بقلم د. علي خليفة
(1)
يعد الكاتب المسرحي سعيد حجاج من أكثر الكتاب المصريين في الربع قرن الأخير تأثرًا بمسرح العبث الغربي فيما يكتبه من مسرحيات، وهو لا يوقف كل مسرحه بالسير على تيار العبث، ولكنه يتأثر به في بعض مسرحياته.وأعتقد أن هناك ثيمتين مهمتين في مسرح العبث الغربي قد كتب سعيد حجاج بعض مسرحياته من خلالهما، وهاتان الثيمتان هما: ثيمة العجز عن التواصل الحقيقي مع الآخرين، وثيمة الانتظار العبثي لشخص لن يأتي، أو يأتي بصورة مخالفة لتوقع من ينتظرون مجيئه.
(2)
ونرى وجود الثيمة الأولى في العجز الحقيقي عن التواصل مع الآخرين في كثير من مسرحيات كتاب مسرح العبث الغربي، كمسرحية “الساكن الجديد” ليوجين يونسكو، ومسرحية “شريط كراب الأخير” لصمويل بيكيت.وقد أظهر يوجين يونسكو اللغة أداة عاجزة عن تحقيق التواصل بين الناس في كثير من مسرحياته – مثل: مسرحية “التحيات”، ومسرحية “الخرتيت” – بل إنه رآها أداة تقوي عزل كل إنسان عن غيره، وقصورها عن تحقيق أي تواصل له مع من سواه؛ ولهذا رأينا في بعض مسرحياته وجود ذلك الحوار المتوازي الذي يوحي ظاهره أن الشخصيات المجتمعة في مكان واحد وتتبادل الحوار فيما بينها أنها تتواصل من خلاله، ولكننا حين ندقق النظر في هذا الحوار بين هذه الشخصيات ندرك عجز هذه الشخصيات عن التواصل الحقيقي فيما بينها، ونتأكد من أن كل شخص منها يكاد يكلم نفسه رغم ما يبدو في الظاهر من تفاعله في الحوار مع غيره، كما نرى هذا في الفصل الأول من مسرحية “الخرتيت”، وفي مسرحية “مشهد لأربعة”، ومسرحية “التحيات” ليوجين يونسكو.ونرى سعيد حجاج يستخدم في مسرحية “الكما هو” أسلوبًا في الحوار بين الشخصيتين الوحيدتين في هذه المسرحية شبيهًا بذلك الحوار الذي يدل على عدم القدرة على التواصل بين الشخصيات في مسرح العبث الغربي، فهو حوار متوازٍ، وليس متراشقًا.وفي مسرحية “الكما هو” القصيرة التي تتكون من مشهدين نرى الزوج ينفرد بالحديث في المشهد الأول، ويتكلم في أمور تافهة، كخبر قرأه في إحدى الجرائد في باب حظك اليوم عن أن من ينتمون لبرجه سيموت لهم شخص عزيز عليهم وحيدًا اليوم، ولا يستطيع هذا الشخص المنعزل في ذاته أن يذكر أي شخص عزيز عليه سيموت وحيدًا اليوم، فيثور على هذه الجريدة وعلى الجرائد التي تقتحم عليه بيته البسيط بشكل عبثي.ولا تتفاعل زوجة هذا الرجل معه خلال المشهد الأول من هذه المسرحية؛ لأنها مثله عاجزة عن التواصل مع غيرها، ونراها طوال ذلك المشهد مشغولة في رتق الجوارب، ويبدو أن عملها هذا عبثي لا ينتهي، ولا تصل منه لشيء.وفي المشهد الثاني من هذه المسرحية تواصل هذه المرأة عملها في رتق تلك الجوارب، وتتحدث عن أشياء كثيرة لا يوجد رابط قوي بينها، ولا يبدو لها أهمية كبيرة، ولا يتبادل معها زوجها الحوار، فقد أفرغ كل الكلام الذي عنده في المشهد الأول من هذه المسرحية ولم يعد عنده شيء آخر يقوله، كما أنه لا يمكنه لشعوره بالعزلة الحقيقية عن غيره التواصل مع زوجته أو مع غيرها.
(3)
والثيمة الثانية التي تأثر بها سعيد حجاج من مسرح العبث الغربي هي الانتظار الطويل لشخص لن يأتي، ولو جاء فإنه يجيء على خلاف المتوقع من الأشخاص الذين ينتظرونه، ومن الواضح تأثره في هذه الثيمة بمسرحية “في انتظار جودو” لصمويل بيكيت، وفي هذه المسرحية نرى فلاديمير واستراجون ينتظران في مكان مقفر ليس به سوى شجرة مجدبة جودو الذي يتضح لهما مع نهاية هذه المسرحية أنه لن يأتي، وأن انتظارهما له كان انتظارًا عبثيًّا.وتعد مسرحية “آخران في الانتظار” لسعيد حجاج معارضة لمسرحية “في انتظار جودو”، فنرى في ذلك المكان المقفر الذي ليس به سوى تلك الشجرة المجدبة شخصين يواصلان سلسلة الانتظار العبثي بعد استراجون وفلاديمير وأشخاص كثيرين غيرهم كتبوا أسماءهم على جذع هذه الشجرة، والشخصان اللذان يواصلان الانتظار في مسرحية “آخران في الانتظار” هما صفوان وعزوز، ونكتشف بعد بعض مشاهد من بداية هذه المسرحية أن ذلك الانتظار الذي ظنناه عبثيًّا ليس كذلك، فعزوز تأتيه ثروة كبيرة بعد موت أمه، فيقرر التخلي عن الانتظار وعن قرار الانتحار الذي كان قد اتخذه، ويذهب ليستمتع بهذه الثروة، وصفوان يأتيه في نهاية هذه المسرحية من يؤكد له من قبل من ينتظره أنه موجود في أعماقه، ومن ثم لم نعد في أجواء عبثية – خلاف بداية هذه المسرحية – بل صرنا في أجواء واقعية، وأيضًا رمزية، فيمكن أن يكون هذا الذي ينتظره صفوان واكتشف أنه في داخله هو الأمل أو الطموح أو ما شابه ذلك.وبهذا رأينا أن ثيمة الانتظار في هذه المسرحية بدا في بدايتها كما لو أن المؤلف يحاكي في تطبيقه لها كتاب مسرح العبث الغربي، خاصة بيكيت في مسرحية “في انتظار جودو”، ثم فَرَّغَ هذه الثيمة بعد ذلك من محتواها العبثي، وجعلها تمتزج بالواقع وببعض الرموز.ونرى أثر هذه الثيمة أيضًا في مسرحية “حفلة على شرف العائلة”، وفي هذه المسرحية نرى أسرة تتكون من الجد والأب وزوجة الأب والابن الأصغر تنتظر في بيت بسيط في الصحراء مجيء الابن الأكبر والأخت؛ حاملين المال الكثير الذي سيجعل حال هذه الأسرة ينصلح، كما كان في الماضي، ونرى الجد رافضًا فكرة الانتظار هذه، وهو الوحيد الذي يدرك أن الواقع الذي صارت إليه أسرته لا يمكن إصلاحه، ونراه يموت حين يصل الابن الأكبر خاوي الوفاض، ويتألم الأخ الأكبر لكونه خيب ظن أسرته فيه، ولا يتحمل ذلك الواقع المؤلم الذي عاد له في هذه الأسرة، فنراه بشكل عبثي يأكل جسده، ثم يتحول لطائر أسطوري، ويغيب في الفضاء.أما الأخت فإنها لا تأتي، بينما نراها في عالمها البعيد عن هذا المكان تعاني هي أيضًا، وتنتظر من يأتي ليخلصها من انتظارها المؤلم.
(4)
ومن الواضح أن المؤلف في مسرحية “حفلة على شرف العائلة” ومسرحية “آخران في الانتظار” قد تأثر بثيمة الانتظار الذي لا جدوى منه عند كتاب مسرح العبث الغربي، ولكنه جعل لذلك الانتظار مبررات ودوافع عند الشخصيات للتخلص منه؛ وبهذا صار هذا الانتظار له ظل من الواقع، وحَمَّلَهُ بعض الرموز، واختلف بهذا عن الانتظار العبثي الذي نراه في مسرحيات كتاب مسرح العبث الغربي، خاصة عند صمويل بيكيت في مسرحية “في انتظار جودو”.


