أسرار العدسات: فهم الانحرافات البصرية وكيفية تصحيحها

في الجزء السابق، تعلمنا أن العدسة هي “عين الكاميرا”، وأنها تعمل بمبدأ انكسار الضوء لتكوين صورة مقلوبة على الفيلم. لكننا اكتشفنا أيضاً أن العدسة البسيطة، مثل عدسة القراءة، لا تنتج صورة دقيقة، بل صورة ضبابية ومشوهة.

في هذا الجزء، سندخل إلى عالم “عيوب العدسات” أو ما يسمى بالانحرافات البصرية (Aberrations). سنتعرف على ستة أنواع من هذه العيوب، بدءاً من الزيغ اللوني الذي يحول الصورة إلى هالة ملونة، مروراً بالزيغ الكروي وانحناء المجال، وصولاً إلى التشوه والذنب والاستجماتيزم.

لكن الخبر الجيد هو أن كل هذه العيوب قد تم تصحيحها في العدسات الحديثة. سنتعلم كيف تمكن المهندسون من دمج عدسات موجبة وسالبة لإلغاء هذه العيوب، وكيف أصبحت عدسات كاميراتنا اليوم دقيقة بشكل مذهل. هذا الفصل هو مفتاح فهم جودة العدسة، فاستعدوا!

تصحيح العدسات للحصول على صور أفضل (Lens Corrections for Better Pictures)

لسوء الحظ، فإن العدسة المثالية نظرياً فقط هي التي ستنتج الصورة الدقيقة التي وصفناها للتو. في التطبيق العملي، لا تنتج عدسة بسيطة من هذا النوع صورة مثالية؛ بل تنتج صورة ضبابية بشكل سيئ. السبب في هذا الاختلاف هو أن العدسة البسيطة عرضة لعدد من النقائص أو العيوب، والتي تُعرف باسم الانحرافات (Aberrations). وهذه هي:

1. الزيغ اللوني (Chromatic aberration)

2. الزيغ الكروي (Spherical aberration)3. انحناء المجال (Curvature of field)

4. التشوه (أو التشوه المنحني) (Distortion or Curvilinear Distortion)

5. الذنب (Coma)

6. الاستجماتيزم (Astigmatism)

بصفتك طالباً في التصوير، يجب أن تعرف كيف تمنع هذه الانحرافات العدسة البسيطة من إنتاج صورة حادة. لسوء الحظ، يتطلب الفهم الكامل لهذا الموضوع معرفة عميقة بالرياضيات، لكننا سنبذل قصارى جهدنا لنقدم لك شرحاً بسيطاً حتى يكون لديك على الأقل معرفة عملية بعدسات التصوير. قد لا تفهم كل ذلك في البداية إلا إذا كانت لديك خبرة سابقة في التصوير، لكننا نوصي بشدة باستخدام هذا الدرس كمصدر مرجعي والعودة إليه من وقت لآخر بينما تتعلم المزيد عن العدسات من الخبرة العملية.

الزيغ اللوني (CHROMATIC ABERRATION). إذا مررنا شعاعاً ضيقاً من الضوء الأبيض عبر منشور (الشكل 4)، نجد أنه يخرج كشريط من الألوان. يحدث هذا لأن كل لون ينكسر أو ينحني بمقدار مختلف. يسمى شريط الألوان المسقطة الطيف (Spectrum). قوس قزح ليس سوى طيف عملاق ينتج عن انكسار ضوء الشمس أثناء مروره عبر قطرات المطر.

لاحظ أنه في الشكل 4، ينكسر الضوء الأحمر بأقل قدر، وينكسر الضوء الأزرق البنفسجي بأكبر قدر. يسمى هذا الفصل للضوء الأبيض إلى مكوناته اللونية التشتت (Dispersion).

عندما يمر شعاع ضوئي عبر عدسة محدبة عادية، كما هو موضح في الشكل 5، تنكسر الأشعة الزرقاء بدرجة أكبر من الخضراء، وبدرجة أكبر بكثير من الحمراء. ونتيجة لذلك، لا يوجد مستوى أو مسافة واحدة تتجمع فيها جميع الألوان في البؤرة. في المستوى R، على سبيل المثال، توجد صورة حمراء حادة، لكنها متراكبة مع صور زرقاء وخضراء ضبابية. وبالمثل، فإن المستوى G يحتوي على صورة خضراء حادة ولكن صور حمراء وزرقاء ضبابية، وهكذا. كل هذه الصور تتراكب بحيث لا تراها كألوان منفصلة بل كصورة بيضاء ضبابية.

يسمى هذا العيب في العدسة الزيغ اللوني (Chromatic Aberration). الانكسار (انحناء الضوء) والتشتت (انتشار الألوان) يسيران دائماً معاً ولكن ليس دائماً بنفس الدرجة. لذلك، من الممكن، باستخدام أنواع مختلفة من الزجاج، دمج عدسة موجبة ذات انكسار عالٍ وتشتت منخفض مع عدسة سالبة ذات انكسار منخفض وتشتت منخفض بطريقة تلغي فيها عمليتا التشتت بعضهما البعض (لأنهما في اتجاهين متعاكسين). عدسة مركبة كهذه ستركز جميع الألوان في مستوى واحد. يقال عن عدسة من هذا النوع إنها مصححة لونياً (Chromatically corrected) أو مصححة الألوان. جميع عدسات التصوير مصححة بهذه الطريقة.

في التطبيق العملي، ليس من الممكن التصحيح تماماً لجميع الألوان باستخدام عدستين فقط، على الرغم من أن التصحيح يمكن أن يكون قريباً بما يكفي لمعظم الأغراض. بالنسبة لأعمال الألوان الدقيقة جداً، يتم استخدام ثلاث عدسات. تسمى هذه العدسات الأبوكرومات (Apochromats).

الزيغ الكروي (SPHERICAL ABERRATION). في العدسة البسيطة ذات الأسطح الكروية، مثل عدسة القراءة، تتجمع الأشعة الضوئية التي تمر عبر مركز العدسة في بؤرة عند نقطة أبعد من الأشعة القادمة من الحواف الخارجية للعدسة (انظر الشكل 6). ونتيجة لذلك، تكون الصورة ضبابية.

من الممكن تصحيح ذلك إلى حد محدود عن طريق إغلاق العدسة (Stopping down) واستخدام مركزها فقط. ومع ذلك، فإن هذا يقلل من سرعة العدسة ويزيد التعريض. هناك العديد من المناسبات التي قد لا يكون فيها ذلك عملياً.

من الممكن تصحيح ذلك إلى حد محدود عن طريق إغلاق العدسة (Stopping down) واستخدام مركزها فقط. ومع ذلك، فإن هذا يقلل من سرعة العدسة ويزيد التعريض. هناك العديد من المناسبات التي قد لا يكون فيها ذلك عملياً.

يمكن تصحيح الزيغ الكروي إلى حد كبير من خلال دمج عدسات سالبة وموجبة ذات انحناءات مختلفة، كما في الزيغ اللوني. عند القيام بذلك، يلغي الزيغ الموجب لإحدى العدسات الزيغ السالب للأخرى.

انحناء المجال (CURVATURE OF FIELD). في الشكل 7، نرى عدسة بسيطة تشكل صورة للسهم ABC. لنفترض أن النقطة B من السهم تتجمع في بؤرة حادة عند النقطة b. لكن النقطة A أبعد عن العدسة، وبالتالي تتجمع في بؤرة عند النقطة a، وهي أقرب إلى العدسة من النقطة b. وبالمثل، تتجمع النقطة C في c، وهي أيضاً أقرب إلى العدسة من النقطة b. وبعبارة أخرى، في العدسة البسيطة، مستوى التركيز الأكثر حدة (المستوى البؤري) ليس مستوياً بل منحنياً أو مقعراً. يمكنك التركيز بشكل حاد للنقاط A و C، أو للمنطقة المركزية B، ولكن ليس لكليهما. يسمى هذا العيب انحناء المجال. مرة أخرى، من الممكن تصحيح انحناء المجال من خلال دمج عدسات موجبة وسالبة بمعاملات انكسار مختلفة (كثافة زجاجية) وانحناءات سطحية مختلفة.

التشوه (أو التشوه المنحني) (DISTORTION OR CURVILINEAR DISTORTION). التشوه كعيب في العدسة يعني أن الخطوط المستقيمة القريبة من حواف الصورة تظهر كمنحنيات. يحدد موقع حجاب العدسة (Diaphragm) اتجاه الانحناء. بشكل عام، عندما يكون الحجاب أمام العدسة، تنحني الخطوط للخارج، وتكون النتيجة صورة على شكل برميل، كما في الشكل 8. وهذا ما يسمى التشوه البرميلي (Barrel-shaped distortion). عندما يكون الحجاب خلف العدسة، تنحني الخطوط للداخل، وتكون النتيجة التشوه الوسادي (Pincushion distortion). علاج التشوه واضح. يتم دمج عدستين أو أكثر ويوضع الحجاب بين العناصر الأمامية والخلفية، كما هو موضح في الشكل 9. وبهذه الطريقة، يبطل نوعا التشوه بعضهما البعض.

الذنب (COMA). الذنب هو نوع من الزيغ الكروي للأشعة الضوئية التي تصل إلى العدسة من زاوية. العدسة غير المصححة للذنب ستؤدي إلى إعادة إنتاج النقاط الساطعة للضوء كضباب على شكل مخروط يشير نحو مركز منطقة الصورة. يكون الذنب أكثر وضوحاً كلما اتجهت نحو المناطق الهامشية من مجال الرؤية. يتم تصحيحه أيضاً من خلال دمج عدسات موجبة وسالبة مصنوعة من أنواع مختلفة من الزجاج.

الاستجماتيزم (ASTIGMATISM). الاستجماتيزم في عدسة الكاميرا ليس على الإطلاق نفس الاستجماتيزم في عين الإنسان. غالباً ما يتم الخلط بين الاثنين، لأنهما يظهران كعدم القدرة على تركيز الخطوط الرأسية والأفقية على نفس المستوى. إذا تم تركيز هدف يحتوي على خطوط رأسية وأفقية، سيكون من المستحيل تركيزهما بشكل حاد. لدى المصور خيار جعل الخطوط الرأسية حادة والأفقية ضبابية، أو العكس – إلا إذا لجأ إلى حل وسط بالتركيز بينهما والحصول على ضبابية طفيفة فقط لكليهما.

ختاماً

وهكذا نكون قد أتممنا جولتنا في عالم الانحرافات البصرية، وفهمنا كيف أن العدسة البسيطة ليست كافية لإنتاج صورة دقيقة. تعرفنا على ستة عيوب رئيسية: الزيغ اللوني، والزيغ الكروي، وانحناء المجال، والتشوه، والذنب، والاستجماتيزم.

لكن الأهم من ذلك، تعلمنا كيف تمكن العلماء والمهندسون من التغلب على هذه العيوب من خلال دمج عدسات متعددة ذات خصائص مختلفة، لإلغاء تأثيراتها. هذه هي القصة الحقيقية وراء جودة العدسات الحديثة التي نستخدمها اليوم، والتي تبدو بسيطة من الخارج لكنها معقدة ودقيقة من الداخل.

الآن بعد أن فهمنا كيف تُصنع العدسة المثالية، حان الوقت لنكتشف كيف نستخدم هذه العدسة للتحكم في صورنا. في المقال القادم، سنتعمق في “خصائص العدسة” (Lens Properties): الطول البؤري، وسرعة العدسة، وعمق الميدان. هذه هي الأدوات التي ستمنحك التحكم الكامل في إبداعك. فترقبوا الجزء القادم

أخر المقالات

منكم وإليكم