“اللّي ما إلو دار كلّ يوم إلو جار”
هكذا يقول المثل وكأنه وُلد ليواسي القلوب قبل أن يعلّم العقول.
ففي تراثنا الدار ليست فقط جدراناً من طين بل أمانٌ وسند وحين تغيب الدار لا يترك الإنسان وحيداً إذ يفتح له القدر باب الجوار ويمنحه وجهاً مألوفاً وكتفاً يتّسع للتعب.
في قرى ريفنا السوري الجميل حيث كانت البيوت تُبنى من طينٍ ممزوج بالماء والنية الطيبة كانت رائحة الجدران تحتفظ بذاكرة المطر.
وحين يهطل الغيث يفوح الطين
كأنه يتنفس.
وتختلط رائحته بخشب الأبواب العتيقة وبخور المساءات الهادئة.
فيشعر الغريب أنه لم يعد غريباً وأن المكان يعرفه منذ زمن.
الجار هناك لم يكن صدفة بل نعمة.
يشاركك الخبز الخارج تواً من التنور ساخناً مشبعاً برائحة القمح والنار الطيبة ويقسم معك الدفء في ليالي الشتاء الطويلة. إن غابت الدار صارت البيوت المحيطة داراً وصارت الأيدي الممدودة سقفاً لا يسقط.
هذا المثل لا يحدّثنا عن الفقد بل عن الرجاء. يقول إن الإنسان لا يُقاس بما يملك بل بما يُمنَح من محبة. وإن الأرض مهما ضاقت تتّسع بالجوار وإن الغربة تُهزَم حين يُفتح بابٌ ويُقال:
“تفضل البيت بيتك”.
في رائحة المطر على الطين وفي بخور الأمسيات وفي خشبٍ أكلته السنوات ولم يفقد دفأه يعيش معنى هذا القول الشعبي كعهدٍ قديم بأن الخير لا ينقطع وأن من فقد داراً.
لا يفقد الأمل.
لأن كل يوم يحمل جاراً
وكل جار يحمل وطناً صغيراً في القلب.
د.غسان القيم .
𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


