بقلم ـ محمد سلماوى
الثلاثى الدرامى .. إيزيس وأوزوريس وحورس
مسرحية أبيدوس سبقت المسرح اليونانى بأكثر من ألف سنةلماذا لا يقدم طلبتنا مسرح الأجداد كما يقدم المسرح الإغريقى فى الخارج؟لسنوات طالت بأكثر من اللازم ظل العالم أسيرا بفكرة أن تاريخ المسرح بدأ فى اليونان القديمة بالتراجيديات الخالدة التى كتبها صوفوقل وأوريبيد وأسخيلوس، مع أن مصر عرفت العروض المسرحية قبل هؤلاء بأكثر من ألف سنة، فأين ذهب المسرح المصرى القديم، ولماذا لا نعيد إحياءه كما أحيا الغرب التراجيديا والكوميديا اليونانية القديمة؟ أقول ذلك بمناسبة ما أعلنه وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو من عودة مهرجان المسرح المدرسى والتعاون مع وزارة التعليم العالى فى دعم وتطوير المسرح الجامعى، فالحقيقة أن ازدهار المسرح يبدأ مع النشء فى المدارس، والدول التى تتمتع بتراث مسرحى ثرى يعتبر المسرح جزءًا أساسيا من نشاط الطلبة فى مدارسها وجامعاتها، وعودة المسرح الجامعى تعنى أن المسرح سيعود ليحتل المكانة التى يستحقها فى النشاط الفنى للبلاد، فلماذا لا تكون تلك فرصة لتعريف أبنائنا منذ الصغر بمسرح أجدادهم العظام الذين كانوا أول من عرف فن المسرح؟ وكما يقدم طلبة الجامعات فى الخارج عروض المسرح اليونانى والرومانى القديم والذى أوهمونا لسنوات أنه منشأ الفن المسرحى، لماذا لا يقدم طلبتنا مسرحنا المصرى كما كان يقدم فى المعابد وعلى ضفاف النيل قبل آلاف السنين؟إن علينا واجبا وطنيا وعلميا أيضا، أن نقوم بإعادة الاعتبار للمسرح المصرى القديم، الذى تم تجاهله رغم الدلائل القاطعة التى أثبتت ريادته، ففى أواسط القرن الـ19 اكتشف عالم المصريات الفرنسى الكبير أوجست مارييت، أثناء حفرياته بمدينة أبيدوس فى صعيد مصر لوحة من الحجر الجيرى ارتفاعها نحو متر، مدونا عليها مسرحية طقسية تصور قصة إيزيس وأوزوريس، كانت تقدم فى المواسم الشعبية فى مصر القديمة، وهى موجودة الآن بمتحف برلين باسم لوحة أخرنوفرت، كما تم بعد ذلك اكتشاف نصوص مسرحية أخرى تعالج الموضوع نفسه وهو صراع الخير والشر، وذلك على أوراق البردى، وفى نقوش بعض المقابر الملكية، وفى متون الأهرام، ولقد عكف الباحثون على دراسة هذه النصوص وتجميعها لاستكمال البنية الدرامية لذلك العرض المسرحى الذى يعتبر أول العروض المسرحية التى عرفها الإنسان، والذى كان يقدم فى إطار احتفالى تمثيلى يجمع بين الحوار والحركة والرمز.ويشير نص مسرحية أبيدوس إلى أن المسرح فى المصرى لم يكن يعتمد على خشبةً ولا ستار، بل كان طقسًا كونيًا يولد من رحم العقيدة، ويتم تقديمه فى حضرة الملك والكهنة والجمهور، وهكذا تجلّت عبقرية المسرح المصرى القديم: لا بوصفه فنًا للترفيه، بل باعتباره فعلًا وجوديًا يعيد تمثيل سرّ الحياة والموت، ويمنح الجماعة معنى استمرارها فى مواجهة الفناء.
لم يعرف المصرى القديم المسرح، باعتباره نصًا يُقرأ رغم ما به من أشعار، بل حدثًا يُعاش، حيث كان أوزيريس يُقتل ويُبعث كل عام، لم يكن التمثيل محاكاة، بل استعادة للزمن المقدّس، فالحدث لا يقع مرة واحدة، بل يتكرر تكرار شروق الشمس بعد الظلام، وحلول الربيع بعد الشتاء، ليؤكد أن النظام الكونى القائم على مبادئ الحق والعدل والخير، والتى جسدتها «ماعت»، هو أقوى من الفوضى والظلم والشر. هنا تكمن أولى علامات العبقرية المسرحية بتحويل الأسطورة إلى فعل حيّ، يشترك فيه الممثل والكاهن والجمهور، دون حواجز فاصلة.أليست تلك هى المبادئ الخالدة التى نريد غرسها فى أبنائنا كى يقوم عليها مجتمع المستقبل؟ وأليست مسرحية أبيدوس أفضل ما يمكن أن يتبارى طلبتنا فى تقديمه سواء فى إطار مهرجان المسرح المدرسى أو فى الجامعات؟ لماذا لا نخرج بهذه العروض إلى الهواء الطلق؟ إن المسرح المصرى القديم لم يكن يحتاج إلى ستارة تُفتح أو تُغلق، لأن الطبيعة نفسها كانت خشبته: الطريق المقدس، ضفاف النيل، فناء المعبد، والمكان لم يكن محايدًا، بل جزءًا من المعنى، مشبعًا بالقداسة والرمز، والزمن لم يكن خطيًا، بل دائريًا، يعود إلى نقطة البدء كل عام، ليؤكد فكرة البعث والخلود.. بذلك سبق المصرى القديم الفلسفات الدرامية الحديثة التى لم تدرك إلا متأخرًا أن المسرح هو تنظيم للزمن والمكان وليس مجرد تدبيج للحوار.لقد شاهدنا المسرح الحديث يخرج من إطار مسرح العلبة ذى الحوائط الأربعة ليذهب إلى أماكن تجمع الناس كالمقاهى والمصانع والسجون أيضا، وهو ما يسمونه فى الخارج Community Theatre أو مسرح المجتمعات، والذى اعتبر فى القرن العشرين صيحة حديثة فى تطور فنون العرض المسرحى، بينما كان هذا هو أساس العروض المسرحية التى عرفها أجدادنا فى الساحات أمام المعابد وتحت النخيل على ضفاف النيل. أما الشخصيات المسرحية فهى نماذج كونية لا أفرادًا عابرين: أوزوريس رمز البراءة المذبوحة، ست تجسيد العنف والاختلال، إيزيس صورة الوفاء والمعرفة، وحورس وعد المستقبل والانتصار. الصراع هنا ليس نفسيًا ضيقًا، بل صراع كونى بين الخير والشر، بين النظام والفوضى، بين البناء والخراب. وهذه الرؤية الشمولية هى ما يمنح الدراما المصرية عمقها الفلسفي، ويجعلها أقرب إلى التراجيديا الكبرى قبل أن تُصاغ قواعد التراجيديا الإغريقيّة بقرون.
اللافت أن المسرح المصرى القديم لم يسعَ إلى الإيهام، بل إلى التحقيق: تحقيق العدالة، وتحقيق الطمأنينة، وتحقيق التوازن. الجمهور لم يكن متفرجًا سلبيًا، بل كان شريكًا فى الطقس، يبكى أوزوريس ويحتفل ببعثه، وكأن الدراما تُعيد ترميم الوجدان الجمعى للبشر فى كل دورة زمنية.لهذا، فإن عبقرية المسرح المصرى القديم لا تكمن فقط فى أسبقيته التاريخية، بل فى رؤيته العميقة لوظيفة الفن. لقد أدرك المصرى القديم أن المسرح ليس مرآة للواقع فحسب، بل أداة لإعادة صياغته، ولإقناع الإنسان بأن المعنى ممكن، وأن العدل وإن تأخر فهو قادم لا محال. وإذا كان المسرح الإغريقى قد علّم العالم فن الصياغة، فإن المسرح المصرى القديم علّمه سرّ الرسالة، وهو أن الدراما، فى جوهرها، طقس خلاص، واحتفال متجدد بانتصار الحياة على العدم.. فمتى نرى تلك العروض الطقسية الخالدة تبعث من جديد لتحيى فنا عريقا كنا أول من قدمه للإنسانية؟.


