شو علاقة عريشة العنب بهوية مدينة كاملة؟
من هوية المكان إلى صناعة هويته | From Place Identity to Place Branding
ببوست سابق عن الفستق الحلبي، طرحنا سؤال: هل ممكن منتج محلي معروف يتحول من مجرد محصول إلى جزء من هوية المكان (Place Identity)، وينبني حوله موسم وفعاليات تساعد بتنشيط الاقتصاد المحلي وصناعة صورة مميزة للمكان؟
لكن إذا رجعنا لتاريخنا، منكتشف إن عنا بسوريا تجارب قريبة من هالفكرة من زمان.
داريا والعنب واحدة منها.
داريا عُرفت تاريخيًا ببساتينها وكرومها، وصار العنب الداراني منتج معروف ومرتبط باسم المدينة. لكن العلاقة بين داريا والعنب ما بقيت مجرد علاقة زراعية أو اقتصادية.
العنب دخل إلى البيت من خلال عرايش العنب، وصار جزء من المشهد اليومي: ظلّ للبيت، مكان للجلسات العائلية، ومحصول حاضر في حياة الناس وذاكرتهم.
ومع الوقت، انتقلت هالعلاقة من البيت والبستان إلى مستوى المدينة.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي على الأقل، كان للعنب حضوره كحدث عام في داريا من خلال مهرجان للعنب. وتوثّق صورة أرشيفية من عام 1953 حضور الرئيس السوري أديب الشيشكلي افتتاح المهرجان، بينما تتحدث شهادات من داريا عن مهرجان عُرض فيه عشرات الأصناف من العنب.
وهون في تفصيل مهم:
المهرجان ما صنع هوية داريا من الصفر… بل أعطى تعبير عام لهوية كانت موجودة أصلًا.
الأرض صنعت المنتج،
والمنتج وصل إلى السوق،
والعريشة دخلت البيت،
والموسم صار مناسبة اجتماعية،
والمهرجان أخذ هالعلاقة إلى مستوى المدينة.
والقصة ما توقفت هون.
ومن داريا نفسها انطلقت «جريدة عنب بلدي Enab Baladi» عام 2011، حاملة اسم العنب معها إلى مساحة مختلفة تمامًا: الإعلام. وبغض النظر عن الدافع المباشر وراء اختيار الاسم، وجود العنب في اسم مؤسسة خرجت من داريا بيضيف تفصيل لافت لقصة رمز كان حاضر أصلاً في بيئة المدينة وذاكرتها.
ثم جاءت الحرب الهمجية على الشعب السوري الثائر، وأضافت طبقة جديدة وأكثر قسوة إلى ذاكرة المكان.
داريا، المعروفة تاريخيًا بالعنب، صار يُشار إليها في بعض السرديات المحلية خلال سنوات الثورة بعبارة «مدينة العنب والدم».
واللافت أن العنب بقي حاضر.
لكن الرمز نفسه صار يحمل معنى إضافي: ما عاد يحكي فقط عن الأرض والبساتين والمواسم، بل صار يتقاطع أيضًا مع ذاكرة الثورة وما عاشته المدينة وأهلها.
وهون بتصير قصة داريا مهمة جدًا من منظور هوية المكان (Place Identity).
لأن هوية المكان مو صورة ثابتة من الماضي.
هي بتتراكم، وبتتغير، وبتكتسب طبقات جديدة مع الأحداث اللي بيمر فيها المكان.
ورغم الحرب، وتراجع مساحات واسعة من الكروم، والتوسع العمراني، ما اختفت العلاقة مع العنب. حتى اليوم، ما زالت عرايش موجودة في بعض البيوت، وبعض الأهالي عم يرجعوا لزراعتها، وكأن الرمز استمر حتى بعد ما تغيّر المشهد اللي أنتجه.
إذا طلعنا على القصة كاملة، منقدر نشوف مسار تشكّل عبر عقود:
الأرض > المنتج > البيت > السوق > المهرجان > الرمز > الحرب > الذاكرة.
وهون بيظهر الفرق بين هوية المكان (Place Identity) وصناعة هوية المكان (Place Branding).
الـPlace Branding مو بالضرورة Logo جديد، أو Slogan، أو حملة بتقرر من فوق شو لازم تمثل المدينة.
قبل الـPlace Branding في Place Identity.
هوية بتتكوّن تدريجيًا من علاقة الناس بالأرض، والبيت، والاقتصاد، والعادات، والأحداث والذاكرة. ودور صناعة هوية المكان لاحقًا مو اختراع شخصية جديدة للمدينة، بل فهم الهوية الموجودة أصلًا، واحترام طبقاتها، وحمايتها، والبناء عليها.
وهذا بيرجعنا للفستق الحلبي.
لما نحكي اليوم عن مهرجان للفستق، أو عن ربط منتج محلي بمكانه وتنشيط الاقتصاد حوله، فنحن مو بالضرورة عم نستورد فكرة جديدة على سوريا.
عنا أصلًا تجارب محلية بتورجينا كيف ممكن محصول يبدأ من الأرض… ويصير مع الوقت جزء من ذاكرة مدينة وهويتها.
والدرس من داريا مو إن كل مدينة لازم تعمل مهرجان.
الدرس أعمق:
قبل ما نسأل: شو الـBrand اللي بدنا نصنعه للمكان؟
يمكن لازم نسأل أولًا: شو الهوية اللي صنعها المكان وأهله أصلًا؟
لأن أقوى هويات المدن أحيانًا ما منخترعها…
منكتشف إنها كانت عم تنبنى من زمان.
#OmranLab #Syria #Darayya #PlaceBranding #PlaceIdentity #UrbanDevelopment #Placemaking #LocalIdentity
(الصورة: الرئيس أديب الشيشكلي في افتتاح مهرجان العنب في داريا، 1953 | موقع Syrian History)


