هل نعرف بالفعل حقيقة ذواتنا ..وماهي النقطة العمياء في علم النفس.

… أعمى لا يتصالح مع ذاته

أخطر كذبة يقولها الإنسان لنفسه: “أنا أعرف نفسي جيداً”. في علم النفس توجد ظاهرة تُسمى النقطة العمياء؛ نُجيد رؤية أخطاء الآخرين أكثر من رؤية الانحيازات التي تحكم قراراتنا نحن. ولهذا يستطيع الإنسان أن يكتب كتاباً عن أخطاء البشر، ثم يقضي عمره دون أن يلاحظ أنه الشخصية الرئيسية فيه.

هذه ليست مفارقة أدبية، بل حقيقة تجريبية صارخة. في عيّنة من أكثر من 600 أمريكي، اعتبر 85% أنفسهم أقل انحيازاً من الشخص العادي، ولم يقرّ واحد فقط بأنه أكثر انحيازاً من الآخرين. النقطة العمياء ليست جهلاً بسيطاً، بل هي انحياز معرفي يتضمن إدراك تأثير الانحياز على أحكام الآخرين، مع الفشل المتزامن في رؤية تأثيره على أحكام الذات. إنها شكل من أشكال الإدراك غير المتماثل، حيث تبدو آليات التحيز شفافة تماماً عندما نراقبها في الآخرين، لكنها تبقى معتمة كلياً حين نلتفت إلى داخلنا.

… وهم التأمل الذاتي

لماذا نرى القشة في عين أخينا ولا نبصر الخشبة في عيننا؟ يُعزى ذلك إلى آليتين متكاملتين: وهم التأمل الذاتي، وعدم التماثل بين الذات والآخر. حين نحكم على أنفسنا، نلجأ إلى الاستبطان ونستشير نوايانا ومشاعرنا الداخلية، فنجدها – في الظاهر – نقية بريئة، ونستنتج تلقائياً أننا موضوعيون. أما حين نحكم على الآخرين، فلا نملك سوى سلوكهم الظاهر، فننسبه إلى تحيزاتهم. هكذا يُولد الوهم: نستخدم معياراً مزدوجاً، معياراً داخلياً متسامحاً مع الذات، ومعياراً خارجياً قاسياً على الآخرين.

وتؤكد الدراسات أن هذا الانحياز مستقر وقابل للقياس، ولا علاقة له بالقدرة الفعلية على اتخاذ القرار؛ فالجميع – بغض النظر عن ذكائهم أو خبرتهم – يميلون إلى الاعتقاد بأنهم أقل انحيازاً من غيرهم. بل إن الدراسات تظهر أن هذا التحيز يظهر لدى الأطفال أيضاً، وعبر ثقافات مختلفة، وفي مجالات متنوعة من القرارات المالية والقانونية والطبية.

… أخصائيون لا يُعالجون أنفسهم

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الأطباء النفسيين أنفسهم ليسوا محصّنين. ففي دراسة استكشافية على أطباء نفسيين فرنسيين، وُجد أن نسبتهم في النقطة العمياء كانت أعلى من نسبة “أخلاقيين” متخصصين في المداولة الجماعية، رغم أن الأطباء النفسيين يعملون في مجال يعتمد على التفكير التأملي وتحليل الذات. هؤلاء الذين يقضون حياتهم في تشريح انحيازات مرضاهم، يعانون من العمى نفسه الذي يشخصونه في عياداتهم.

لماذا لا يتصالح الإنسان مع نفسه؟

السؤال الجوهري: لماذا لا يتصالح معظم الناس مع ذواتهم؟ لأن التصالح مع الذات ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو عملية معرفية معقدة تصطدم بعقبات عميقة. أول هذه العقبات أن التصالح مع الذات يفترض ضمناً وجود خصومة بين الذات وذاتها، وهو افتراض لا يخلو من سطحية. فالإنسان يولد كمشروع جدلي مستمر، يحمل في داخله تناقضات ضرورية للنمو؛ وكلما قمعت التربية هذا التناقض بدلاً من احتوائه، أنتجت “قشرة قمعية وداخلاً مقهوراً”. أي أن عدم التصالح ليس دائماً فشلاً فردياً، بل غالباً نتاج بيئة لم تسمح للذات أن تتسع لتناقضاتها.

والعقبة الثانية أن آليات الدفاع النفسي – وعلى رأسها الإنكار – تمنع الوعي بالذات من الأساس. الإنكار آلية دفاعية لا شعورية تحمي الشخص من مواجهة ضعفه ورغباته المرفوضة. وحين ينكر الإنسان جانبه المظلم، فإنه لا ينكر حقيقة داخلية فحسب، بل ينكر إمكانية التصالح معها. كيف يتصالح المرء مع ما لا يعترف بوجوده؟

والعقبة الثالثة أن البصيرة الذاتية محدودة بطبيعتها. أظهرت الأبحاث أن إدراك الناس لشخصياتهم – وإن كان دقيقاً إلى حد كبير – يحتوي على ثغرات مهمة؛ بعضها ناتج عن نقص المعلومات والوعي، وبعضها ناتج عن تحريفات مدفوعة بدوافع نفسية في تصوراتنا عن أنفسنا. بمعنى آخر: حتى لو أردنا بصدق أن نعرف أنفسنا، فإن أدوات المعرفة الذاتية ليست محايدة ولا مكتملة. كثير من حياتنا الذهنية غير واضح لنا، ونبقى جاهلين بدوافعنا.

العمى كدرع

وهنا المفارقة النهائية: النقطة العمياء ليست عيباً عرضياً، بل وظيفتها دفاعية. بعض الباحثين يرون أن النقطة العمياء تنشأ جزئياً من الرغبة في رؤية الذات في ضوء إيجابي. حين يكون الانحياز أمراً غير مرغوب فيه، يميل الناس إلى نفيه عن أنفسهم؛ لكن حين يُقدَّم الانحياز كأمر إيجابي، يقرّون به. وهذا يعني أن العمى ليس فشلاً معرفياً فحسب، بل هو تكتيك نفسي للحفاظ على صورة ذات مقبولة. غير أن هذه الحماية ثمنها باهظ: فالشخص الذي لا يرى انحيازاته، لا يستطيع تصحيحها؛ ومن لا يعترف بأنه غير متصالح مع نفسه، يظل أسير خصومة صامتة لا يدرك حتى وجودها.

لذا، قد يكون أول خطوات التصالح – أو اتساق الذات، كما يفضل بعض علماء النفس – هو الاعتراف المرّ بأننا لا نرى كل شيء. أن نسلّم بأن هناك في داخلنا نقطة عمياء، وأننا الكاتب – والممثل – والشخصية الرئيسية في كتاب أخطاء البشر.

أن نرى العمى ، هذه أول خطوة نحو البصر … RAMI

#المثقفون السوريون.#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم