قبل نحو ثلاثة آلاف عام، وقف شاعر في بلاد الإغريق ينشد قصة مدينة محاصَرة وأسطول من ألف سفينة وبطلين يتواجهان تحت الأسوار. يقول التراث التاريخي أن هذا الشاعر هو هوميروس، ونصّه هو «الإلياذة». تسرد القصيدة واحداً وخمسين يوماً من العام العاشر للحرب. تفتتح بغضب أخيل وتختتم بجنازة هكتور، فيبقى سقوط المدينة خارج صفحاتها. أما حيلة الحصان الخشبي فتسكن قصيدته الأخرى «الأوديسة» وملحمة فيرجيل «الإنيادة».
وقعت الأحداث، إن وقعت، نحو عام 1200 قبل الميلاد، وتشكّلت القصيدة في القرن الثامن قبل الميلاد. فاصل زمني يقارب أربعة قرون انتقلت فيها الحكاية من فم إلى فم، فاتسعت وتلوّنت وارتدت ثوب الأساطير، وحضرت فيها الآلهة على أرض المعركة.
في أواخر القرن التاسع عشر، قرر رجل ألماني يُدعى هاينريش شليمان أن يبحث عن المدينة التي قرأ عنها في قصائد هوميروس. كان شليمان رجل أعمال ثريًا، شغوفًا بالعالم القديم، وقد قاده إيمانه بالإلياذة إلى موقع هيسارليك، في شمال غربي تركيا الحالية، قرب مضيق الدردنيل. سبقه إلى الفكرة عالم الآثار البريطاني فرانك كالفرت، الذي أقام في المنطقة وامتلك جزءاً من التل ودلّ شليمان عليه.
هناك، بدأت الحفريات تكشف عن مفاجأة غيّرت فهمنا لطروادة. كانت المفاجأة أن التل احتوى على بقايا مدينة قديمة تعاقبت عليها حضارات وأجيال عبر آلاف السنين. كشفت الحفريات عن أسوار ضخمة، وأبواب دفاعية، وآثار لمستوطنات دُمّرت ثم أُعيد بناؤها. كان الموقع أشبه بكتاب تاريخ دُفنت صفحاته بعضها فوق بعض، وكل طبقة تحمل آثار عصر مختلف.
بيّنت الدراسات اللاحقة أن الكنز يعود إلى مدينة طروادة الثانية، نحو 2500 قبل الميلاد، أي أقدم من زمن الحرب بأكثر من ألف عام.
شليمان ارتكب خطأً فادحا. فقد اعتقد أن أقدم الطبقات التي وصل إليها هي طروادة التي وصفها هوميروس، وعثر فيها على كنز ذهبي شهير أطلق عليه اسم «كنز بريام»، نسبةً إلى الملك الأسطوري الذي حكم المدينة في الإلياذة. وأظهرت الدراسات اللاحقة أن هذا الكنز يعود إلى زمن أقدم بكثير من الفترة التي يُرجَّح أن أحداث الملحمة استلهمت منها، كما أن أساليب التنقيب التي اتبعها شليمان ألحقت أضرارًا بطبقات أثرية مهمة.
ومع تقدم الأبحاث، تحوّل النقاش إلى طروادة السادسة وطروادة السابعة أ، اللتين تعودان إلى العصر البرونزي المتأخر، وهي الفترة التي يُرجّح أنها حفظت في ذاكرة الإغريق نواة حكاية الحرب. تابع فيلهلم دورفلد العمل بعد شليمان وكشف عن طروادة السادسة: أسوار عالية من الحجر الجيري وأبراج مهيبة وبقايا عظام خيول كثيرة. وفي ثلاثينيات القرن العشرين درس كارل بليجن، من جامعة سينسيناتي، طبقة طروادة السابعة ووجد فيها آثار حريق كبير نحو 1180 قبل الميلاد، مع جرار مخزّنة في الأرض وهياكل عظمية ورؤوس سهام.
ثم جاء مانفريد كورفمان، فمسح الأرض المحيطة بالقلعة بين عامي 1988 و2005 وكشف عن مدينة سفلى واسعة محاطة بخندق دفاعي. هنا ظهرت صورة أكثر إثارة، مدينة محصنة ذات موقع استراتيجي قرب الدردنيل، عند نقطة مهمة من طرق الملاحة والتجارة بين بحر إيجة والأناضول. وكان موقع كهذا قادرًا على جذب أطماع القوى المحيطة به، وجعل الصراع حوله احتمالًا تاريخيًا معقولًا.
تروي الإلياذة قصة صراع بدأ، وفق الأسطورة، حين اختطف باريس، أمير طروادة، هيلين زوجة الملك الإسبرطي مينلاوس. جمع أجاممنون، ملك موكناي وشقيق مينلاوس، قادة الإغريق وأسطولهم، وانطلقوا إلى طروادة لاستعادتها. وهناك دارت المعارك بين أخيل، أعظم أبطال الإغريق، وهكتور، المدافع عن مدينته وأسرته.
غير أن هوميروس ركّز في الإلياذة على فترة قصيرة من السنة الأخيرة للحرب، جعل فيها غضب أخيل محور الأحداث، وصولًا إلى مقتل هكتور وقيام أخيل بإعادة جثمانه إلى أبيه بريام. أما قصة الحصان الخشبي وسقوط طروادة، التي أصبحت أشهر مشاهد الحرب في الذاكرة الشعبية، فترد في روايات قديمة أخرى، أبرزها الأوديسة، وفي تقاليد أدبية لاحقة مثل الانيادة لفرجيل.
وهذا التفصيل مهم لفهم طبيعة الملحمة، فهوميروس يقدم عالمًا أدبيًا تتداخل فيه ذكريات الحروب القديمة مع البطولة والتقاليد الشفهية والتدخل الإلهي. أما علماء الآثار، فيبحثون عن أدلة مادية يمكن تأريخها ومقارنتها، مثل الأسوار والفخار وآثار الحرائق والدمار.
وقد أظهرت الدراسات وجود اتصالات وصراعات بين عالم بحر إيجة والأناضول خلال العصر البرونزي المتأخر، وهي البيئة التاريخية التي يمكن أن تكون قد حفظت ذكريات تحولت لاحقًا إلى قصة حرب طروادة. ومع ذلك، لم تكشف الحفريات عن دليل حاسم يثبت أن الحرب وقعت بالتفاصيل التي رواها الشعراء، أو أن أخيل وهكتور وباريس عاشوا فعلًا كما تصفهم الملحمة.
فماذا تقول الحصيلة؟ تقول إن مدينة حقيقية عظيمة قامت على هذا التل، وتحصّنت بأسوار شامخة، وتاجرت عبر البحر، وانتهى أحد أطوارها بنار هائلة. وتقول إن ذاكرة الإغريق احتفظت بصدى هذه المدينة قروناً حتى وجدت في الشاعر صوتاً يحوّلها إلى ملحمة خالدة.
يتكفّل التراب بحفظ الأسوار والرماد والأختام، ويتكفّل الشعر بحفظ وجه هيلين وغضب أخيل وبكاء بريام. وفي كل موسم حفر جديد يرتفع بين الطبقتين سؤال يُبقي طروادة حيّة: كم من القصيدة يسكن تلك الأرض؟
#حقبة تاريخ#مجلة ايليت فوتو ارت.
