أوربا عام 1648م،كانت في”حرب الثلاثين عاماً”واسنتجت بأنه لا منتصر بالحروب العقائدية.فكان :صلح وستفاليا. فأقروا مبدأ “سيادة الدولة”وفصل الدين عن الدولة.

في عام 1648، كانت أوروبا تشبه مريضاً يحتضر، يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط ركام من الدخان والرماد. كانت القارة العجوز قد قضت ثلاثين عاماً كاملة في “حرب الثلاثين عاماً”، وهي من أبشع الصراعات الدينية التي عرفتها البشرية، حيث تحولت سهول ألمانيا ومدن بوهيميا إلى مسالخ مفتوحة، واختلطت دماء الكاثوليك بدماء البروتستانت حتى لم يعد بالإمكان التمييز بينهما. في تلك السنوات السوداء، انخفض عدد سكان ألمانيا بحوالي 20%، وانتشرت المجاعات لدرجة أن الناس أكلوا العشب والجلود، وسادت قناعة عدمية بأن “يوم القيامة” قد حل بالفعل، وأن الرب قد تخلى عن قارة تقتل نفسها باسمه.

ولكن، من رحم هذا اليأس المطلق والإنهاك الشامل، ولدت المعجزة الدبلوماسية التي أنقذت الحضارة الغربية. أدرك الملوك والأمراء، سواء في فيينا أو باريس أو ستوكهولم، الحقيقةً الوواقعية التي غابت عنهم لقرون: “لا أحد يمكنه الانتصار في حرب العقائد، وأن الاستمرار يعني فناء الجميع”. ولأول مرة، قرروا وضع السيوف جانباً والجلوس إلى الطاولات.

في مدينتي “مونستر” و”أوسنابروك” في منطقة وستفاليا، اجتمع مئات الدبلوماسيين الذين يمثلون كل القوى المتحاربة. كان الجو مشحوناً بالكراهية والشك، لدرجة أنهم قضوا أسابيع يتجادلون فقط حول “من يجلس أين” ومن يدخل القاعة أولاً. لكن الضرورة كانت أقوى من الكبرياء. فبعد مفاوضات ماراثونية وشاقة استمرت لسنوات، تمخض الجبل عن “صلح وستفاليا”.

لقد كانت هذه المعاهدة بمثامبة “شهادة ميلاد” لأوروبا الحديثة ونهاية لعصور الظلام السياسي. لأول مرة، تجرأ السياسيون على تحييد الدين عن السياسة الخارجية. فقد أقروا مبدأ “سيادة الدولة”، حيث لا يحق لأي إمبراطور أو بابا أن يتدخل في شؤون دولة أخرى بحجة الدين. تم الاعتراف بحق الكاثوليك واللوثريين والكالفينيين في العيش وممارسة طقوسهم (وإن كان بشكل نسبي يتبع حاكم المنطقة)، وتم رسم الحدود بناءً على المصالح الوطنية لا الانتماءات المذهبية.

وكانت اللحظة الأكثر رمزية ودلالة على هذا التحول التاريخي، حين أصدر البابا “إنوسنت العاشر” مرسوماً غاضباً يعلن فيه أن معاهدة وستفاليا “باطلة، ملعونة، وغير شرعية” لأنها قلصت نفوذ الكنيسة. لكن الصدمة كانت أن ملوك أوروبا، حتى الكاثوليك منهم، تجاهلوا صراخ البابا تماماً ومضوا في توقيع الاتفاق. كانت تلك هي اللحظة التي ماتت فيها سلطة الدين السياسية في أوروبا، وولد مفهوم “الدولة القومية”.

وهكذا، خرجت أوروبا من وحل الحروب الدينية منهكة ولكن أكثر نضجاً. لم يختفِ الدين من قلوب الناس، لكنه انسحب من ساحات المعارك ليعود إلى الكنائس والضمائر، وتعلمت القارة الدرس الأقسى في تاريخها: أن دمج السيف بالصليب (أو الكتاب المقدس) لا ينجب إلا المقابر، وأن التعايش ليس خياراً أخلاقياً رفيعاً، بل هو ضرورة براغماتية للبقاء على قيد الحياة.

أخر المقالات

منكم وإليكم