يضعنا المخرج إيليا خرزانوفسكي بفيلمه «داو ـ DAU» بقلب عالم مغلق، تختلط فيه الفيزياء بالسلطة، والعلم بالمراقبة، والعبقرية بالخوف.عن حياة الفيزيائي السوفياتي ليف لانداو،

💥 مراجعة | «داو».. حين يصبح العلم سلاحاً للسلطة موندروتشو يصنع ملحمة عن الخوف والاختيار فينيسيا ـ خاص «سينماتوغراف» في المسابقة الرسمية للدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا، لا يقدم إيليا خرزانوفسكي «داو ـ DAU» لا كسيرة تقليدية لعالم عبقري، وإنما كتجربة سينمائية ضخمة تضع المشاهد داخل عالم مغلق، حيث تتشابك الفيزياء بالسلطة، والعلم بالمراقبة، والعبقرية بالخوف.الفيلم، المستوحى من حياة الفيزيائي السوفياتي ليف لانداو، يمتد إلى 195 دقيقة، ويتتبع شخصية «داو» عبر أربعة عقود من تاريخ الاتحاد السوفياتي، بين 1928 و1968، في رحلة لا تهتم فقط بما أنجزه العالم، بل بما حدث للإنسان الذي امتلك هذه المعرفة.ويؤدي الموسيقار وقائد الأوركسترا اليوناني تيودور كورينتزيس الشخصية الرئيسية، في اختيار لافت يبتعد عن الصورة التقليدية للعالم العبقري.** ليست سيرة عالميستخدم خرزانوفسكي شخصية داو كعدسة تكشف علاقة الإنسان بالسلطة. يبدأ الرجل مؤمناً بأن العلم وسيلة لفهم الكون، لكنه يجد نفسه داخل منظومة تريد تحويل المعرفة إلى قوة عسكرية وأداة للردع وإثبات تفوق الدولة.السؤال الأساسي هنا ليس، كيف ساهم داو في صناعة العلم؟، بل.. ماذا يحدث عندما تفقد المعرفة استقلالها، ويصبح العالم نفسه جزءاً من النظام الذي يستخدمها؟.داو ليس بطلاً مثالياً يقف في مواجهة الاستبداد. إنه رجل متناقض، أناني ومندفع، يستفيد من امتيازات النظام ويتمرد عليه في الوقت نفسه، يخشاه أحياناً ويتعاون معه أحياناً أخرى. ومن هذه المنطقة الرمادية تأتي قوة الشخصية، فالاستبداد، كما يقترح الفيلم، لا يحتاج دائماً إلى مؤمنين به، بل يكفيه أشخاص يتنازلون خطوة بعد أخرى.** المختبر صورة للمجتمعالمختبر السري في «داو» ليس مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل نموذج مصغر للمجتمع السوفياتي. العلماء والحراس والمسؤولون والعلاقات العاطفية والامتيازات والمراقبة والخوف، كلها تعمل داخل منظومة واحدة تحكمها السلطة.ومن هنا ينتقل الصراع من السياسة إلى الحياة الخاصة. الرجل الذي يعجز عن امتلاك حريته داخل المختبر، يبحث عنها في علاقاته العاطفية، لكنه يكتشف أن القيود التي تحاصره في المجال العام تلاحقه إلى حياته الشخصية.الجنس والخيانة والطموح والخوف ليست حكايات جانبية في الفيلم، وإنما امتدادات لنظام اجتماعي وسياسي يراقب الجميع ويضع حدوداً حتى للرغبات الأكثر خصوصية.** كورينتزيس.. عبقرية مضطربةيمنح تيودور كورينتزيس الشخصية حضوراً بعيداً عن الصورة الرومانسية للعالم العبقري. داو هنا مغرور، شهواني، هش ومستفز، وقادر على إيذاء الآخرين بقدر قدرته على التفكير.لا يحاول الفيلم تبرئته أو إدانته بالكامل، بل يتركه في منطقة أخلاقية غير مريحة. لذلك يبدو أقرب إلى إنسان يحاول الاحتفاظ بذاته داخل نظام مصمم لتفكيكها.وقد تبدو المقارنة مع «أوبنهايمر» حاضرة، لكن الفيلم يذهب إلى مكان مختلف، فهو لا يركز على لحظة صناعة السلاح وحدها، بل على البيئة السياسية والاجتماعية التي تجعل العالم جزءاً من منظومة أكبر منه.