كما وعدتكم في منشورٍ سابق بالحديث عن مجموعة من النقاط المهمة المتعلقة بعمل الجمعية، إلا أن وعكة صحية – والحمد لله تجاوزتها – أخّرتني بعض الشيء.
واليوم أعود لأبدأ من حيث انتهى آخر وأهم نشاط للجمعية العراقية للتصوير، وهو المعرض السنوي السابع والأربعون
(المعرض السنوي السابع والأربعون… ملتقى سنوي أُجهِض خلال ساعتين)
للأسف الشديد، أُجهض المعرض السنوي السابع والأربعون للجمعية العراقية للتصوير خلال ساعتين فقط،
أُقيم المعرض في قاعة نادي الصيد للمناسبات والأعراس، وبخلفية ستار أسود، بدل قاعة كولبنكيان المتخصصة بالعروض الفنية في الباب الشرقي، قلب العاصمة بغداد.
هذا المعرض كان من الممكن أن يكون نقطة تحوّل حقيقية بينه وبين المعارض السابقة، وفرصة لإثبات وجهة نظر الإدارة الجديدة بأنها قادرة على التغيير والتطوير، لكن ما حصل، وبكل أسف، لم يكن سوى عودة واضحة لمرحلة قديمة تخطّتها الجمعية منذ سنوات.
المعرض السنوي هو النشاط الفني الأهم الذي يُنتظر من سنة إلى أخرى، وهو المتنفس الوحيد تقريباً للحضور الفني السنوي، وملتقى المصورين من مختلف محافظات العراق، ومع ذلك، تم اختزاله بساعتين فقط، وفي قاعة لا تمتّ للفن بصلة.
وسأقارن بينه وبين المعرض السادس والاربعين ( السابق)
من عدة نواحٍ أساسية:
أولاً: مكان العرض
سابقاً، كانت قاعة كولبنكيان في وسط بغداد، وهي قاعة متخصصة بالعروض الفنية، وتُعد خياراً مثالياً اعتادت الجمعية عليه لأسباب واضحة:
قاعة واسعة تتسع لأكثر من 300 صورة
إضاءة مخصصة لكل عمل
مساحات جدارية مريحة بصرياً دون تشويش
أما إقامة المعرض في قاعة مناسبات، فهو تقليل واضح من قيمة الحدث والصورة معاً.
ثانياً: وقت العرض
كانت الجمعية تختار سابقاً العطل الرسمية لتسهيل حضور المصورين من جميع المحافظات،
في المعرض الأخير، أُقيم الحدث في وقت غير مناسب، تزامن مع ظروف جوية صعبة (الضباب في أغلب مدن العراق)، وكأن المعرض خُطط له ليكون لبغداد فقط، دون أي اعتبار لبقية المحافظات!؟
ثالثاً: فترة العرض
المعارض السابقة كانت تمتد لثلاثة أيام على الأقل، مما يتيح فرصة الحضور لمن لم يتمكن في اليوم الأول،
أما اختزال المعرض بساعتين فقط، فهو إجهاض فعلي للحدث، لا عرض فني.
رابعاً: الجوائز
للأسف، عادت الجمعية إلى ما قبل 5 معارض بتقديم جوائز كريستالية، بعد أن كانت قد اعتمدت خلال آخر أربعة معارض:
ميداليات وأوسمة رسمية
معترف بها دولياً
معتمدة في مسابقات عالمية.
هذه الخطوة كانت تراجعاً خطيراً بدل أن تكون تطوراً ومواكبة لما هو معمول به عالمياً،
كما لم لو انها صممت درعاً خاصاً بها يعبّر عن هويتها، على غرار الجوائز المعروفة عالمياً (مثل جائزة حمدان وغيرها) لقُلنا تغيير نوعي !
خامساً: إلغاء ميداليات الاياب
قامت الجمعية بإلغاء ميداليات الرابطة الدولية لفناني التصوير (IAAP)، على خلفية إلغاء المسابقة من موقعها الرسمي،
رغم أن هذا الموقع كان مخططاً لإطلاق مسابقة دولية باسم العراق، وهو نفس الموقع الذي اعتمدته مسابقة خطوة الدولية بمشورة الجمعية نفسها سابقاً،
والمفارقة أن الجمعية أنشأت موقعاً خاصاً بسيطاً جداً، وبتكلفة تفوق اشتراك موقع الاياب!؟
سادساً: المحاور
وهنا تكمن الطامة الكبرى.
المعمول به عالمياً هو اعتماد محاور أساسية واضحة كما وان الجمعية اعتادت ان تقدم هذه المحاور الاساسية ،
المحور ملون مفتوح
محور الأبيض والأسود
ثم محور خاص (ابتكار / فكرة / حدث)
لكننا تفاجأنا بمحاور مثل:
بگدادو ،كيف صورتها ،أرِني ما رأيت ،الذكاء الاصطناعي (قديماً ومستقبلاً)
مما اربك المصورين خاصة الهواة.
هذه لا يمكن تسميتها محاور بالمعنى الفني:
«كيف صورتها»؟ بالكاميرا صورتها!
«أرني ما رأيت»؟ ما رأيته أنا أم ما رأته الكاميرا؟
كلها كان يمكن أن تُدرج ببساطة ضمن محور ملون مفتوح دون لف ودوران فلسفي غير مبرر.
أما ما سُمّي بمحور الذكاء الاصطناعي:
لم تُقبل سوى 8 صور وحُجبت جوائزه !؟
وهذا طبيعي، لأن هذا المجال لا يتطلب مصوراً فوتوغرافياً،
بل مصمماً أو مبرمجاً أو شخصاً مهووساً بالـ AI.
سابعاً: الرعاة
نشكر الرعاة على دعمهم للجمعية، لكن حدثاً بهذا التاريخ والاسم كان من الممكن استقطاب رعاة أقوه:
شركات اتصالات
رابطة المصارف
شركات كبرى مثل الطيف وغيرها.
دعم كهذا كان سيمنح المعرض:
زخماً إعلامياً أكبر
جوائز مالية حقيقية وقيمة تليق بتاريخ الجمعية بدل الاكتفاء بدروع كريستالية لا تمنحها ابسط المسابقات المحلية.
الخلاصة:
المعرض السنوي السابع والأربعون لم يكن خطوة إلى الأمام، بل تراجعاً واضحاً عمّا وصلت إليه الجمعية ،
أُهدرت فرصة حقيقية كانت كفيلة بإثبات قدرة الإدارة الجديدة على التطوير والتجديد، ليظهر المعرض بصورة مختزلة، مرتبكة، ومخالفة لأبسط المعايير الفنية والتنظيمية المعمول بها محلياً ودولياً.
إن اختصار الزمن، واختيار المكان غير المناسب، والتراجع في طبيعة الجوائز، وغياب المحاور الفنية الواضحة، كلّها مؤشرات لا يمكن تجاهلها، ولا تليق بتاريخ الجمعية العراقية للتصوير ولا بمكانتها التي بُنيت بتراكم جهود سنوات طويلة،
هذا النقد لا يُكتب بدافع الخصومة أو التشهير، بل من موقع الحرص والمسؤولية، ومن منطلق الإيمان بأن المعرض السنوي يجب أن يكون واجهة مشرّفة للتصوير العراقي، لا مناسبة عابرة تُغلق خلال ساعتين.
المطلوب اليوم ليس تبرير ما حدث، بل الوقوف عنده بصدق، ومراجعته بجرأة، لأن الجمعية أكبر من خطأ شخص، وتستحق معرضاً يليق باسمها وتاريخها ومصوريها.
محمد ارهيف
احد المشاركين في المعرض السنوي السابع والاربعون
***&***&***
تعقيب الناقد
كتب الناقد: حسين نجم
السلام عليكم أبو ملك.
أُحييك على شجاعتك وتشخيصك الدقيق لحالة تخص المصور العراقي الذي كان وما زال يدفع ثمن إخفاقات الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنيّة الضوئية على وجه الخصوص.
قبل البدء أن عنوان وأسم ” الجمعية العراقية للتصوير” هو العنوان الساميّ الذي ننتمي له شئنا أم ابينا وهي أمنا التي نتفيء بظلها الوارف، اتفقنا مع سياستها الأدارية أم لم نتفق.
إلا أن الجمعية وخلال السنين القريبة لم تخدم المصور العراقي، ولم تسهم برفع مستواه الفني سواء بالورش الرصينة، أو بالمعلومة الحذقة التي تفتح أمامه أبواب المعرفة وتطوير الذات.
وعوداً وتعقيباً على ما تفضلت به في منشورك، أود أن أسأل؟
هل كان المعرض (47) قد حقق الهدف المنشود من إقامته، وأسهم بتصدير المصور العراقي أو على أقل تقدير، عرّف بالفائزين والمتميزين وصدرّهم للواقع الضوئي العراقي، من خلال مؤتمر أو لقاءات تعريفيه تُسهم بأيصال هذه الأسماء لعدة شرائح ثقافيّة.
هلّ المعرض كان فيه ما يميزه عن بقية المعارض التي أقيمت خلال السنوات الماضية، مثلاً طريقة العرض، الوقت أو الزمان اللذين يساعدان على الإمتاع البصري والتأمل بالمنتج الفني.
إكتفي بهذين السؤالين وأترك الإجابة عليهما للأخرين.
نأتي من النقطة الرابعة التي تفضلت بها ونقول” إن المصور العراقي يعتمد على نفسه بشراء العدة الضرورية والأدواة اللازمة وبعض الاحيان يسافر بيّن المحافظات من أجل شغفه وحبه للتصوير، وهذا ينعكس على مصروفه الخاص او سلفة قد اشترك بها. هل الجوائز كانت تلبي طموحه او تُسهم ولو بالشيء القليل للتخفيف من معاناته، أو تعطيه الحافز للإنتاج البصري المتطور والمتقدم ويكون منافساً قوياً في المحافل الدولية والعربية. الجواب أنظر “للكرستال” فعنده الخبر اليقين!
ونأتي للمحاور من وجهة نظري لم تخرج من المألوف المتكرر الذي ليس فيه تحفيز للمصور على الإبداع اكثر وشحذ همته رغم ” محاولة منظمي المعرض كسر هذا الحاجز لكنها عقدته” وكان الأجدر قبل الإعلان عن المسابقة ومحاور المعرض أن تنظّم جولة تتبناها الجمعية لكافة مصوري العراقي لتصوير مدينتنا الغالية بغداد، وتكون بذلك قد قدمت للمصور المساحة الفنية واللقاءات بين المصورين، والإحتكاك المباشر للأفكار وتبادل الخبرات.
تعقيد المحور بكلمات فضفاضة منمقة لا يساعد المصور على الإنجاز السردي.
عموماً الكلام كثير وفي فمي ماء. لذا اكتفي بهذا القدر من المداخلة وارجوا السماحة على الإطالة.
كان منشورك استاذ محمد ارهيف هو مقال تشخيصي أكثر منه نقدي، إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار من ان النقد هو عملية تقويمية لإي منتج ثقافي او عملي لذا استطيع ان اقول هو ” نقديّ تشخيصي بحت بعيداً عن النقد الشخصي”.


