينة من حياتنا فنحبها، ثم نعود إليها بعد سنوات طويلة فنكتشف أننا لم نكن قد رأيناها حقًا في المرة الأولى.قبل أيام عدت إلى مشاهدة فيلم Finding Forrester. كنت أتذكر الحكاية جيدًا؛ كاتب عجوز، شاب موهوب، علاقة صداقة تنشأ بينهما، وأستاذ جامعي يقف في طريق ذلك الشاب. ظننت أنني أعرف الفيلم كما أعرف بعض الأفلام التي رافقتني لسنوات طويلة.لكنني اكتشفت بعد المشاهدة أن ذاكرتي احتفظت بالأحداث وتركت ما هو أهم منها.هذه المرة لم أرَ فيلمًا عن الكتابة فقط، ولم أرَ فيلمًا عن النجاح أو التفوق الدراسي، بل رأيت فيلمًا عن الوحدة. عن رجل جلس طويلًا خلف نافذته يراقب العالم يتغير من حوله بصمت، وعن شاب كان يحاول أن يجد شخصًا واحدًا يؤمن به قبل أن يؤمن العالم كله بموهبته.من أجمل التفاصيل التي وضعها المخرج في بداية الفيلم أنه لم يخبرنا مباشرة أن جمال والاس فتى استثنائي. لم نرَ مشهدًا استعراضيًا يثبت فيه ذكاءه، ولم نسمع أحدًا يصفه بالعبقري. بل ترك الكتب تتحدث عنه قبل أن يتحدث هو عن نفسه.حين يظهر جمال نائمًا في غرفته، تمر الكاميرا على مجموعة من الكتب الموضوعة بجوار سريره:Journey to the Center of the EarthAfter the BanquetThe Sound of WavesThe Temple of DawnAnton ChekhovFear and TremblingThe Sickness Unto DeathMarquis de SadeA Portrait of the Artist as a Young Manقد تبدو اللقطة بسيطة وعابرة، لكنها في الحقيقة تكشف لنا الكثير عن هذه الشخصية. نحن لا نتحدث عن مراهق يقرأ للترفيه فقط، بل عن شاب يبحث عن فهم أعمق للإنسان والعالم. ينتقل بين جول فيرن ويوكيو ميشيما وتشيخوف وكيركغارد وجيمس جويس وكأنه يحاول أن يجمع قطعًا متناثرة من أسئلة أكبر من عمره بكثير.أعتقد أن اختيار كتابي Fear and Trembling و The Sickness Unto Death لم يكن عشوائيًا. فكلاهما يتناول القلق والهوية والاختيار الفردي. وهي موضوعات تنسجم تمامًا مع شخصية جمال، ذلك الشاب الذي يعيش بين عالمين؛ عالم الحي الفقير الذي جاء منه، وعالم المدرسة الخاصة التي دخلها بفضل موهبته الرياضية.أما وجود A Portrait of the Artist as a Young Man فكان أشبه بمرآة مبكرة لمصيره. رواية تتحدث عن شاب يحاول أن يجد صوته الخاص ككاتب وفنان رغم القيود التي تحيط به. وهذا بالضبط ما كان جمال يحاول فعله طوال الفيلم.لكن الفيلم لا يتحدث عن جمال وحده.في الجهة الأخرى يقف ويليام فورستر، الكاتب الذي يؤديه شون كونري بأحد أجمل أدواره وأكثرها هدوءًا. رجل كتب رواية ناجحة هزت الوسط الأدبي ثم اختفى. لا مقابلات، لا ظهور إعلامي، لا حفلات توقيع، لا حياة عامة. فقط شقة قديمة ونافذة يراقب من خلالها العالم.وخلال المشاهدة الأخيرة وجدت نفسي أفكر كثيرًا في فورستر أكثر مما فكرت في جمال.هذا الرجل لم يكن مجرد كاتب منعزل. كان شاهدًا على زمن يتغير. الحي الذي عاش فيه لم يعد كما كان. الوجوه تغيرت. الأجيال تغيرت. المدينة تغيرت. وحتى العالم الأدبي الذي عرفه أصبح شيئًا من الماضي. لذلك نجده يراقب الطيور على الأسلاك والشوارع من نافذته وكأنه يراقب حياة لم يعد يشعر بأنه جزء منها.ثم يظهر جمال.والمثير للاهتمام أن ما لفت انتباه فورستر لم يكن تفوق جمال الرياضي، ولا حتى ذكاؤه الدراسي، بل شيء آخر أكثر ندرة. الفضول الفكري الحقيقي.شاب من حي فقير يقرأ تشيخوف وكيركغارد وجويس. شاب لا يكتفي بالنظر إلى العالم بل يحاول فهمه.ومن هنا تبدأ واحدة من أجمل العلاقات الإنسانية في السينما الحديثة.في الظاهر تبدو علاقة معلم وتلميذ.لكنها في العمق علاقة أب وابن لم تجمعهما رابطة الدم.جمال يفتقد الأب الذي لم يكن حاضرًا في حياته. وفورستر يفتقد الابن الذي لم يرزق به أبدًا. وكل واحد منهما يحمل فراغًا داخليًا يجد صداه في الآخر.يتعلم جمال الكتابة والثقة بالنفس، بينما يتعلم فورستر شيئًا أكثر أهمية؛ العودة إلى الحياة.في المقابل تظهر شخصية البروفيسور كروفورد، والتي قدمها F. Murray Abraham بأداء رائع ومعقد في الوقت نفسه.كروفورد ليس شريرًا بالمعنى التقليدي. ليس فاسدًا ولا حقودًا بصورة مباشرة. لكنه يمثل نوعًا من البشر نصادفه كثيرًا في الحياة.أشخاص يحبون المعرفة ما دامت تحت سيطرتهم.أشخاص يشعرون بالارتياح ما داموا الأكثر ذكاءً في الغرفة.وأشخاص يرحبون بالمواهب الجديدة طالما أنها لا تهدد مكانتهم.أعتقد أن خوف كروفورد الحقيقي لم يكن من الغش الأدبي كما كان يدّعي، بل من احتمال أن يكون جمال موهوبًا بالفعل.فجأة يجد نفسه أمام شاب أسمر البشرة قادم من بيئة فقيرة، لاعب كرة سلة، ومن المفترض وفق الصور النمطية السائدة أن تكون اهتماماته بعيدة عن الأدب والفكر، ثم يكتشف أن هذا الشاب يقرأ ويكتب بطريقة لم يتوقعها.هنا تبدأ الأزمة.ولذلك أرى أن كروفورد كان أسيرًا لكبريائه أكثر مما كان أسيرًا لشره.إنه ليس شريرًا، لكنه ليس كريم الروح بما يكفي ليحتفل بنجاح شخص آخر.ليس ظالمًا عمدًا، لكنه لا يستطيع إخفاء شعوره بالتفوق.ولهذا كانت مواجهاته مع فورستر من أجمل لحظات الفيلم، لأن فورستر كان يرى فيه المصير الذي قد يصل إليه الكاتب حين يتحول حبه للأدب إلى حراسة لأبوابه.لكن أجمل ما في الفيلم بالنسبة لي لم يكن المواجهة مع كروفورد، ولا اكتشاف موهبة جمال، ولا حتى النهاية المؤثرة.أجمل ما فيه كان تلك الجلسات الطويلة داخل شقة فورستر.هناك، بعيدًا عن ضجيج العالم، يجلس رجل عجوز وشاب في مقتبل العمر يتحدثان عن الكتب والحياة والكتابة والخوف والأحلام.هناك تتحول الكتابة من مهارة إلى وسيلة لفهم الذات.وهناك يكتشف كل واحد منهما أنه كان يبحث عن الآخر دون أن يدري.وربما لهذا السبب أحببت الفيلم أكثر هذه المرة.حين نكون أصغر سنًا نرى قصة نجاح شاب موهوب.أما حين نتقدم قليلًا في العمر فنبدأ برؤية أشياء أخرى.نرى رجلًا يحاول التصالح مع ماضيه.ونرى شابًا يحاول إيجاد مكانه في العالم.ونرى مثقفًا يخاف من موهبة تتجاوزه.ونرى الوحدة وهي تبحث عن رفقة.ونرى الحياة وهي تذكرنا بأن بعض الأشخاص يصلون متأخرين، لكنهم يصلون في الوقت المناسب تمامًا.”في بعض الأحيان لا ينقذنا الأشخاص الذين يشبهوننا، بل أولئك الذين يفتحون لنا بابًا لم نكن نجرؤ على الاقتراب منه.”وهذا بالضبط ما فعله فورستر وجمال أحدهما للآخر.
#السينما كما يجب ان تكون#مجلة ايليت فوتو ارت.