** عندما يصبح الشكل فكرةلا يكتفي خرزانوفسكي بإعادة بناء الماضي، بل يحاول جعل المشاهد يعيش داخله. المشروع الذي امتد أكثر من عقدين، وبُني حول عالم ضخم في خاركيف، انعكس مباشرة على شكل الفيلم، الذي يبدو أحياناً كأنه لا يعرض التاريخ بقدر ما يستخرجه من تحت الجلد.المشاهد الجماعية، الصور السريالية، الانتقالات الحادة والأجواء الخانقة تمنح العمل إحساساً بعالم فقد توازنه. لذلك يصبح الشكل نفسه جزءاً من الفكرة، إذا كان عالم داو مضطرباً ومغلقاً، فإن الصورة والإيقاع يفعلان الشيء ذاته بالمشاهد.لكن هذا الطموح له ثمن.** ثلاث ساعات من الاختناقيحتاج «داو» إلى صبر كبير. فالمشكلة ليست في 195 دقيقة وحدها، وإنما في إصرار الفيلم على إبقاء المشاهد داخل منظومته المغلقة، حتى عندما يتباطأ الإيقاع أو تتكرر حالة الاختناق.هناك مشاهد كان يمكن اختصارها من دون الإضرار بجوهر التجربة، لكن طولها يبدو أيضاً مقصوداً، فالفيلم يريد للمشاهد أن يشعر بالإنهاك الذي يعيشه عالمه.وهنا تحديداً ينقسم التلقي.. ما يراه البعض استطراداً، قد يراه آخرون جزءاً ضرورياً من التجربة.** من القنبلة إلى الإنسانأقوى ما يفعله «داو» أنه لا يجعل القنبلة الذرية ذروة الحكاية. القنبلة هي النتيجة، أما القصة الحقيقية فتبدأ قبلها، عندما يقبل العالم أن يعمل لصالح منظومة لا يثق بها، ويسكت، ثم يبدأ في تبرير هذا الصمت.من هنا تتجاوز أسئلة الفيلم الحقبة السوفياتية، من يملك العلم؟ من يحدد غايته؟، ومتى يتحول الباحث من مكتشف إلى أداة؟.وهي أسئلة تكتسب راهنية خاصة في عالم ترتبط فيه العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة بمصالح الدول والجيوش والشركات.** تاريخ لا يغفرلا يقدم خرزانوفسكي الاتحاد السوفياتي كصورة تاريخية مكتملة، بل كمنظومة يتداخل فيها العنف مع تفاصيل الحياة اليومية. لذلك يبدو الفيلم أحياناً أقرب إلى مسرح بشري هائل منه إلى سيرة سينمائية كلاسيكية.لكن جرأته لا تخلو من حدود إشكالية، فالقسوة الجسدية والنفسية قد تبدو لبعض المشاهدين أكبر من الحاجة الدرامية، كما يعيد الفيلم فتح الأسئلة المثارة حول مشروع «داو» نفسه، وحدود المسافة بين الأداء والواقع.** عمل لا يطلب الإعجاب«داو» ليس فيلماً سهلاً، ولا يبدو أنه يريد أن يكون كذلك. إنه يضع المشاهد أمام اختبار طويل للصبر والانتباه، لكنه في المقابل يقدم تجربة يصعب اختزالها أو التعامل معها باعتبارها فيلماً تاريخياً عادياً.قد يفتن المشاهد بحجم التجربة، وقد يشعر آخر بأنه أمضى وقتاً طويلاً داخل عالم مغلق لا يريد أن يفتح أبوابه. لكن حتى في لحظات تعثره، يصعب اتهام الفيلم بالاعتيادية.إذا كانت السينما التاريخية التقليدية تحاول أن تجعلنا نفهم الماضي، فإن «داو» يريد أن يجعلنا نشعر بكيفية العيش داخله.وفي النهاية، لا داو ضحية كاملة ولا بطلاً كاملاً. إنه رجل استطاع أن يقترب من أسرار الكون، لكنه عجز عن اكتشاف طريقة يعيش بها حراً.وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة في الفيلم، الإنسان الذي امتلك المعرفة لصناعة سلاح يهدد العالم، ظل عاجزاً عن حماية نفسه من السلطة والخوف والرغبة.لهذا، فإن «داو» ليس فيلماً عن القنبلة بقدر ما هو فيلم عن الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تصبح معرفته أكبر من قدرته على التحكم في نتائجها. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم