وظيفة وخصائص ونشأة المقامة بالادب العربي

المقامة: نشأتها وخصائصها الفنية ووظيفتها في الأدب العربي تُعدّ المقامة من أبرز الفنون النثرية التي ابتكرها الأدب العربي في العصر العباسي، واستطاعت أن تجمع بين السرد والحكاية، والبلاغة والبيان، والفكاهة والنقد الاجتماعي. وقد نشأت في سياق أدبي اتسم بازدهار الثقافة واتساع الحركة العلمية، فكانت المقامة مجالًا لاستعراض المقدرة اللغوية والبلاغية، وفي الوقت نفسه وسيلة لتصوير أحوال المجتمع وقضاياه.أولًا: مفهوم المقامة ونشأتهاالمقامة في أصلها اللغوي تدل على المجلس أو الموضع الذي يُقام فيه، ثم تطور معناها اصطلاحيًا لتدل على لون قصصي نثري يقوم على حكاية قصيرة ذات بناء فني، يرويها راوٍ عن بطل تتكرر مغامراته ومواقفه.ويُعد بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ) المؤسس الفعلي لفن المقامات، إذ وضع له نموذجًا فنيًا واضح المعالم في مقاماته المشهورة، وجعل من شخصية أبي الفتح الإسكندري بطلًا مغامرًا يتنقل بين الأمكنة والمواقف، مستعملًا الفصاحة والحيلة لتحقيق أغراضه. ثم جاء الحريري (ت 516هـ) فطوّر هذا الفن، وبلغ به درجة عالية من الصنعة البلاغية واللغوية.ثانيًا: البناء الفني للمقامةتقوم المقامة غالبًا على عناصر سردية ثابتة نسبيًا؛ فيأتي الراوي بوصفه شاهدًا على الأحداث، بينما يظهر البطل في صورة شخصية ماكرة، واسعة الحيلة، قادرة على تغيير هيئتها وأساليبها بحسب الموقف.كما تعتمد المقامة على حدث قصير يقوم في الغالب على المفاجأة والحيلة والتنكر، وينتهي بانكشاف حقيقة البطل أو نجاحه في تحقيق غايته. ويمنح هذا البناء المقامة طابعًا حكائيًا قريبًا من القصص، مع احتفاظها بخصوصيتها البلاغية.ثالثًا: اللغة والأسلوبتتميز المقامة بكثافة لغوية واضحة، إذ تتداخل فيها السجعة والجناس والطباق والمقابلة والاقتباس والتضمين، إلى جانب الاستشهاد بالشعر والأمثال والأحاديث والعبارات الفصيحة.وقد جعل هذا التشكيل اللغوي من المقامة ميدانًا لإظهار القدرة على التصرف في اللغة، حتى أصبحت بعض المقامات أقرب إلى مختبر بلاغي يستعرض فيه الكاتب ثراء العربية وإمكاناتها التعبيرية.غير أن الصنعة اللفظية ليست مجرد ترف لغوي؛ فهي تؤدي وظيفة جمالية ودلالية، وتسهم في بناء المفارقة وإبراز ذكاء الشخصية وتحويل الحكاية البسيطة إلى مشهد أدبي غني.رابعًا: المقامة والنقد الاجتماعيعلى الرغم من اعتماد المقامة على الفكاهة والحيلة، فإنها لا تخلو من رؤية نقدية للمجتمع. فقد صورت بعض المقامات الفقر والتسول، والحيلة والاحتيال، والجهل والطمع، كما كشفت عن التفاوت الاجتماعي بين الفئات.وتكمن أهمية هذا النقد في أنه لا يأتي عادةً في صورة خطاب مباشر، وإنما يتجسد من خلال المفارقة والسخرية والمواقف الحكائية. فالشخصية المحتالة قد تكون في الوقت نفسه ضحية لواقع اجتماعي قاسٍ، الأمر الذي يجعل المقامة أكثر تعقيدًا من مجرد حكاية للتسلية.خامسًا: المقامة بين الحكاية والبلاغةتتميز المقامة بكونها تقف عند نقطة التقاء بين السرد والبلاغة. فهي تحكي حدثًا وشخصيات ومواقف، لكنها في الوقت نفسه تمنح اللغة حضورًا قويًا قد يفوق أحيانًا حضور الحدث نفسه.ومن هنا يمكن النظر إلى المقامة باعتبارها نصًا متعدد الوظائف: فهي حكاية من جهة، وممارسة بلاغية من جهة ثانية، وصورة اجتماعية من جهة ثالثة. وهذا التداخل هو الذي منحها قدرتها على الاستمرار والتأثير في النثر العربي اللاحق.خاتمةتمثل المقامة مرحلة مهمة في تطور النثر العربي، لأنها نقلت السرد من مجرد الحكاية إلى بناء فني تتفاعل فيه الشخصية والحدث واللغة والمفارقة والسخرية. وقد أسس الهمذاني لهذا الفن، ثم جاء الحريري فوسّع إمكاناته اللغوية والبلاغية.ولذلك لا تكمن قيمة المقامة في طرافتها وحكاياتها فحسب، وإنما في كونها وثيقة أدبية تكشف جانبًا من الحياة الاجتماعية والثقافية، وتبرز في الوقت نفسه قدرة العربية على إنتاج أشكال سردية تجمع بين الإمتاع والإبداع والنقد والاستعراض البلاغي

#السارد#مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم